تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
شرح كل أحاديث الباب - من حديث عبدالله بن زيد إلى حديث الشريد بن سويد
تاريخ النشر: ٠٩ / جمادى الأولى / ١٤٣١
التحميل: 1144
مرات الإستماع: 2108

مقدمة باب جواز الاستلقاء على القفا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول المصنف -رحمه الله: باب جواز الاستلقاء على القفا، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة، وجواز القعود متربعًا، أو محتبيًا.

قوله: جواز الاستلقاء على القفا، الاستلقاء لا يكون إلا على القفا أصلًا، ولكنه ذكر القفا زيادة في الإيضاح والبيان، كما يقال: الصراط المستقيم، والصراط لا يكون إلا مستقيمًا، فإذا قيل: المستقيم، فهذه صفة كاشفة، تكشف حقيقة الحال، لا أنها مقيِّدة، كما تقول: رجل طويل، لكن لما تقول: رجل ذكر، فهي: كاشفة؛ لأن الرجل لا يكون إلا كذلك.

جواز الاستلقاء على القفا، هذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال فيه مع ما بعده: جواز الاستلقاء على القفا، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، يعني: حال الاستلقاء، فالكلام على الاستلقاء على القفا جائز، لا إشكال فيه، ولم يتكلم في هذا أحد، إنما الكلام في صفةٍ في الاستلقاء: أن يستلقي، وينصب إحدى الرجلين، ثم يضع رجله الأخرى على ركبته، أو على فخذه الآخر، يعني: يقول بإحدى الرجلين هكذا وينصبها، ثم يأتي بالرجل الأخرى ويقول بها هكذا، وهو مستلقٍ، واحدة منصوبة الساق، والثانية مرفوعة إلى ركبة الرجل الأخرى، أو إلى الفخذ، رافع رجله على الثانية، على ركبتها، فورد فيه نهي.

فالمصنف هنا يقول: ووضع إحدى الرجلين على الأخرى إذا لم يخف انكشاف العورة، بمعنى: أنه يحمل النهي الوارد على علة انكشاف العورة، وأن ذلك حيث يؤمن، يعني: انكشافها، فلا بأس أن يفعل الإنسان ذلك.

طيب، ما الدليل؟ لماذا هذا القيد، والنبي ﷺ نهى عن هذا؟ الدليل على هذا القيد هو أن النبي ﷺ فعل ذلك، فأفعاله ﷺ هذه:

إما أن تُحمل على الاختصاص، ونقول: هذا خاص به، والأصل عدم الاختصاص، وأفعاله تشريع ﷺ.

وإما أن يقال: إن النهي كان للكراهة، وليس للتحريم، بدليل أن النبي ﷺ فعله، لكن هو لماذا للكراهة؟، ففهم منه المصنف -رحمه الله- وهو الإمام النووي- أن هذه الطريقة في الاستلقاء، أنها لا شيء فيها من حيث هي، لكنه يلحقها الإشكال، ويتعلق بها النهي؛ لأنها مظنة انكشاف العورة، فإذا أمن انكشاف العورة فلا إشكال، يعني: قديمًا كان الناس يلبسون الإزار، وما كانوا يلبسون السراويل، إلا قليلًا، أو نادرًا، فإذا جلس الواحد ونام بهذه الطريقة، أو استلقى بهذه الطريقة، فإن ذلك يعني: انكشاف العورة، والشريعة جاءت بالستر، والأمر بالستر، ونحو ذلك، فإذا أُمِن، بأن كان الإنسان يلبس سراويلات، وفعل هذا، فلا يحصل المحظور، ويجوز له أن يفعل هذا.

قال: وجواز القعود متربعًا ومحتبيًا، متربعًا: مثل هذه الجلسة التي أَجلسها، هذا التربع، وهي: جِلسة يتمكن فيها الإنسان في جلوسه، وقد ذكر كثير من أهل العلم في آداب الجلوس ونحو ذلك: أن هذه الجلسة هي الأكثر وقارًا، واعتدالًا.

ومحتبيًا: الاحتباء: أن ينصب ساقيه -وهو معروف- ويربطهما، يشدهما إلى ظهره بعمامة، أو حزام، أو نحو ذلك، وربما فعل بيديه، يعني: شدهما بيديه، وإن كانت باليدين قد يقال لها اسم آخر، كما سيأتي.

رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا في المسجد
ذكر حديث عبد الله بن زيد -رضى الله عنهما-: "أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى"[1]، متفق عليه.

هذه الصيغة التي ورد فيها النهي، ففعلها النبي ﷺ، وفي المسجد، يعني: لو كان منفردًا في بيته، ورآه، كان يقال: ربما النبي ﷺ فعل ذلك؛ لأنه بمفرده، وليس ذلك مظنة رؤية الناس، لكن في المسجد فذلك دليل على أن هذا جائز، إذا أمن انكشاف العورة.

كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع
وذكر حديث جابر بن سمرة قال: "كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه، حتى تطلع الشمس حسناء"[1]، قال: حديث صحيح، رواه أبو دواد، وغيره، بأسانيد صحيحة.

