تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
السبت 20 / صفر / 1441 - 19 / أكتوبر 2019
(2) شرح حديث أبي موسى الأشعري إلى حديث كلدة بن الحنبل أتيت النبي صلى الله عليه وسلم
تاريخ النشر: ٢١ / جمادى الآخرة / ١٤٣١
التحميل: 707
مرات الإستماع: 1357

تعليق على آيات الباب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا الباب جاء بعد الأبواب المتعلقة بالسلام، وهذا الترتيب في غاية المناسبة كما لا يخفى؛ لأن الاستئذان والسلام قرينان، حينما يأتي الإنسان إلى أحد من الناس فإنه يستأذن كما سبق في قوله تعالى: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور: 27].

السلام والاستئذان معًا، ولهذا يحتاج إلى معرفة الآداب المتعلقة بالاستئذان، وقلنا: إن السنة أن يبدأ بالسلام، السلام عليكم، أأدخل؟ وذكرنا الخلاف في هذا، ومضى الكلام على الآيتين اللتين صدر بهما المصنف -رحمه الله- هذا الباب: لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور: 27].

والآية الثانية: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: 59] هذه في الاستئذان، وليست في الحجاب.

وأمّا ما يتصل بالحجاب فذاك قوله -تبارك وتعالى-: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور: 31] فلم يقيد بالبلوغ، والذين لم يظهروا على عورات النساء: بعضهم يقول: الظهور بمعنى الغلبة، يعني: لا يطيق الجماع لصغره، وهذا المعنى وإن كان له وجه في اللغة إلا أنه لا يخلو من بعد في تفسير الآية، والله تعالى أعلم.

وبعضهم يقول: الظهور هو الانكشاف، لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن، وهذا فيه بعد.

والمعنى الأقرب -والله تعالى أعلم- هو أن المراد أنه لا يتفطن لمفاتن النساء، فإذا كان الطفل يتفطن لمفاتن النساء ولو كان ابن سبع سنوات فإنها تحتجب منه، خلافًا لما شاع عند العامة أن ذلك منوط بالبلوغ، وإنما العلة فيه هي التفطن للمفاتن.

ولهذا قال الله : غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور: 31]، رجل ليس بطفل، لكنه كما يقولون: المخبل، ونحو ذلك، يعني: الذي لا حاجة له في النساء، ليس له شهوة، ولا يتفطن لمفاتنهن، فمثل هذا يجوز له أن يدخل على النساء، وأن يجلس معهن، وأن يخالطهن، وأن يأكل معهن، لا إشكال في هذا.

فيفرق بين آية الاستئذان، وبين آية الحجاب.

الاستئذان ثلاث
ثم ذكر حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك وإلا فارجع[1].

مضى الكلام على طرف من هذا، وهل هذا على ظاهره كما ذهب إلى ذلك طائفة من أهل العلم، فقالوا: يستأذن ثلاثًا، فإذا أذن له، وإلا رجع، سواء كان غلب على ظنه أنهم سمعوا استئذانه، أم لم يغلب على ظنه، كما فعل أبو موسى الأشعري حينما استأذن على عمر ثلاثًا، السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم، هذا الأشعري، فلم يأذن له عمر، فرجع بعد الثالثة، فأرسل إليه عمر وسأله عن هذا، فذكر له الحديث: الاستئذان ثلاثًا[2].

من أهل العلم من قال: إذا غلب على ظنه أنهم لم يسمعوه فإنه يزيد على الثلاث، وعللوا ذلك بأن التأذي قد انتفى، يعني: ليس تركهم للإذن لأنهم لا يريدون أن يأذنوا له، وإنما أنهم لم يسمعوا استئذانه، هذا قال به بعض أهل العلم.

وبعضهم حمل الحديث على ظاهره مطلقًا "الاستئذان ثلاثًا"، قالوا: ما يزيد، وليس المقصود بالثلاث أنه لو طرق ثلاث طرقات تعتبر ثلاث مرات، فهذه واحدة تعتبر، وإنما المقصود أن يطرق هذه واحدة، ثم ينتظر، ثم بعد مدة يطرق الباب، ثم ينتظر، ثم يطرق بعد ذلك الثالثة، فهذه هي الثلاث.

لو أنه علم من حالهم، أو أخبروه أن الجرس معطل مثلاً، أو أنهم في ناحية من البيت، عندهم دار واسعة، في ناحية لا يسمعون فيها طرق الباب، ويشتكون من هذا ويأتيهم من واعدوه ويرجع وهم لم يسمعوا شيئًا، فهل له أن يزيد؟

أمّا إذا أخبروه بذلك، وقالوا له: الجرس بعيد، لا نسمع، فإنه لا يقتصر على الثلاث بلا إشكال، لكن لو أنه ما أُخبر، لكن غلب على ظنه أنهم ما سمعوا لسبب، أو لآخر، كونه يطرق مثلاً الباب بيده، وهم لا يسمعون، بيت كبير، أو يطرق الجرس، ولكن هذا الجرس في ناحية، ومن نأى عنه لا يسمع، أو يكونون قد جلسوا في حديقة المنزل والجرس لا يصل إليهم، فيحتاج إلى أن يزيد على ذلك، عند بعض أهل العلم أنه إذا غلب ذلك على ظنه زاد، وهذا له وجه، والله تعالى أعلم.

