تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 14 / جمادى الآخرة / 1440 - 19 / فبراير 2019
‏(6) من قوله تعالى " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ..." آية 67‏
تاريخ النشر: ١٦ / محرّم / ١٤٣٤
التحميل: 8025
مرات الإستماع: 64774

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الزمر من الآية (67) إلى الآية (72)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

يقول الإمام الحافظ ابن كثير في قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [سورة الزمر:67]: يقول -تبارك وتعالى-: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.

قال مجاهد: نزلت في قريش، وقال السدي: ما عظموه حق تعظيمه.

وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شي قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.

وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.

روى البخاري في قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}...

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} هذه الأقوال التي ذكرها عن بعض السلف -رضي الله تعالى عنهم- أن ذلك بمعنى: أنهم ما عظموه حق تعظيمه، هذا من أقرب ما يفسر به هذا الموضع من كتاب الله -تبارك وتعالى-، {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ما عظموه حق تعظيمه، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- في معناها، وبه قال بعض أصحاب المعاني كالمبرد.

وما ذكر هنا من أن هؤلاء ما قدروه حق قدره يعني أولائك الذين كذبوا عليه -تبارك وتعالى-، أو قول ابن عباس: الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، وما إلى ذلك، فهذا كله داخل فيه، الله -تبارك وتعالى- يقول: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} هذا في اليهود، فكل من أضاف إلى الله      -تبارك وتعالى- ما لا يليق به أو كذب عليه أو قال عليه بلا علم، أو قال: إنه لا يبعث من يموت وإن الله   -تبارك وتعالى- لا يقدر على جمع الأجساد وما تفرق منها في التراب، فكل هؤلاء ما قدروا الله حق قدره، ومن أضاف إليه الصاحبة والولد وأشرك معه غيره فما قدره حق قدره، فهؤلاء المشركون ما قدروه حق قدره حيث عبدوا معه غيره، وأنكروا قدرته على البعث.

قوله هنا: وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية، هو لا يقصد {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} إنما يقصد ما بعده {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يعني في إثبات الصفات، والكلام في هذا معروف، كلام الطوائف في هذا من المتكلمين وغيرهم، فالحافظ ابن كثير -رحمه الله- يشير إلى ذلك.

قال: روى البخاري في قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد: إنا نجد الله -عز وجل- يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الآية([1]).

ورواه البخاري أيضاً في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((يقبض الله تعالى الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟))([2]).

تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.

وروى البخاري في موضع آخر عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله -تبارك وتعالى- يقبض يوم القيامة الأرضين على أصبع، وتكون السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك))([3]).

تفرد به أيضاً من هذا الوجه، فروى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول هكذا بيمينه يحركها يقبل بها ويدبر: ((يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم))([4])، فرجف برسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر حتى قلنا: لَيَخِرَّن به.

وقد رواه مسلم، والنسائي، وابن ماجه.

هذا الحديث، وفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان يفعل بيده ما وصف إنما كان ذلك لتحقيق الصفة، وليس ذلك من باب التمثيل؛ ولهذا فإن أهل العلم تكلموا فيمن ذكر شيئاً من الصفات وأشار إلى شيء من الحواس، بمعنى أنه إذا ذكر سمع الله -عز وجل- مثلاً أشار إلى الأذن، وإن كان السمع لا يقتضي إثبات الأذن، ولكن يشير إلى ما يتعلق بالسمع، وإذا ذكر البصر أشار إلى العين، وإذا ذكر القبض والبسط فعل هذا مثلاً، أو أشار إلى يده، أو إذا ذكر الأصابع أشار إلى أصبعه، أو حرك أصبعه أو نحو ذلك، هل هذا جائز أو لا؟ نقل عن بعضهم التشديد في هذا، وتعظيم النكير فيه، والأقرب في ذلك -والله أعلم- أن هذا يختلف، فإن كان فعل ذلك على سبيل التمثيل فهذا لا يجوز بحال من الأحوال، فالله -تبارك وتعالى-: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [سورة الشورى:11]، وإن فعل ذلك لتحقيق الصفة فلا إشكال، لكن ينبغي أن يكون في مقام لا يلتبس، يعني ما يكون بحضرة من يفهم أو يتبادر إلى ذهنه من ذلك التمثيل؛ لأن الله لا يمثل بشيء من خلقه -سبحانه وتعالى-، هذا فيما يتعلق بفعل النبي -عليه الصلاة والسلام-، {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، فذكر هنا القبضة، وأيضاً قال: {وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}، فذكر القبض، أو القبضة، وذكر الطي وذكر اليمين، وجاء في الراويات أيضاً ذكر اليد الأخرى، وفي رواية عند مسلم: ((بشماله))، تكلم عليها أهل العلم، هل هذه الرواية شاذة أو لا؟ فالحاصل أن ذكر اليد والقبض والبسط والأصابع وما إلى ذلك كله يدل على أن هذه الصفة حقيقة، وأنه لا يصح في هذا الموضع أن تؤول بالنعمة أو القدرة أو نحو ذلك؛ لأن الله -تبارك وتعالى- صرفها هذا التصريف، فتارة ذكر ذلك بصيغة التثنية، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [سورة المائدة:64]، وذكر ذلك أيضاً بصيغة الإفراد، وذكر ذلك مع أمور أخرى كالبسط والقبض ونحو ذلك مما يدل بمجموعه دلالة قطعية على أن هذه الصفة حقيقية، ومثل هذا لو نظر إلى أحد هذه النصوص بمفرده، يعني كذكر اليد بمفرده فقط، فإن مثل هذا يحتمل، يعني فيه نسبة احتمال يعني أنه على اصطلاحهم في القطعي الدلالة يوجد فيه نسبة احتمال، هل المقصود به اليد الحقيقية أو المقصود به معنى آخر، فنسبة هذا الاحتمال موجودة، ولكن يسمونه الظاهر، يعني ليس بنص قاطع، فالنص القاطع في الدلالة هو الذي يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره أبداً، في اصطلاحهم المشهور، فهم ينظرون إلى هذه النصوص بهذا الاعتبار، ولكنهم يغفلون معنى آخر، وهو النظر إلى مجموع هذه النصوص، فإن النظر إلى مجموعها يدل على هذا المعنى دلالة قطعية، ولهذا كانت دلالة النص على نوعين: نوع يدل بمفرده على المعنى دلالة قطعية، هذا الذي يقولون عنه: إنه نادر، أعني إذا قلت: يقولون -الذي يقولون عنه- وأغفلتهم فإنما أعني المتكلمين، يقولون: هذا نادر، يقولون: النص نادر، كقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [سورة البقرة:196]، والباقي الظواهر فيها احتمال.

