تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
(4) تكملة لشرح حديث قيس بن بشر أخبرني أبي
تاريخ النشر: ١٨ / ربيع الآخر / ١٤٣١
التحميل: 1356
مرات الإستماع: 1894

تتمة حديث قيس بت بشير

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكنا في الليلة الماضية نتحدث عن حديث قيس  بن بشر التغلبي، قال: أخبرنا أبي -وكان جليساً لأبي الدرداء- قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له سهل بن الحنظلية، وكان رجلاً متوحداً، قلَّما يجالس الناس، إنما هو صلاة، فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير، حتى يأتي أهله، فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك، قال: بعث رسول الله ﷺ سريّةً  فقدمتْ، فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﷺ فقال لرجلٍ إلى جنبِه لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو، فحمل فلانٌ فطعن، فقال: خذها مني، وأنا الغلامُ الغِفاريُّ، كيف ترى في قوله؟، قال: ما أراه إلا قد بطل أجرُه، فسمع بذلك آخرُ، فقال: ما أرى بذلك بأساً، فتنازعا حتى سمع رسولُ اللهِ ﷺ فقال: سبحان اللهِ! لا بأسَ أن يُؤجَرَ ويُحمدَ، فرأيتُ أبا الدرداءِ سُرَّ بذلك، وجعل يرفعُ رأسَه إليه -يعني إلى الرجل الذي حدث، ويقول: أنت سمعتَ ذلك من رسولِ اللهِ ﷺ فيقول: نعم، فما زال يعيدُ عليه حتى إني لَأقولُ: لَيبرُكنَّ على رُكبتَيهِ[1].

يعني: أبا الدرداء، تواضعاً، وفرحاً بهذا الحديث، باعتبار أنه اجتمع له أمران، ما يتصل بالأجر، وما يتعلق بأمر دنيوي معجل، وهو المحمدة، لو صح الحديث.

التشريك في النيات

والقاعدة في مثل هذا فيما يتعلق بالالتفات والتشريك في النيات أن العمل على أنواع:

النوع الأول: ما أراد به وجه الله فحسب، فهذا أعلى المراتب، إنسان يجاهد لا يريد إلا ما عند الله.

المرتبة الثانية: هو أن يريد ما عند الله، ويطلب أمراً يجوز له أن يطلبه، يحصل على سبيل التبع، أمر مباح مثل الذي يحج يريد ما عند الله، ويريد التجارة، أو عنده حملة يرتزق منها، أو نحو هذا، فهذا يجوز، لكن لا يفعل هذا من أجل الدنيا، من أجل التجارة فقط، يذهب إلى الحج من أجل التجارة، هذا ليس له نصيب.  

فهذه الأمور تحصل تبعاً، يصوم يريد ما عند الله، ومع ذلك هو يريد أن يصح، يمشي إلى المسجد يريد الخطا إلى المساجد والأجر والدرجات، ومع ذلك هو يريد أيضاً أن ينشط بدنه، فهذا جائز لكنه في المرتبة الثانية.

المرتبة الثالثة: وهو أن يلتفت إلى أمر لا يجوز له الالتفات إليه، مثل الرياء والسمعة، يحج يريد ما عند الله، لكن يريد أن يقولون: يا حاج، حج عشرين حجة، حج ثلاثين حجة، حج أربعين حجة، اعتمر خمسين عمرة، فهذا لا يجوز، وليس له عند الله نصيب، أو يجاهد ويريد ما عند الله، ولكنه يريد المحمدة، يقال: شجاع، فهذا من أول الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة.

قال ﷺ: إن أول الناس يُقضَى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم، وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار[2].

فلا يجوز للإنسان أن يلتفت إلى شيء من هذه المطالب الدنيئة، الرياء والسمعة، وحب المحمدة، وإن كان يريد ما عند الله، فإن التفت إلى شيء من ذلك بطل عمله، ولكن أهل العلم يختلفون في تفاصيل وراء ذلك، فهم يقولون: إذا كان ذلك -أي خاطر الرياء- في ابتداء العمل واستمر معه فإن عمله باطل، فإن طرأ عليه أثناء العمل فدفعه صح عمله، فإن استرسل معه وبقي بطل العمل، فهذا صاحب الرياء والسمعة.

