تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
شرح حديث أبي هريرة ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط
تاريخ النشر: ١٤ / ربيع الأوّل / ١٤٣١
التحميل: 1435
مرات الإستماع: 9656

ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قطُّ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب جديد عبر عنه المصنف -رحمه الله- بقوله: باب "لا يعيب الطعام واستحباب مدحه"، فهذه الترجمة متضمنة لأمرين:    

الأول: هو ترك العيب، وذلك أن عيب الطعام ينبئ عن لون من جفاء الطبع، وتهافت النفس غالباً، كما أن فيه أيضاً كسراً لقلب من أعده، أو أحضره، وكذلك فيه أيضاً شيء من ازدراء النعمة، والنعم وإن دقت فإن حقها الشكر، لا العيب والذم، واستحباب المدح فوقه، يعني هي مرتبة فوق ذلك، ليست واجبة، ولكنها أمر مستحسن مرغب فيه، وذلك لما فيه من تقدير نعمة الله ، وحفظ إنعام المنعم، بالإضافة إلى جبر قلب من أتحفك بها، من دفعها إليك، من صنعها، من أعدها، إذا أثنيت عليها فإن ذلك يقوي قلبه، ويبعث السرور في نفسه، وهذا أمر مشاهد لا ينكر، وهذا هدي رسول الله ﷺ.

قد ذكر المصنف -رحمه الله- حديثين تحت هذا الباب: الأول:

حديث أبي هريرة قال: "ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قطُّ، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه"[1].

"ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قطُّ" فهذا العموم الظاهر في هذا اللفظ يُحمل على أنواع العموم الأربعة؛ لأن العموم يتوجه إلى أربعة أشياء:

العموم في الأفراد: يعني: أي طعام سواء كان مطعومًا أو مشروباً، وسبق أن المشروب من جملة المطعوم، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ [البقرة:249]، يعني: النهر فَإِنَّهُ مِنِّي

فما عاب طعاماً قط، لا قليلا ولا كثيرًا، ولا فاخرًا، ولا ما هو دون ذلك، وكذلك أيضاً عموم الأحوال: في كل حال، في حال الرضا والغضب، والجوع والشبع والضيافة والاجتماع بالناس والانفراد، وكذلك أيضاً عموم الأمكنة: في أي مكان سواء كان في بيته، أو في بيت غيره أو في المسجد، أو في سفر في ضيافة أحد من الناس، فعموم الأشخاص -الأفراد، والأحوال، والأزمنة، والأمكنة.

ما عاب طعاماً قط والطعام هنا نكرة في سياق النفي، فيحمل ذلك على العموم، ما كان هديه ﷺ؟، هل معنى ذلك أنه يأكل الطعام، ولو كان غير مستساغ في نفسه؟ لا يلزم، يعني هل معنى هذا أن الإنسان يُلزم أن يأكل، ولو كان ذلك مما يعافه؟

الجواب: لا، لكن لا يعيب، قال: "إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه"، متفق عليه.

بمعنى أنه لا يعيب الطعام، لا يقول: هذا غير جيد، إن أعجبه أكل، وإن لم يعجبه سكت وتركه، لا يتكلم في عيبه، وهذا خلق رفيع، يحتاج المؤمن أن يروض نفسه عليه، كثير من الناس تعاني منهم زوجاتهم بكثرة عيب الطعام، لا يعجبه شيء، تعمل نصف النهار في المطبخ فإذا جاءت بالطعام هذا حامض، وهذا حلو، وهذا حار، وهذا بارد، وهذا مالح، وهذا قليل الملح، ولا تسلم أبداً، لابدّ من عيوب، كُل، فإن ارتقيت مرتبة فتثني على الطعام، وهذا خلق نبيل، يعني هي تعبت بذلت جهدًا، هذا الإنسان الذي ضيفك، تقول: ما شاء الله هذا جيد، هذا ما شاء الله، ما تقول: هذا قليل، هذا لا يساوى من يقدمه، أو من يُدعى إليه، أو نحو ذلك، لا، قل: ما شاء الله بركة، وخير، والنبي ﷺ يقول: طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة[2]، لا تحتقر طعاماً وتزدريه لقلته، ولا لنقص وقصور في صنعته، وإنما كل ما أعجبك واسكت عما عدا ذلك، فإن ارتقيت مرتبة ستثني على الطعام، فالمرأة يؤثر فيها كثيراً لما تجلس مع زوج نُقَدة، يعني كثير النقد، ينتقد كل شيء لا تقدم له شيئًا إلا يستخرج فيه العيوبَ، والمحاسنُ أين أنت عنها؟ لكن انظر جرب أثر هذا حينما تقول: ما شاء الله، طبعاً يجوز الكذب على الزوجة فيما يجمع القلوب، ويؤلف النفوس إذا جاءت بالطعام قل: ما شاء الله، هذا اليوم أحسن غداء في العالم، قل لها هذا، الكلام ببلاش، والله يقول: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء:53]، ما شاء الله، في أحسن من هذا؟ ما شاء الله، تبارك الله، لا يضرك، وهي تسر وتنبسط وتبتسم، لكن جرب العيب يبدأ الانقباض، وعلامات الانقباض في الوجه، فقل من هذا الكلام من الثناء الذي يؤنس النفوس، ويجذبها ويحصل به انشراح في نفس السامع، وأنت لا تتضرر، الكلام لا تحتاج أن تدفع ثمنه، هو نفس الكلام إن كان يصدر في العيب، وإن كان يصدر في الثناء والمدح، هو نفس الكلام، فبدلاً من أن يكون في العيب ليكن الكلام في الثناء والاطراء هذا في الطعام وفي غير الطعام، إذا لبستْ لباساً أو نحو ذلك ما شاء الله، لا أدري هل أنتِ التي جملتِ الثوب؟ أو الثوب الذي جملكِ؟ التبس الأمر علينا، وقد يكون هذا الثوب غير جيد إطلاقاً.    