أقول: بقي نوع ثانٍ من النص، وهو ما تضافرت فيه الأدلة وتنوعت حتى صارت تدل على معنى بمجموعها لا يحتمل غيره؛ ولهذا نقول: إن دلالة هذه النصوص على إثبات صفة اليد لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله وعظمته هذا من قبيل النص الذي لا يحتمل معنى آخر، هذا النوع يغفلونه في النص، وإنما يتحدثون عن النصوص المفردة، ومن ثَم يقولون: إنها نادرة، فكلامهم فيه ما فيه كما عرفنا، والحافظ ابن القيم -رحمه الله- تكلم على هذا في عدد من كتبه: تضافر النصوص على إثبات هذا المعنى.

وهذا الأصل الذي ذكرته آنفاً أثبته بعض المتكلمين، ولكن لا يكاد يوجد في كلامهم ومصنفاتهم، هذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة: إثبات هذه الصفات كما ورد على ما يليق بجلال الله وعظمته.

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} [سورة الزمر:68-70].

يقول -تبارك وتعالى- مخبراً عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، فقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}، هذه النفخة هي الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، إلا من شاء الله كما جاء مصرحاً به مفسراً في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولاً وهو الباقي آخراً بالديمومة والبقاء، ويقول: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [سورة غافر:16] ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي: الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء، وحكمت بالفناء على كل شيء. ثم يُحيي أول من يُحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ بالصور أخرى، وهي النفخة الثالثة نفخة البعث، قال -عز وجل-: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}.

قوله -تبارك وتعالى- هنا: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}، الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا حمل هذه النفخة على النفخة الثانية، وقد مضى الكلام على هذا، وأن الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يرى أن النفخ في الصور يكون ثلاث مرات، النفخة الأولى: التي هي نفخة الفزع، {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إلا مَن شَاءَ اللهُ} [سورة النمل:87]، والنفخة الثانية: هي نفخة الصعق، والنفخة الثالثة: هي نفخة البعث، وكثير من أهل العلم يرون أن النفخ في الصور يكون مرتين، نفخة الصعق، ونفخة البعث، وبعضهم يقول غير ذلك، فهنا الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول: هذه النفخة هي الثانية وهي نفخة الصعق، هذه نفخة الصعق إذا قلنا: إن هذه النفخة نفخة الصعق، فهنا قال -تبارك وتعالى-: {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ}، هذا ظاهر من الآية، على كل حال إذا قلنا: إن النفخ يكون ثلاثاً ففي نفخة الفزع {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}، هذه نفخة الفزع بعض أهل العلم يقول: إن المستثنى فيها من الفزع هم الشهداء يكونون في حال من الأمن، وإنهم لا يحصل لهم الفزع، وإن المستثنى في نفخة الصعق هذه {إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} هم: جبريل -عليه الصلاة والسلام-، وملك الموت وحملة العرش، هكذا قال بعض أهل العلم، والإمام ابن جرير -رحمه الله- يميل إلى هذا في ظاهر كلامه، أن المستثنى هنا في هذه النفخة هم هؤلاء: جبريل -عليه الصلاة والسلام- وملك الموت وحملة العرش.