هل يلحق بهذا الاتصال بالتليفون فنقول: تنتظر ثلاث رنات، ثم بعد ذلك تغلق السماعة؟ الجواب: لا، هل يقال: إذن يتصل ثلاث مرات متتابعة؟ الجواب: لا، فالتليفون له حكم آخر يختلف عن الاستئذان على بيوت الناس، قد يضعون التليفون على الصامت، ولا يتأذون به أصلاً، ولكن يراعي في ذلك الذوق والأدب، ويراعي حال المتصل عليه أيضًا، يعني: قد يتصل الرجل على ولده، قد تتصل الأم على ولدها، قد يتصل على امرأته، وهو قد واعدها أن يأخذها من البيت أو من بيت من ذهبت إلى زيارتهم، فجاء فاتصل ولم ترد والثانية والثالثة؛ لأنه مثلاً على وضع صامت أو هزاز ما تفطنت له، فيكرر، ما في إشكال، لكن واحد يتصل يريد أن يستفتى ست عشرة مرة وراء بعض اتصالات، وإذا ظننت أن هذا الإنسان في حال من الكرب والشدة ورددت، عندي سؤال، ما هو هذا السؤال؟

ما معنى إذا بلغ الأطفال منكم الحلم؟ يا أخي، أنا كنت أظن أنك في كرب وفي شدة، فيقول: إذا أنا في كرب ما أتصل عليك، في حال الكرب ما أتصل عليك، هكذا يردون بهذه الطريقة، نساء أحيانًا، ما شاء الله جاهزة للرد، وبكل صلف، كأنها تكلم أصغر أولادها، ما تتقون الله، ما تردون على التليفونات، ما تجيبون أسئلة الناس، الحكومة وضعتكم تجيبون، وتعطيكم رواتب، وأنتم جالسون ما تردون، أنتِ تكلميننا في البيت، أنا لست موظفًا بهذا الشأن، ومع ذلك تعطيك موعظة بالتي هي أخشن، وليست بالتي هي أحسن، فإلى الله المشتكى.

أنا أقول: حسب المتصل عليه، أحيانًا الإنسان مشغول، إنسان يعني لا يد لك عليه مرة واحدة تتصل، ما رد عليك اتصل اليوم الثاني، أو بعد يومين، أمّا أنا فلا أستطيع أن أكرر اتصالا على غير ولدي أكثر من مرة، فإذا أردت أن أتصل عليه أتصل عليه بعد يومين، أو نحو هذا، أستحي أن أعيد الاتصال، أن يرى رقمي مرات في يوم واحد.

هذه يراعى فيها، لكن لا يجري عليها ما يجري في الاستئذان على الباب، فرق بين هذا وهذا.

ويوجد ما هو أجرأ من هذا، من الناس من يشتكي -وهو واقع موجود- تأتي المرأة أحيانًا في الضحى تزور جارتها، ومعها -ما شاء الله- الأطفال فتطرق وتطرق، وقد اشتكى بعضهم من هذا في بعض الأحياء وبعض النواحي، تطرق وتستمر نحو نصف ساعة، بلا موعد، فإذا أعياها الطرق قفّزت أحد الأطفال وفتح الباب، يعني: يوجد من يشتكي يقول: سكنا في حي، الضحى كل واحدة من النساء تأخذ عيالها، وتذهب لجارتها، وتطرق الباب، مرضى، نائمون، غير مهيَّئين.

فإذا ما فُتح الباب الطفل يقفز ويفتح الباب، ولا يدرون إلا وهي داخلة في الصالة، والله المستعان، هذا خلاف الأدب، والناس يستثقلون هذا.

قال: الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك وإلا فارجع هذا يدخل فيه صورتان:

الصورة الأولى: أنه لا يجد ردًّا أصلاً، لا يجد جوابًا فمعناه أنه ما أُذن له، فينبغي أن يرجع.

الصورة الثانية: أن يقال له: ارجع، كما قال الله : وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور: 28].

أزكى من جهات عدة: أزكى أن النفس تتربى على الأخلاق الكريمة، يتقبل الإنسان العذر، ويربي نفسه عليه، أزكى باعتبار أنه لا يثقل على الآخرين، أزكى في التعامل المستقبلي، حيث إن شر الناس مَن أحسن الناس إليه اتقاء شره.