مرتبة أخرى بعد ذلك: وهو من لا يريد بعمله إلا الدنيا فقط، فهذا ممن قال فيه في آية هود: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15- 16].

وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20].

فهذا الذي تمحضت إرادته للدنيا، فهو إن أخرج الزكاة فلأجل أن ينمو المال، وإن وصل الرحم فلأجل أن ينسأ له في أثره، وإن مشى -خرج- لصلاة الفجر فلأجل أن يشم غاز الأوزون بزعمه، وإن صلى مع الجماعة فمن أجل أن يثبت عدالته، ولأجل أن تقبل شهادته؛ لأن الذي لا يصلي مع الجماعة لا عدالة له، ولا قبول لشهادته، فهو يفعل هذا من أجل هذا فقط، لا يريد ما عند الله، فهذا عمله يبطل؛ لأنه يريد الدنيا فقط.

هذا الرجل في هذا الحديث -لو صح هذا الحديث- ينبغي أن يحمل فعله هذا على أنه لم يفعل ذلك من أجل التسميع، وإنما أراد أن يُعلم ذلك للعدو، ليعرف العدو قوته وبأسه في سبيل الله -تبارك وتعالى- فهذا لا إشكال، وأما إذا كان يريد أن الآخرين يعرفون أنه شجاع، ويحمد على هذا، فهذا لا يجوز، قاتل رياء وسمعة.

قال: فمرَّ بنا يوماً آخر، فقال له أبو الدرداءِ: كلمةً تنفعُنا ولا تضرُّك، قال: قال لنا رسولُ اللهِ ﷺ: المُنفق على الخيلِ كالباسطِ يدَه بالصدقةِ، لا يقبضُها، يعني: في علفها، وما شابه ذلك، فهذا كالباسط يده في النفقة في سبيل الله لا يقبضها، وجاءت أحاديث صحيحة في الخيل، وأنها لثلاثة، فالذي ارتبطها خيلاء، وفخراً، وأشراً وبطراً فهي للشيطان، والذي ارتبطها للنسل وللتجارة فهي لما نوى، ومن ارتبطها في سبيل الله فهذا الذي له الأجور العظيمة، إذا أعطاها الشعير فله في كل حبة حسنة، كما ثبت ذلك، وحينما تجول تكتب خطواتها حسنات له، وهكذا أرواثها، كل ذلك يكتب له[3].

قال: ثم مرَّ بنا يوماً آخرَ، فقال له أبو الدرداءِ: كلمةً تنفعُنا ولا تضرُّك، قال: قال لنا رسولُ اللهِ ﷺ: نعم الرجلُ خُريمُ الأسَديُّ، خُريم بن فاتك الأسدي، بعضهم يقول: أسلم عام الفتح، أو يوم الفتح -فتح مكة، وبعضهم يقول: إسلامه قديم، شهد بدراً.

قال النبي ﷺ فيما يروى عنه هنا: نعم الرجل خُريم الأسدي، لولا طولُ جُمَّتِه، وإسبالُ إزارِه.

طول الجُّمة: الشعر إذا كان يضرب إلى المنكبين، يسترسل على المنكبين، فهذا جُمة، وإذا كان يلم بهما يقال له: لُمَّة، وإذا كان يصل إلى فروع الأذنين يقال له: وَفرة، وهذا في شعره طول، مع أن الشعر كان طويلاً في وقتهم، معروف هذا، لكنهم رجال، الرجل فيهم عن ألف، والواحد منهم حينما يكون شعره طويلا فهو في غاية الرجولة والمروءة والخشونة، والقوة، والثبات، أبعد ما يكونون عن الرخاوة والميوعة، وتجد الرجل يلبس إلى أنصاف ساقيه إزارًا. 