وبعض السلف من الصحابة ومن بعدهم وهو مروي عن أبي هريرة وابن عباس -رضي الله عنهما-، وهو منقول عن سعيد بن جبير من التابعين: أن المستثنى هنا هم الشهداء، باعتبار أن الله -تبارك وتعالى- أخبر أنهم {أحْياءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [سورة آل عمران:169]، فهم لا يموتون بهذه النفخة نفخة الصعق، وأن هذه النفخة تكون لغيرهم من الأحياء، وهذه النفخة -والله تعالى أعلم- قد لا يتبادر إلى الذهن أن المستثنى فيها الشهداء؛ لأنهم قد ماتوا أصلاً الموتة الأولى، وذاقوا الموت، وهم أحياء عند الله -عز وجل- حياة غير الحياة الدنيوية، حياة أخرى غيبية يعلمها -سبحانه وتعالى-، فلو قال قائل: إن هؤلاء غير داخلين أصلاً في ذلك وإنما المقصود الذين لم يذوقوا الموت، الأحياء الذين ما ماتوا هم الذين يحصل لهم الصعق، ففي هذه الحال لا يحتاج معه إلى استثناء الشهداء.

كذلك أيضاً استثنى بعض أهل العلم كالإمام أحمد -رحمه الله- الحور والولدان في الجنة، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن هؤلاء ليسوا للفناء، والجنة ليس فيها موت، قال ابن القيم -رحمه الله-:

والحورُ لا تفنى كذلك جنةُ *** المأوى وما فيها من الوِلدانِ

فهذه ليست للفناء، ويبقى مثل هذا الاستثناء، والله -تبارك وتعالى- أبهم فيه، فتحديد ذلك بأن الذين لا يصعقون هم جبريل -عليه السلام- وملك الموت أو نحو ذلك مثل هذا تركه أولى؛ لأنه يحتاج إلى دليل خاص، فهذه قضايا غيبية، أما الجنة والنار فإن ذلك لا يتصل به الفناء كما سبق، ولهذا بعضهم يقول: وكذلك النار فإن خزنتها لا يفنون، وهكذا من أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن رآهم فيها، رأى عمرو بن لُحَيّ بن قمعة الخزاعي أول من غير دين إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- رآه في النار، وكذلك صاحب المعجن، وما أشبه هذا، الذين صاروا إلى الجنة أو صاروا إلى النار، هذه أمور، هذه حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا، وإنما -والله تعالى أعلم- ذلك فيمن لم يمت، ويبقى هذا كما أبهمه الله -تبارك وتعالى-، لا ندخل في تحديد ذلك.

هنا يقول: كما جاء مصرحاً به مفسراً في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وهذا الصعق الذي يحصل هل هو صعق غشية أو صعق موت؟، هذا فيه كلام لأهل العلم:

حكى الواحدي عن جمهور المفسرين أن هذا صعق موت، هذا الذي عليه عامة أهل العلم، والذين يقولون: إنه صعق غشية يحتجون ببعض ما ورد من الأحاديث، مثل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المشهور: ((الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور))([5])، {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [سورة البقرة:55]، واختلف في تلك الآية كما سبق في الكلام على سورة البقرة، هل الذي وقع لهؤلاء من بني إسرائيل كان من قبيل صعق الموت، أو كان غشية؟ هذا فيه خلاف معروف، وقلنا هناك: إن الراجح أنه صعق موت، وإن هذا أحد دلائل البعث في سورة البقرة، قلنا: في خمسة مواضع إحياء الموتى، كطيور إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، والذي مر على القرية وقال: {أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [سورة البقرة:259]، {الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [سورة البقرة:243]، وقتيل بني إسرائيل، فمثل هذا الصعق الذي في سورة البقرة الأقرب أنه صعق موت، فالذين قالوا: إنه صعق غشية كأنهم فهموا ربما من قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أفاق قبلي)) أنه أفاق من غشية، والحافظ ابن القيم -رحمه الله- تكلم بكلام طويل، والمسألة مبسوطة في بعض كتب الاعتقاد، والوقت لا يكفي لتتبع بعض ما جُمع أو بعض المواضع التي جَمعت أشياء جيدة في هذا، فمن ذلك كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- حيث قال في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}: "فقد استثنى الله سبحانه بعض من في السماوات ومن في الأرض من هذا الصعق فقيل: هم الشهداء هذا قول أبى هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير.

 وقيل: هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وهذا قول مقاتل وغيره.

 وقيل: هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم، ومن في النار.."([6]).

عندما ينقل ابن القيم أو الحافظ ابن كثير عن مقاتل فالمقصود به مقاتل بن حيان، وهو الإمام المعروف الثقة، أما مقاتل بن سليمان فقيل فيه ما قيل، إلا أنهم استحسنوا تفسيره، وكل أصحاب كتب التفسير إذا رأيت: قال مقاتل لا يقصدون بالضرورة مقاتل بن حيان، لكن ابن كثير إذا ذكره هكذا فالمقصود به مقاتل بن حيان، وهنا المقصود به مقاتل بن حيان، وهما كلاهما في طبقة واحدة، ووفاتهما في سنة واحدة، سنة مائة وخمسين للهجرة، هذا إمام ثقة، وهذا قالوا عنه: رمي بالكذب، ورمي بالتجسيم، وقد لا يثبت هذا عنه.

