تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
(2) شرح حديث أبي جري رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه
تاريخ النشر: ١٤ / ربيع الآخر / ١٤٣١
التحميل: 1234
مرات الإستماع: 3974

إياك وإسبال الإزار

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب صفة طول القميص والكم والإزار... إلى آخر ما ذكر في الترجمة، أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أبي جُرَيٍّ جابر بن سليم  قال: رأيتُ رجلاً يصْدُر الناس عن رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه.

قلت من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ، قلت: عليك السلام يا رسول الله -مرتين، قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الموتى، قل: السلام عليك، قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإذا أصابك عام سنة  فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك، فدعوته ردها عليك قال: قلت: اعهد إلي. قال: لا تسبن أحدا قال: فما سببت بعده حرا، ولا عبدا، ولا بعيرا، ولا شاة، ولا تحقرن من المعروف شيئا، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة؛ وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه. رواه أبو داود والترمذي[1].

بمعنى: أنهم يتلقونه بالقبول، ويصدرون به، ولا يردّون أمره، ولا يعترضون توجيهه.

وقوله: تحية الموتى، قال ابن القيم -رحمه الله: الدعاء بالسلام دعاء بخير، والأحسن في دعاء الخير أن يقدم الدعاء على المدعو له، كقوله تعالى: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ [هود:73].

وقوله: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مريم:15]، وقوله: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد:24].

أما الدعاء بالشر، فيقدم المدعو عليه على الدعاء، غالبًا، كقوله تعالى لإبليس: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص:78] ما قال: لعنتي عليك.   

وإنما قال النبي ﷺ ذلك إشارة إلى ما جرى منهم في تحية الأموات؛ إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء، وهو مذكور في أشعارهم كقوله:

عليك سلامُ الله قيسَ بن عاصم ورحمتُه ما شاء أن يترحما

إلى آخر ما ذكر.

ابن القيم -رحمه الله- يقول: ليس مراده أن السنة في تحية الميت أن يقال له: عليك السلام، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين[2].

فقدم الدعاء على اسم المدعو، كما في تحية الأحياء، فالسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات، يعني: النبي ﷺ علمه أن مثل هذا لا يحسن ولا يسوغ، لا يقول: عليك السلام.

لكن ابن القيم -رحمه الله- يشير إلى ما ذكره بعض أهل العلم، من أن قول القائل: عليك السلام، أن ذاك ما كانوا يتعارفونه في جاهليتهم، فيما يتصل بالأموات، وإلا فإن المشروع إذا أراد الإنسان أن يسلم على الموتى فإنه يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين فيبدأ بالسلام.

قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله، الذي إذا أصابك ضر فدعوتَه كشفه عنك، وإذا أصابك عامُ سنةٍ... أي: قحط، سواء أمطرت السماء، ولم تنبت الأرض، أو لم تمطر، كل ذلك يقال له: سنة، ولو كان دون السنة كما أشرنا سابقاً، لكن لطول أيام الشدة عُبر عنه بالسنة.

قال: إذا أصابك عامُ سنةٍ فدعوتَه أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة... القفر: هي التي لا أنيس فيها، ولا نبات، ولا ماء، وأما الفلاة فهي الأرض المهلكة التي لا ماء فيها، فلاة من الأرض.

يقول: فضلت راحلتك فدعوتَه ردها عليك، قال: قلت: اعهد إليّ، يعني: بوصية، قال: لا تسبنّ أحدًا والسب معروف، الشتم وما في معناه.

قال: فما سببت بعده حرًّا، ولا عبداً، ولا بعيراً، ولا شاة، يعني: ولا شيئًا، امتثل أمر النبي ﷺ ووصيته، وهذا يدل على أن هذه القضية بمكان من الدين، ولهذا أوصى بها هذا الرجل الذي سأل الوصية.

قال: ولا تحقرنّ من المعروف شيئاً... يعني: ولو قل، كما قال النبي -ﷺ: اتقوا النار ولو بشق تمرة[3].

وقال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة:7]. مثقال الذرة، التمرة كم تساوي من آلاف الذر في الميزان؟

قال: وأنْ تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهُك يعني: ببشر وطلاقة وجه، يعني: ما تكلم أخاك وأنت مكفهر الوجه، مقطب الجبين، كأنك غاضب، كأنك مستاء منه، فإن ذلك يؤثر في نفسه، وإذا كان الإنسان يعاني من مشكلات، أو يعاني من هموم، أو يعاني من مرض، أو يعاني من تعب فليس معنى ذلك أن ينقل تعبه على الآخرين، ويكون كلًّا عليهم وعبئاً عليهم، لكن لا أقل من أنه يلقاهم بحال لا تدل على استياء، لا أقل من هذا.

يقول: إن ذلك من المعروف يعني: هذه الأشياء اليسيرة التي يتساهل فيها الناس، ولا يتفطنون لها.

قال: وارفع إزارك إلى نصف الساق... كما في الحديث الآخر: إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه[4]وكما سبق أنّ ذكر الإزار ليس للحصر، وإنما ذلك مفهوم لقب، من قبيل مفهوم اللقب الذي لا عبرة به، يعني: الإزار وما في معناه.

قال: فإن أبيت يعني: أن تجعله إلى نصف الساق، فإلى الكعبين، يعني: أن الأفضل  في الإزار أو الثوب أن يكون إلى نصف الساق، وللإنسان رخصة إلى الكعبين، فهذا موطن الرخصة.

قال: وإياك وإسبال الإزار، فإنها من المَخِيلة يعني: الكبر، وهذا كما أشرت في الليلة الماضية أن من أهل العلم من يقول: إن الإسبال بحد ذاته يعد من الكبر، قصد أو لم يقصد، هو من أعمال المتكبرين؛ لأنه قال: فإنها من المَخِيلة، الخيلاء، ما قال: إذا قصد ذلك أو لم يقصد.

قال:وإن الله لا يحب المَخِيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه عيرك بشيء يتصل بك، أو بأهلك، أو بولدك، أو بمالك، أو بتجارتك، أو بعمل صدر منك، أو غير ذلك، وأنت تعلم مثل ذلك أو أكثر فيه، فلا ترد بالمثل، فتستوي معه بالسفه والإساءة.

قال: فإنما وبال ذلك عليه يعني: أن عاقبته السيئة ترجع إليه، والوبال بمعنى العاقبة، يقال: كلأ وبيل، ومرعى وبيل، وهو الذي تستلذه الماشية وتطرب له، ثم يكون فيه هلاكها، أي: مراعٍ وخيمة، سامة مثلًا، يقال: كلأ وبيل تقبل عليه الماشية، ثم العاقبة تكون الهلاك.

يقول الله -فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ [لتغابن:5]يعني: عاقبة أمرهم السيئة، فهذا الذي يشتم ويعير الناس، ويسخر منهم، وما إلى ذلك، وبال ذلك يرجع إليه، فلا تقابله بالمثل، فإن ذلك ليس من فعل أهل المروءات، وموسى -ﷺ لما قالوا له: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة:67].

فدل على أن الذي يستهزئ بالناس أنه من الجاهلين، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (4 /56)، رقم: (4084).
  2. أخرجه مسلم، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (2 /669)، رقم: (974).
  3. أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة (2 /109)، رقم: (1417).
  4. أخرجه ابن ماجه، كتاب اللباس، باب موضع الإزار أين هو (2 /1183)، رقم: (3573).

مواد ذات صلة