واليوم تجد من يطيل شعره، ويحلق لحيته، ويقول: أقتدي بالنبي ﷺ، أين أنت من النبي ﷺ؟ ومسبل إزاره -مسبل ثوبه، أو لربما يقصر ثوبه، ويطلق لحيته، بعض الشبيبة يترك شعره هنا ولربما ربطه بربطة، قد لا تفرق بينه وبين أخته، ويقول: نقتدي بالنبي ﷺ وإذا كُلم ونُصح قال: في نُسك، ونفس العبارة، الرد واحد، لا أدري هل هم يتلقونه من بعض، أو أنه يُلقى على ألسنتهم؟.  

وقد رأيت بعض هؤلاء يذهب للحج، وهو من بين الحملة كلها الناس محلقون ومقصرون، وهو الوحيد الذي يضع هذه الربطة، أنت تقتدي بالنبي ﷺ؟!، النبي ﷺ قال ثلاثاً: اللهم اغفر للمحلقين[4]، احلق، فالقضية أحياناً يكون فيها هوى في النفس.

ثم إن هذا الشعر في وقتنا هذا هو شعار الفساق، وليس في وقتنا هذا فقط، بل ذكر ابن عبد البر -رحمه الله- وابن عبد البر متوفى في حدود سنة 460 للهجرة، ذكر ابن عبد البر -رحمه الله- في كتاب التمهيد شرح الموطأ أن إطالة الشعر -في زمانه- من شعار الفساق، هذا في القرن الخامس الهجري، في منتصفه الأول، من شعار الفساق، في ذلك الوقت، فماذا يقال في زمانك هذا؟.

وأيضاً مثل هذا يؤثر في سلوك الإنسان، تجد الشاب إذا أطلق شعره يميل إلى التأنّث، ويصير في تصرفاته رخاوة، وبين لحظة ولحظة يحرك بطريقة معينة رأسه، وأشياء ما تصلح للرجال.

الإنسان قد يمر بمراحل، وهو في عقله في تلك المرحلة يظن هذا حسناً، وأنه جيد، وأن هذا من الكمالات، ولكنه بعدما ينمو عقله، ويكبر لربما لو رأى له صورة بهذه الهيئة استحى وقطعها، وغطى وجهه.

لكن كما قال مطرف بن عبد الله بن الشخير -رحمه الله: عقول الناس على قدر زمانهم[5].

فهذا من الناحية الكلية للناس اهتماماتهم وتفكيرهم، ومن الناحية أيضاً الفردية في المراحل العمرية، عقول الناس على قدر زمانهم.

قال: نعم الرجل خُريم الأسدي لولا طول جُمته وإسبال إزاره، وهذا هو الشاهد، فبلغ ذلك خريماً، فعجل، فأخذ شَفرةً يعني: سكينًا عريضة، فقطع بها جُمَّتَه إلى أُذُنَيه، ورفعَ إزارَه إلى أنصافِ ساقَيه.

قال: ثم مرَّ بنا يوماً آخرَ، فقال له أبو الدرداءِ: كلمةً تنفعُنا ولا تضرُّك، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: إنكم قادِمون على إخوانِكم، فأصلِحوا رِحالَكم، وأصلِحوا لباسَكم، حتى تكونوا كأنكم شامةٌ في الناسِ، فإنَّ اللهَ لا يحبُّ الفُحشَ، ولا التَّفَحُّشَ.

الشامة معروفة حبة سوداء في الجلد، فتكون متميزة، فيقصد أن يتميز الإنسان بحسن لباسه، ونظافة بدنه وثيابه، وطيب رائحته، وما أشبه ذلك، وهذا كله -أي السمت الحسن والتؤدة- من أجزاء النبوة، من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة، كما جاء في بعض الأحاديث، فذلك مطلوب شرعاً، أن يحسن الإنسان من حاله.

قال: رواه أبو داود بإسناد حسن، إلا قيس بن بشر، فاختلفوا في توثيقه وتضعيفه، وقد روى له مسلم.

والحديث على كل حال ضعيف، وإن كان ضعفه غير شديد.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (4/ 57)، رقم: (4089).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار (3/ 1513)، رقم: (1905).
  3. انظر صحيح مسلم، باب إثم مانع الزكاة (2/ 682)، رقم: (987).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال (2/ 174)، رقم: (1728)، ومسلم، كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير (2/ 946)، رقم: (1302).
  5. سير أعلام النبلاء (4/ 189).

مواد ذات صلة