 وقال -رحمه الله-: "وقيل: هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم، ومن في النار من أهل العذاب وخزنتها، قاله أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا.

وقد نص الإمام أحمد على أن الحور العين والولدان لا يمتن عند النفخ في الصور، وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، وهذا نص على أنهم لا يموتون غير تلك الموتة الأولى، فلو ماتوا مرة ثانية لكانت موتتان، وأما قول أهل النار: {رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [سورة غافر:11]، فتفسير هذه الآية التي في البقرة وهي قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [سورة البقرة:28] فكانوا أمواتاً وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك"([7]).

يعني العلماء إذا تكلموا عن الموت والحياة يقصدون بالحياة ما فيه روح، أما كون الجنين نطفة فيقال: الحيوانات المنوية، أو حينما يكون علقة أو مضغة وقد يكون فيه نبض، وهذا يعرفه الأطباء، هذه لا تسمى حياة شرعية، إنما يكون ذلك بعد أن يتم أربعة أشهر، فيأتي الملك وينفخ فيه الروح، فهذه هي الحياة التي يقصدونها، حينما تكون الروح تعمر الجسد، فإذا خرجت منه فهذا هو الموت، ولهذا الموت الدماغي هو ليس بموت شرعي، وإنما يكون الموت الشرعي بمفارقة الروح الجسد؛ ولهذا فإن من أعظم الإجرام قتل هؤلاء وهم أحياء تحت ذريعة التبرع بالأعضاء، فهذا لا يجوز بحال من الأحوال، وهو يعتبر قتل نفس، فيقطعونهم ويشرحونهم، ويأخذون أعضاءهم وهم أحياء، -نسأل الله العافية-، فهذه جريمة يغرر بها الناس ويلبس عليهم بها، ولا أعرف كيف يجترئون على مثل هذا -نسأل الله العافية-، إنسان حي ويقطعونه، يشرحونه ويأخذون أعضاءه ولا زال حياً، وثبت أن بعض هؤلاء أفاق بعد غيبوبة سنين طويلة، وهذا سمعته من بعض الأطباء، وكتب عن هذا أشياء بإثبات إفاقات، والله على كل شيء قدير، وبنفسي رأيت رجلاً بحال تشبه هذه، لا يعرف شيئاً سنوات، وأفاق، وكان يحضر معنا في هذا الدرس، وقع له حادث مرتين، وقع له حادث والذي أنقذه انقلب معه فأصيب برأسه، فكان يحضر معنا في الدرس، وكان أشبه بالجثة الهامدة أكثر من سنتين، رأيته في هذه الحال في المستشفى، حالة ميئوس منها، وجميع المستشفيات التي أرسل لها التقارير في الخارج وفي الداخل كانوا يقولون: الحالة ميئوس منها، كانوا في المستشفى يريدون إخراجه، يقولون: ضعوه في البيت خلاص، المخ فيه ضمور، انتهى، وأحياه الله -عز وجل-، كان أخوه كلما جاء أحد طلب منه أن يرقيه، الرجل كان يحضر في الدرس، فإذا تعب من الجلوس؛ لأن عظامه لا تتثنى من طول المكث على السرير، وكان فيه جروح، فالشاهد أنه كان يتعب ويمشي في الدرس، ثم يرجع ويجلس، فالشاهد أحد هؤلاء حينما كان الطبيب يجزره ضربه ضربة قوية، فالطبيب بقي يتعالج منها مدة، وكان الطبيب يعلل هذا بأنها ردود فعل لا إرادية، فالحاصل أن الموت الشرعي هو مفارقة الروح الجسد، الروح إذا كانت عامرة للجسد، ولو انتفى الإدراك، دخل في غيبوبة هذا لا يعتبر موتاً، ولا يجوز لأحد أن يوزع على الطلاب والطالبات الأغرار في المتوسط أو الثانوي نماذج، ويقول: وقع أنك تتبرع بأعضائك لو حصل حادث أو نحو ذلك، ثم يأتون ويتسابقون، ويأتون لهم بمن يعظهم ويتكلم معهم أن هذا يعتبر عملاً صالحاً تؤجر عليه، كيف يقتلونه وهو حي؟!، هذا غير موضوع التبرع أصلاً، هل يملك أن يتبرع بما لا يملك أصلاً حتى لو مات؟!.

وقال -رحمه الله-: "فكانوا أمواتاً وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم ثم أحياهم بعد ذلك ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أزواجهم قبل يوم القيامة وإلا كانت ثلاث موتات، وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها"([8]).

رأي ابن القيم -رحمه الله- أن صعق الأرواح عند النفخ في الصور يقول: لا يلزم منه موتها.