نعم الأدم الخل

والحديث الآخر وهو:

حديث جابر ، أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل[3]، رواه مسلم

"أن النبي ﷺ سأل أهله الأُدْم"، والأُدْم والأُدُم ما يؤكل به الطعام، مثل لو أن الإنسان يأتدم مثلاً بالزيت زيت الزيتون، وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ [المؤمنون:20] يغمس به، وهكذا المرق، والخل، يغمس خبزًا بالخل مثلاً، يقال له: أُدم، ما يخلط بالطعام يؤتدم به، فالنبي ﷺ سأل أهله الأُدم، فقالوا: "ما عندنا إلا خل"، من منا اليوم يأتدم بخل؟ وأفقر واحد لو أنه سأل أهله، وقال: عندكم شيء؟، قالوا: ما عندنا إلا خل، حتى نعرف ما نحن فيه من النعم المستفيضة، وكلما كثرت هذه النعم -للأسف- كلما ازداد بعض الناس شيئاً من التعالي، والترفع والتكبر على فضل الله ، وإنعامه -للأسف، فتجد الأصناف والأنواع الكثيرة ومع ذلك من الناس من لا يرضى ويغضب، ولربما لا يأكل، أو يتذمر؛ لأن هذه الأنواع هي التي تتكرر، سبعة أنواع يؤتي يؤتدم بها، ستة أنواع ويغضب، وقد يكون ينتسب إلى دين، أو دعوة، أو نحو ذلك ويغضب، يقول: فقط تكرر هذه في كل يوم، ما تريد وراء هذه الأصناف؟!، ولكنه الترف الذي يحمل كثيراً على الأشر والبطر، وازدراء النعمة، فقالوا: "ما عندنا إلا خل، فدعا به، فجعل يأكل"، وهل أكل فقط؟.

لا، ويقول : نعم الأُدْم الخل، نعم الأُدْم الخل، رواه مسلم.

وهذا فيه تربية للنفوس إذا لم تجد إلا شيئاً قد لا يكون بتلك المنزلة من المطعومات أو نحو ذلك، فهو من جملة نعم الله ، وهناك من لا يجد ذلك، فيمكن أن تقول: نِعْم الطعام، نعمة من الله، ويهوِّن ذلك ما قد ينتاب النفس أحياناً من السخط والأنفة والتبرم، فيثني عليه، ولو كان شيئاً حقيراً في نظر البعض، نعم الأدم الخل، وكررها ﷺ، فهذه تربية، يحتاج الإنسان أن يروض نفسه، يربي نفسه، يربي أولاده، ومَن حوله أن يقدروا هذه النعم، وإذا لم يعجبهم تركوا، النبي ﷺ وُضع الضب بين يديه فلم يأكل، ولكنه ما عابه، فلما سألوه حرام هو؟ قال: لا، وبين علة عدم الأكل بالنسبة إليه، قال: إنه لا يوجد في أرض قومي، وأجدني أعافه[4]، يعني أنه ما استساغه، لكن ما قال: إيش هذا؟ مثل ما يقول بعض الناس: إيش جالسين تأكلون؟ يزدري ويأتي بكلمات وأوصاف تدل على تقذر من هذا الطعام، ولربما قبّحه في نفوسهم وكرههم وزهدهم فيه، فمثل هذا لا يليق، "أجدني أعافه"، لستَ مطالباً بأن تأكل، لا يلزمك أن تأكل، لكن لا تعب الطعام، فهذا السلوك يحتاج الإنسان أن يربي نفسه وأن يروضها عليه، وإذا رآه الصغار ومن تحت يده يسلك هذا المسلك فإنهم لا يعيبون الطعام، ولو تقاصرت نفوسهم عن الثناء عليه، قد لا يصلون إلى هذه المرتبة أن يثنوا على كل ما وضع، الناس يتفاوتون لكن على الأقل يتربون على عدم عيب الطعام، وإذا سمع الولد أباه يعيب ما يوضع بين يديه تخلق بذلك، وصار يتذمر، وأول من سيكابد ويعاني هو أبوه، الولد هذا لا يعجبه العجب، كلما وُضع بين يديه شيء من نعم الله ازدراه واحتقره، وتذمر وصدر منه من الأقوال والتصرفات ما ينبئ عن نفس مشمئزة، مترفعة، لا يرضيها شيء، وأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يلهمنا رشدنا، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما عاب النبي ﷺ طعاما، برقم (5409)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب لا يعيب الطعام، برقم (2064).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب طعام الواحد يكفي الاثنين، برقم (5392)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب فضيلة المواساة في الطعام القليل، وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة ونحو ذلك، برقم (2059)، واللفظ له.
  3. أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب فضيلة الخل والتأدم به، برقم (2052).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب الضب، برقم (5537)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب إباحة الضب، برقم (1945).

مواد ذات صلة