تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
(2) شرح حديث عائشة كان يصلي من الليل وحديث حذيفة اللهم باسمك أموت وأحيا
تاريخ النشر: ٠٤ / جمادى الأولى / ١٤٣١
مرات الإستماع: 2399

كان النبي ﷺ يصلي من الليل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب آداب النوم، والاضطجاع، والمجلس، والجليس، والرؤيا

أورد المصنف -رحمه الله: حديث عائشة -رضى الله عنهما- قالت: "كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يجيء المؤذن فيؤذنه"[1]متفق عليه

قوله: "كان النبي ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة"، "كان" هذه في قوله: "كان يصلي"، إذا جاء بعدها الفعل المضارع -أي: كان يفعل كذا- تدل على المداومة، والتكرار، وأن هذا كان من هديه، وشأنه المستمر ﷺ.

وقوله: "يصلي إحدى عشرة ركعة" يعني: في رمضان، وفي غير رمضان، لكنه يصلي صلاة طويلة، يطيل في قيامها، وركوعها، وسجودها.

تقول: "فإذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين"، يعني: بعدما يوتر، والنبي ﷺ يقول: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا[2]، فبعدما يوتر ويطلع الفجر: يصلي ركعتين خفيفتين.

هذا الحديث ظاهر بأن هاتين الركعتين هما: ركعتا الفجر، يعني: سنة الفجر القبلية، وجاء في حديث آخر عن عائشة -رضى الله عنها- تصف هاتين الركعتين من جهة الخفة والقِصَر، تقول: "وأنا أقول: هل قرأ فيهما بسورة الفاتحة؟" يعني: أنه كان يصلي صلاة خفيفة جدًّا في سنة الفجر.

وإذا طلع الفجر فإنه لا يشرع للإنسان أن يتنفل، ويتطوع، إنما يصلي هاتين الركعتين فقط؛ لأنه وقت نهي بعد طلوع الفجر.

تقول: "ثم اضطجع على شقه الأيمن" يعني: بعد هاتين الركعتين، وقبل صلاة الفريضة، والعلماء يقولون: يضطجع؛ ليستريح؛ ليستجم بعد قيام الليل، من أهل العلم من يقول: كان يفعل ذلك على سبيل الاستراحة مما يكون من باب العادة المحضة، ومنهم من يقول: إن ذلك يكون محلا للاتِّساء والاقتداء، فيُقتدى بالنبي ﷺ، فيكون من السنة إذا فرغ الإنسان من قيام الليل وطلع الفجر، وصلى سنة الفجر: أن يضطجع، هكذا قال بعض أهل العلم، ولا شك أن صلاة الركعتين في البيت أفضل، ولكن ذلك لا يتأتى مع التبكير لغير الإمام؛ لأن السنة في حق الإمام أن يدخل على المأمومين إذا أقيمت الصلاة، هكذا كان يفعل النبي ﷺ، يؤذنه بلال بالإقامة، أو بالصلاة، وأن الناس قد اجتمعوا، فيخرج إليهم ﷺ، لكن بالنسبة للمأمومين لو أنه أراد أن يصلي سنة الفجر، فمعنى ذلك: أنه سيتأخر.

على كل حال، هذا الاضطجاع -كما سبق- من أهل العلم من يرى: أنه سنة، ومنهم من يرى: أنه من باب العادة، والأمور العادية، ومن أهل العلم من يقول: إن هاتين الركعتين كان النبي ﷺ يصليهما بعد قيام الليل، وقبل طلوع الفجر، وإنها سنة بعد القيام، وإن ذلك مستثنى من عموم قوله ﷺ: اجعلوا أخر صلاتكم بالليل وترًا، ومن أهل العلم من يقول: إن ذلك مختص به، فأمَرَ الأمة بأن يجعلوا آخر صلاتهم بالليل وترًا، وكان يصليها، فيكون ذلك خاصًّا به، وهذا الحديث، وهذه الرواية ظاهرة بأن المقصود بها: سنة الفجر.

وقوله: "حتى يجيء المؤذن فيؤذنه" يعني: يعلمه ﷺ باجتماع الناس، ويعلمه بالصلاة، ويستأذن منه بالإقامة.

اللهم باسمك أموت وأحيا
وذكر: حديث حذيفة قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده، ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا، وإليه النشور[3].

قوله: "كان إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده"، وعرفنا أنه أيضًا ينام على شقه الأيمن، كما في حديث البراء إذا أتيتَ مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك...، واجعلهن آخر ما تقول[4]، فهنا فيه زيادة: "إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده الأيمن"، واليد تطلق من طرف الأصابع إلى المنكب، كل هذه يقال لها: يد، لكن المقصود باليد هنا: الكف، "وضع يده تحت خده"، يعني: الأيمن.

ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا، كثير من أهل العلم يقول: المراد بقوله: اللهم باسمك أموت يعني: بك أموت، وبك أحيا، اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر:42].

يقول: وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور رواه البخاري، والنوم لا شك أنه موتة، لكنه موتة صغرى، وكما سمعتم: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، فالنوم موتة؛ ولهذا لا يكون لأهل الجنة نوم؛ لأنه نقص في الحياة، ونقص في نعيمهم.

قال: الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، فهذه نعمة تستوجب الحمد، وقال في رواية: الحمد لله الذي رد إليّ روحي وعافاني في بدني وأعانني على ذكره[5]، فيكون للإنسان مزيد من المدة في الحياة، يعبد فيها ربه، ويستدرك التقصير، ويتوب من إساءته، وذنوبه، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب الضجع على الشق الأيمن، رقم: (6310)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل، وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل، وأن الوتر ركعة، وأن الركعة صلاة صحيحة، رقم: (736).
  2. أخرجه البخاري، أبواب الوتر، باب: ليجعل آخر صلاته وترًا، رقم: (998)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل، رقم: (751).
  3. أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب وضع اليد اليمنى تحت الخد الأيمن، رقم: (6314)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، رقم: (2711).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب فضل من بات على الوضوء، رقم: (247)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، رقم: (2710).
  5. أخرجه الترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله ﷺ، باب منه، رقم: (3401)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته: (1/ 184)، رقم: (716).

مواد ذات صلة