ففي الحديث الصحيح أن ((الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدرى أفاق قبلي أم جوزى بصعقة يوم الطور))، فهذا صعق في موقف القيامة، إذا جاء الله تعالى لفصل القضاء وأشرقت الأرض بنوره فحينئذ تصعق الخلائق كلهم، قال تعالى: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [سورة الطور:45] ولو كان هذا الصعق موتا لكانت موتة أخرى، وقد تنبه لهذا جماعة من الفضلاء فقال أبو عبد الله القرطبي: ظاهر هذا الحديث أن هذه صعقة غشي تكون يوم القيامة لا صعقة الموت الحادثة عن نفخ الصور.

قال: وقد قال شيخنا أحمد بن عمرو: وظاهر حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- يدل على أن هذه الصعقة إنما هي بعد النفخة الثانية نفخة البعث، ونص القرآن يقتضى أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق، ولما كان هذا قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا باطل، وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشور حين تنشق السماوات والأرض، قال: فتستقل الأحاديث والآثار([9]).

يعني يقصد أنه {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ} [سورة النمل:87] أنه فصعق، يعني أنه من الفزع يصيبهم الصعق الذي هو غشية -شدة الفزع-، ومن يقول بأن هذا يكون صعقاً بعد القيام من القبور على هذا إذا حسبت عند بعض أهل العلم عدد مرات النفخ في الصور تكون أربعاً، الأولى: نفخة الفزع، إذا كانت في البداية، ثم نفخة الصعق التي يموت فيها الأحياء، ثم بعد ذلك تكون نفخة البعث والنشور، ثم تكون بعدها نفخة الصعق       -الغشية-، والمشهور أن النفخ في الصور يكون مرتين، هذا هو المشهور، نفخ الصعق الذي يموت فيه الأحياء، ونفخة أخرى يقومون فيها، وهذه النصوص مثل قوله: {فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ}، وكذلك في الحديث الذي سمعتم قد يفهم منها أن نفخة الفزع غير نفخة الصعق التي يموت فيها الناس، أو نفخة البعث والنشور، والله أعلم، فأهل السنة مختلفون في هذا، وهذه من المسائل العلمية التي وقع بينهم فيها الخلاف، يعني حينما يقال مثلاً: هل عند أهل السنة والجماعة وقع خلاف في الاعتقاد؟ هذا كلام مجمل، وإن كان في بعض الدقائق والتفاصيل في مسائل علمية مثل هل رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه أو لم يرَ ربه؟ هذه مسألة علمية، هل النفخ في الصور يكون ثلاث مرات أو يكون مرتين؟، مثل هذه الأشياء لا يترتب عليها تبديع ولا تضليل، النصوص تحتمل ذلك، وهو خلاف سائغ، ولا تتوقف عليه النجاة، ولا يقال لمن أخطأ فيه: ضل وانحرف، بخلاف تحريف الكلم عن مواضعه لأصول وقواعد بدعية، تحاكم إليها النصوص، وترد النصوص الواضحات من أجل قواعد وأصول مبنية على باطل، فهذا الذي يودي بصاحبه إلى البدعة والضلالة، نسأل الله العافية.

وقال -رحمه الله-: "ورد عليه أبو العباس القرطبي فقال: يرد هذا قوله في الحديث الصحيح: أنه حين يخرج من قبره يلقى موسى آخذا بقائمة العرش قال: وهذا إنما عند نفخة الفزع، قال أبو عبد الله: وقال شيخنا   أحمد بن عمرو: الذي يزيح هذا الإشكال -إن شاء الله تعالى- أن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أن الله -عز وجل- حرم على الأرض أجساد الأنبياء))([10])، وأنه -صلى الله عليه وسلم- اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء وخصوصاً بموسى، وقد أخبر بأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غُيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء"([11]).

يعني هي الحياة البرزخية، وإلا فبالنسبة للحياة الشرعية لا شك أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ماتوا إلا عيسى -عليه الصلاة والسلام- فإنه لم يمت، ولذلك أجريت عليهم أحكام ذلك من التغسيل، والصلاة والدفن، وما إلى هذا، فكل ذلك إنما هو بسبب وفاتهم، وهذا أمر لا إشكال فيه ولا شك، ولما ذكر يوسف -صلى الله عليه وسلم- للفراعنة قال: {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا} [سورة غافر:34]، وهذا لا إشكال فيه، لا يحتاج إلى استدلال، لكنها حياة برزخية، وإلا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أيضاً: ((أن نفس المؤمن تعلق بأشجار الجنة))([12])، فهذه كلها حياة برزخية الله أعلم بها، والعلماء مختلفون في الأرواح هل هي في الجنة بالنسبة لأرواح المؤمنين، وأرواح الكافرين في النار، أو أنها على أفنية القبور، أو غير ذلك؟، هذه أمور غيبية، والأرواح لها حال أو أحوال من الانتقال، ولربما تتصل بالأجساد وتنعم وتعذب في القبور، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر عمن شاهدهم في النار، وكذلك أخبر عن الأنبياء حينما شاهدهم، ومن رآه منهم يصلي في قبره، وصلى بهم -عليه الصلاة والسلام- في بيت المقدس، فهم منازلهم في السماء وأجسادهم في الأرض، والأرواح يكون لها اتصال بالأجساد، فهذه أشياء غيبية لا تصل إليها عقولنا، إنما يوقف فيها عند ما ورد فقط، لا نتجاوز القرآن والحديث، والله أعلم.