فإذا علموا أن هذا الإنسان لا يتربى على هذه الأخلاق، ولا يحتمل ذلك، ولا يفهم، ولا يدرك هذه الآداب، يضطرون يقولون حتى لا يزعل، ماذا يسترنا منه؟ اتفضل اجلس، وهم في حال من الاشتغال، أو قد يكون الإنسان متعَبًا، مريضًا، مهمومًا، ليس مهيًّأ لاستقبال أحد، فيضطر لاستقبال فلان؛ لأنه لا يفهم أن يقال له: لا، نعتذر، الآن غير مناسب، جئت من غير موعد.

وبعضهم يستنكف استنكافًا عظيمًا، ويعتبر أن هذا نوع من الكبر واحتقار الناس، كيف ما نجيء إلا بمواعيد؟ وهي أوقات الناس رخيصة إلى هذا الحد؟!.

الناس يرتبون أوقاتهم، العصر والمغرب والعشاء، ينجزون فيها أشياء فيفاجَئون هذا زائر في العصر، وهذا زائر في المغرب، وهذا زائر في العشاء، وذهب اليوم، انتهى، لا مشاريع تنجز، ولا أعمال، ولا عبادات، وكلها مجاملات.

عصر طويل يذهب بزيارة واحد، وقد يعتذر الإنسان فيه من أشياء وأشياء، ويأتي إنسان بلا موعد، فهذا لا يليق، ولا يصح بحال من الأحوال.

فإذا قيل له: ارجع ينبغي ألا يأنف، يقدّر ويراعي، وأنه قد جاء بغير موعد، والأحسن ألا يأتي إلا بموعد أصلاً، الناس تغيرت أحوالهم في هذا العصر، لم يعد الناس على البساطة التي كانوا عليها في السابق، أوقاتهم متوفرة غير مرتبطين بأعمال.

الآن أصبحت الصلاة بالدقيقة، لو تأخر عن الإقامة يمكن لمدة دقيقتين، الناس بدأوا يتحركون، وبدأوا يتململون، بينما في السابق يأتون ويجلسون في المسجد، متى ما رآهم اجتمعوا أقام الصلاة، الآن أعمال الناس، متاجرهم، مصالحهم تغيرت، فيحتاج إلى تحديد وقت بدقة، التأخر يكون إلى دقيقتين، يعني يمكن، لكن أكثر من هذا يصعب، يشق على الناس، فكذلك فيما يتعلق بالزيارات والاستئذان والمواعيد، فإن أُذن له وإلا رجع.

إنما جعل الاستئذان من أجل البصر

وذكر الحديث الآخر، وهو:

عن سهل بن سعد ، قال النبي ﷺ : إنما جعل الاستئذان من أجل البصر[3] متفق عليه.

بمعنى: أنه إذا كان سيقف أمام الباب، في السابق كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- البيوت لم يكن لها أبواب، فإذا كان هذا الإنسان جالسًا أمام الباب، وينظر كل الذي في الداخل، البيوت صغيرة في السابق الحُجر ربما على مترين بثلاثة أمتار، وجالس أمام الباب، ويرى كل الذي في الداخل، ما قيمة الاستئذان؟

كأنك وقفت في الصالة، لا فرق، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر، كذلك حينما يأتي يستأذن يطرق الباب، وينظر من ثقب في الباب، وينظر في داخل البيت، ما الفائدة من الاستئذان؟

ادفع الباب، وادخل ما دامت العين دخلت، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر؛ ولهذا البيت إذا ما كان له أبواب، أو كان الباب مفتوحًا، فإنه يقف يمينًا أو شمالاً بحيث ما يطلع على من في داخل الدار.

وإذا كان الباب قد أغلق، ولكن فيه ثقوب، فيه شقوق فليس له أن ينظر منها، وسيأتي ما يدل على أنه لو فُقئت عينه لم يكن على من فقأها دية من أهل الدار.

اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان
وكذلك حديث ربعي بن حراش، قال حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: أألج؟، فقال رسول الله ﷺ لخادمه: اخرج إلى هذا، فعلمه الاستئذان فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل[4] رواه أبو داود بإسناد صحيح.

الرجل قال: أألج؟ ما ذكر سلامًا، ليس هذا هو الاستئذان المشروع، وقد مضى الكلام على هذا المعنى سابقًا.

ارجع فقل السلام عليكم
وكذلك: حديث كِلدة بن الحنبل  قال: أتيت النبي ﷺ فدخلت عليه ولم أسلم، فقال النبي ﷺ : ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟[1] رواه أبو داود، والترمذي.

وقلنا: إن كلدة هو أخ لصفوان بن أمية لأمه، وقيل: ابن أخته، وإنه جاء إلى النبي ﷺ عام الفتح بمكة.

أرسله صفوان بن أمية للنبي ﷺ بضغابيس، يعني: مثل القثّاء الصغار، ونحو ذلك، يعني: أرسله بشيء من الطعام إلى النبي ﷺ يُتحفه به.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب كيف الاستئذان (4/344)، رقم: (5176)، والترمذي، أبواب الاستئذان والآداب عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في التسليم قبل الاستئذان (5/64)، رقم: (2710).

مواد ذات صلة