"تربع في مجلسه": هذا دليل لما ورد في الترجمة من التربع في الجلوس، فهو يجلس متربعًا بعد الفجر حتى تطلع الشمس حسناء.

وقوله: "تطلع الشمس حسناء"، حسناء يعني: ليس في أول بزوغها، وإنما بعد أن ترتفع، فإذا ارتفعت قدر رمح حلت الصلاة -يصلي الإنسان- وارتفع وقت النهي، وهذا يدل على أنه يسن أن يجلس الإنسان بعد الفجر إلى مثل هذا الوقت، وورد فيه الحديث الآخر: أنه إذا صلى ركعتين كتب له أجر حجة وعمرة، تامة تامة[2]، وبعضهم ضعفه، وبعضهم حسنه.

رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة
وذكر حديث ابن عمر -رضى الله عنهما- قال: "رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبيًا بيديه هكذا، ووصف بيديه الاحتباء، وهو القرفصاء"[1].

فناء الكعبة يعني: السعة التي عندها، وهو ما نسميه الآن مثلا: الصحن، "محتبيًا بيديه"، هكذا، ووصف بيديه الاحتباء، وهو: القرفصاء، رواه البخاري.

هذا الاحتباء باليدين يقال له: القرفصاء، وكان ذلك أكثر جلوس النبي ﷺ، والقرفصاء: ينصب ساقيه، ويجلس محتبيًا، وبعضهم ذكر أن القرفصاء: أن يضع كفيه تحت إبطيه، يجلس بهذه الطريقة، وهي: جلسة تدل على التواضع، والبساطة في الجلوس.

وأما ما ورد من النهي عن الاحتباء يوم الجمعة، والخطيب يخطب، فقيل: ذلك لما فيه من الاشتغال؛ لأن الاحتباء المعروف يكون بشد عمامة، أو نحو ذلك، فيحتاج أن يربط ويشد، فيشتغل، وقيل: لأنه مظنة لانكشاف العورة.

رأيت النبي ﷺ وهو قاعدٌ القرفصاء
وذكر: حديث قَيْلة بنت مَخْرمة -رضى الله عنها- قالت: "رأيت النبي ﷺ وهو قاعدٌ القرفصاء"، وهي التي مضت آنفًا، "فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشِّع في الجلسة، أُرعدتُ من الفَرَق"[1]يعني: من الخوف، رواه أبو داود، والترمذي.

وهذه الأحاديث كلها ثابتة، منها: الصحيح، ومنها: الحسن.

تقول: أُرعدتُ، يعني: جلس متخشعًا، فهابت رسول اللهﷺ لمّا رأته بهذه الجلسة.

أتقعد قِعدة المغضوب عليهم
وعن الشَّريد بن سُويد قال: مر بي رسول الله ﷺ وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على إلية يدي، فقال: أتقعد قِعدة المغضوب عليهم؟![2]رواه أبو داود بإسناد صحيح.

رآه النبي ﷺ وهو قاعد قد وضع يده اليسرى خلفه، واتكأ على إلية كفه، أو إلية يده، والإلية هي: مما يلي الإبهام، هذه هي إلية اليد، والإنسان إذا اتكأ غالبًا يتكئ عليها، فهو: وضع يده اليسرى واتكأ هكذا، فقال: أتقعد قِعدة المغضوب عليهم؟!، وقد جاء تقييد ذلك أنه في الصلاة، وجاء في بعض الروايات بأنها جلسة الذين يعذبون، وجاء في بعض الروايات الصحيحة أيضًا: أنها صلاة اليهود.

والمغضوب عليهم هم: اليهود، وإذا ذكر الغضب ذكر اليهود.

فالأحاديث الواردة في هذه الجلسة كما في هذا الحديث: مُطلَقة، قال هنا: "وأنا جالس هكذا"، وما ذكر أنه في الصلاة، لكن جاء تقييده في روايات أخرى: أن ذلك في الصلاة، فقد يفهم منه: أن النهي يخص الصلاة، وأن هذه صلاة اليهود، كما جاء في الرواية الأخرى.

وأما خارج الصلاة فقد يقال: إن ذلك يجوز، قد يقال، إذا حملنا هذه الروايات المطلقة على المقيدة، وهو مقتضى الصناعة الأصولية، ولكن هذا لا يقطع به -والله تعالى أعلم، لكنها في الصلاة هي هكذا، لكن قوله ﷺ بأن هذه قعدة المغضوب عليهم، يعني: كما قال: صلاة اليهود، وأما جلسة الذين يعذبون فيمكن أن يحمل على أنه وصف آخر لهم، فإن قيل: إن ذلك صفة للذين يعذبون في النار مثلًا فيكون في الصلاة وخارج الصلاة، فالأمر يحتمل، فلو أن الإنسان ترك هذا، وجلس كما كان النبي ﷺ يجلس لكان خيرًا له، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في جلوس الرجل، رقم: (4847)، والترمذي، أبواب الأدب عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الثوب الأصفر، رقم: (2814)، والبخاري في الأدب المفرد، باب القرفصاء، رقم: (1178)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ص: 458)، رقم: (902/1178).
  2. أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الجلسة المكروهة، رقم: (4848)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: (8/ 198)، رقم: (5645).

مواد ذات صلة