يعني المقصود هنا هذه النفخة {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}، من قال: إن هذه نفخة الصعق التي يموت فيها الأحياء في آخر الدنيا، والنفخة الثانية نفخة البعث، انتهى، إذاً الذين ماتوا من الشهداء والأنبياء وسائر من مات هم غير مرادين أصلاً، فالذين ماتوا لا يدخلون في هذا، لكن من قال: إن هذه نفخة فزع أو صعق بعد البعث والنشور بعد البعث، فإذاً إذا قيل: إنها صعقة موت مثلاً، فهل هؤلاء الشهداء الذين أخبر الله أنهم أحياء مثلاً، هل يشملهم ذلك أم لا؟، الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- هل يشملهم هذا أو لا يشملهم؟ إذا قيل: إنها نفخة فزع فقط، ولكن هنا أثبت الصعق، فبعضهم يجمع بين الصعق والفزع، فيقول: يحصل الفزع فيحصل الصعق، فهي نفخة واحدة، يفزعون فيصعقون، فالذين يصعقون إذا كانت بعد البعث {إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} هنا قال من قال: إنهم الشهداء، لكن إذا قيل بأنها نفخة، هي صعقة موت، ولو بعد البعث والنشور، أو هي النفخة الثانية التي يموت فيها من كان حياً، وهنا قالوا: الولدان؛ لأنه قال: {مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ}، الولدان والحور إلى آخره، هذه لا تفنى؛ لأنها لم تخلق للفناء، الفناء لا يتناولها، هي خلقت للبقاء، هؤلاء ما ماتوا من قبل، يعني ليسوا من أهل الدنيا، ليسوا من نساء الدنيا، الحور العين غير النساء التي في الدنيا، هؤلاء خلقٌ يخلقهم الله -عز وجل-، وليسوا من أهل الدنيا، فمثل هؤلاء لا يتناولهم ذلك في الاستثناءات ويكون هذا الاستثناء على قول من قال بكذا، وهذا على قول من قال بكذا، فنفرق بين هذه الأشياء.

وقال -رحمه الله-: "وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا تراهم، وإذا تقرر أنهم أحياء فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي ومن غشي عليه أفاق"([13]).

يعني الآن ما الذي حمله على هذا التفريق أن غير الأنبياء يموتون في هذه الصعقة، والأنبياء تكون بالنسبة لهم غشية؟ هي بعض الألفاظ، ((ولا أدري أفاق قبلي))، موسى -عليه الصلاة والسلام- حينما تجلى ربه للجبل خر موسى صعقاً، فهذه الصعقة غشية ليست بموت، فلما أفاق، غشي عليه -عليه الصلاة والسلام-، فهذه التي تكون في الآخرة، ويقال: إن غير الأنبياء يموتون، والأنبياء إنما يحصل لهم غشية هذا باعتبار أنها بعد نفخة البعث والنشور، وهذا ليس محل اتفاق، فهذا التفريق بناء على هذه الألفاظ، وهل يجري هذا على جميع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؟، هنا الحديث ذكر موسى -عليه الصلاة والسلام- ((أفاق قبلي))، قبل أن أفيق، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى الأنبياء في مقاماتهم في السماء ونحو ذلك، باعتبار أنهم لا يحصل لهم موت وإنما هم أحياء حياة خاصة، فالعلم عند الله -تبارك وتعالى-، لكن هنا قول من أطلق أن هذه غشية وليست بصعقة موت، حتى من قال بأنها صعقة موت، قال الله تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}، يعني إذا كانت هذه بعد البعث والنشور فينفخ في الصور فيصعقون، فإذاً هناك نفخة بعدها لقيامهم، فصار النفخ في الصور كم إذا حسبنا مجموع ما قيل؟ حسبنا الأربع، لكن إذا قلنا: هذه نفخة موت أو نفخة صعق بعد البعث والنشور، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}، فصارت خمساً، نعيدها: مجموع ما ذكر إذا قيل: إن الفزع يكون قبل النفخ في الصور، قبل نفخة الصعق التي يموت فيها الأحياء، نفخة فزع، ثم نفخة الصعق، ثم الموت، ثم بعد ذلك نفخة البعث والنشور، ثم بعد ذلك ينفخ فيصعقون على كلام بعض أهل العلم، ثم بعد ذلك، {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ}، صارت خمساً إذا جمعنا مجموع ما قيل، لكن ما كل أهل العلم يقولون هذا، بعضهم يقول: ثلاث نفخات، فلو بقينا مع هذا النص بمفرده فإنه يدل على نفختين، النفخة الأولى التي يموت فيها الأحياء، والنفخة الثانية التي يبعثون فيها، ومن نظر إلى النصوص الأخرى نفخ الفزع، ذكر الله فيه الفزع، والأحاديث: ((فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور))، فهذا يكون بعد البعث والنشور، فهذا منشأ الخلاف، ومن ثَمّ تبقى هذه المسألة لها تعلق بالاجتهاد في الجمع بين النصوص.

قال -رحمه الله-: "فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي ومن غشي عليه أفاق، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق على صحته: ((فأكون أول من يفيق)) فنبينا -صلى الله عليه وسلم- أول من يخرج من قبره قبل جميع الناس إلا موسى، فإنه حصل فيه تردد هل بعث قبله من غشيته أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق مفيقاً؛ لأنه حوسب بصعقة يوم الطور، وهذه فضيلة عظيمة لموسى، ولا يلزم من فضيلة واحدة أفضليته على نبينا مطلقاً؛ لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمراً كلياً. انتهى.

قال أبو عبد الله القرطبي: إنْ حُمل الحديث على صعقة الخلق يوم القيامة فلا إشكال، وإن حمل على صعقة الموت عند النفخ في الصور فيكون ذِكْر يوم القيامة يراد به أوائله، فالمعنى: إذا نفخ في الصور نفخة البعث كنتُ أول من يرفع رأسه فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بنفخة الصور، قلت: وحمل الحديث على هذا لا يصح؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- تردد هل أفاق موسى قبله أم لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور، فالمعنى: لا أدري أصعق أم لم يصعق، وقد قال في الحديث: ((فأكون أول من يفيق))، وهذا يدل على أنه -صلى الله عليه وسلم- يصعق فيمن يصعق، وأن التردد حصل في موسى هل صعق وأفاق قبله من صعقته أم لم يصعق، ولو كان المراد به الصعقة الأولى وهي صعقة الموت لكان   -صلى الله عليه وسلم- قد جزم بموته، وتردد هل مات موسى أم لم يمت، وهذا باطل لوجوه كثيرة، فعلم أنها صعقة فزع لا صعقة موت، وحينئذٍ فلا تدل الآية على أن الأرواح كلها تموت عند النفخة الأولى، نعم، تدل على أن موت الخلائق كلها عند النفخة الأولى وكل من لم يذق الموت قبلها فإنه يذوقه حينئذ، وأما من ذاق الموت أو من لم يكتب عليه الموت فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية، والله أعلم.

فإن قيل: فكيف تصنعون بقوله في الحديث: ((إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم..))([14])، قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين فجاء هذا، والحديثان هكذا: أحدهما ((إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق))، والثاني هكذا: ((أنا أول من تنشق عليه الأرض يوم القيامة))، ففي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر))([15])، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

 فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر، وكان شيخنا أبو الحجاج الحافظ يقول ذلك.

فإن قيل: فما تصنعون بقوله: ((فلا أدرى أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله -عز وجل))، والذين استثناهم الله إنما هم مستثنون من صعقة النفخة لا من صعقة يوم القيامة، كما قال الله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} [سورة الزمر:68] ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة؟ قيل: هذا -والله أعلم- غير محفوظ، وهو وهم من بعض الرواة، والمحفوظ ما تواطأت الروايات الصحيحة من قوله: ((فلا أدرى أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور))، فظن بعض الرواة أن هذه الصعقة هي صعقة النفخة وأن موسى داخل فيمن استثني منها، وهذا لا يلتئم على مساق الحديث قطعاً، فإن الإفاقة حينئذ هي إفاقة البعث، فكيف يقول: ((لا أدرى أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور))؟ فتأمله، وهذا بخلاف الصعقة التي يصعقها الخلائق يوم القيامة إذا جاء الله سبحانه لفصل القضاء بين العباد وتجلى لهم فإنهم يصعقون جميعاً، وأما موسى فإن كان لم يصعق معهم فيكون قد حوسب بصعقته يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكاً، فجُعلت صعقة هذا التجليٍ عوضاً من صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة، فتأمل هذا المعنى العظيم، ولو لم يكن في الجواب إلا كشف هذا الحديث وشأنه لكان حقيقاً أن يعض عليه بالنواجذ، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق"([16]).

ظاهر الآية: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء} [سورة الزمر:68-69]، هذا يوم القيامة، فلو أخذنا بظاهر هذا فقط أنه قد يفهم منه أن المراد الصعق الأول الذي يموت فيه الأحياء، فيصعقون، ثم النفخة الثانية التي يبعثون فيها فيأتي الله -عز وجل- يوم القيامة لفصل القضاء، ولكن النصوص الأخرى كما سبق هي التي جعلت المسألة تحتمل معنىً آخر -والله تعالى أعلم-، لكن كما سبق أن هذه ليست من المسائل التي تتوقف عليها النجاة ولا يترتب عليها نقص منزلة العبد عند الله -عز وجل-، فضلاً عن التبديع، أو أن تؤثر في عقيدته وإيمانه، هذا خلاف سائغ.

قال الإمام الحافظ ابن كثير: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} أي: أحياء، بعدما كانوا عظاماً ورفاتاً صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [سورة النازعات:13-14]، وقال -عز وجل-: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا} [سورة الإسراء:52]، وقال -جل وعلا-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [سورة الروم:25].

روى الإمام أحمد أن رجلاً قال لعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: إنك تقول: الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ قال: لقد هممت ألا أحدثكم شيئاً، إنما قلت: سترون بعد قليل أمراً عظيماً، ثم قال عبد الله بن عمرو  -رضي الله عنهما-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين -لا أدري أربعين يوماً أو أربعين عاماً أو أربعين شهراً أو أربعين ليلة- فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله تعالى، ثم يلبث الناس بعده سنين سبعاً ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه))، قال: سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ويبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكرا))، قال: ((فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارّةٌ أرزاقُهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى له، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه، فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق. ثم يرسل الله تعالى -أو ينزل الله -عز وجل- مطرا كأنه الطل-أو الظل شك نعمان- فتَنبتُ...)).

هذا الأكثر على الطل، بالطاء، الطل، وقد ورد ((كماء الرجال)) يعني في صفة هذا المطر الذي تنبت منه الأجساد، وهنا في هذا الحديث ما ذكر نفخة الفزع، بناء على قول من قال: إنها تكون قبل نفخة الصعق التي يموت فيها الأحياء.

قال: ((أو ينزل الله -عز وجل- مطراً كأنه الطل -أو الظل شك نعمان- فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: أيها الناس، هلموا إلى ربكم...)).

هذه نفخة البعث، النفخة الثانية.

قال: ((هلموا إلى ربكم: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [سورة الصافات:24]))، قال: ((ثم يقال: أخرجوا بعث النار)) قال: ((فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيومئذ تبعث الولدان شيباً، ويومئذ يكشف عن ساق))([17])، انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه.

وروى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما بين النفختين أربعون))، قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟ قال -رضي الله عنه-: أبَيْتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عَجْبُ ذنبه فيه يُركّب الخلق))([18]).

هنا في هذه النصوص ((ما بين النفختين))، وحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- فيه إثبات النفختين، فلا شك أن هذا من الأمور المقطوع بها، تضافرت عليها النصوص، نفخة الصعق التي يموت فيها من كان حياً، والنفخة الثانية وهي نفخة البعث والنشور، هل هناك نفخة وراء ذلك زائدة على هذا القدر؟، هذا الذي فيه الخلاف، يعني بالاتفاق بإجماع أهل العلم أن النفختين في الصور نفخة الصعق ونفخة البعث.

قال: وقوله -تبارك وتعالى-: {وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} أي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق -جل وعلا- للخلائق لفصل القضاء.

{وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} يعني: أضاءت يوم القيامة، فهذا النور غير مخلوق، والنور المضاف إلى الله -تبارك وتعالى- منه ما هو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، وهذا مثال له {وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}، فهذا ليس بنور مخلوق، وهناك نور مخلوق يضاف إلى الله كما يقال: بيت الله، وناقة الله، وأرض الله، فهذه الأنوار التي في الشمس والقمر ونحو ذلك تضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي خلقها، ويبقى الكلام في قوله -تبارك وتعالى-: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [سورة النور:35]، هل المقصود بهذا أمر معنوي، أو أن المقصود النور الحقيقي الذي هو صفته؟، وقول من يقول: منور هذه الأنوار ومدبر هذه الأفلاك المنيرة، الشمس والقمر والنجوم وما أشبه ذلك، يعني: مدبر النيرات، فيكون من قبيل إضافة المخلوق، وابن القيم وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي وأمثال هؤلاء من المحققين من أهل السنة يثبتون أن هذه الآية -أعني آية النور وقد مضى الكلام على هذا في التعليق على سورة النور- فيها إثبات اسم النور لله -عز وجل-، وإثبات صفة النور، وأنه النور الحق الذي هو صفته، ويدخل في ضمن الآية النور المعنوي الذي هو الهداية، وما يضاف إلى الله من الأنوار المخلوقة باعتبار أنه خلقها.

وبعضهم اقتصر على المعنى قال: نور بمعنى الهداية، {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، وشيخ الإسلام ناقش هذا وما نقل فيه عن ابن عباس، وقال: عمدة هؤلاء ما نقل عن ابن عباس، وتكلم هل يصح عنه أو لا، حيث إنه يحتاج إلى إثبات، وأن كثيراً مما نقل عن ابن عباس -رضي الله عنه- لا يثبت، مع أنه هو من رواية علي بن أبي طلحة، وهذه الرواية لا بأس بها، وإن كان بعض أهل العلم يضعفها، فالشاهد أن شيخ الإسلام يقول: ولو كان كذلك فإن هذا مما يدخل في المعنى، يعني الهداية، النور المعنوي.

فهنا في هذه الآية {وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} هذا لا تردد فيه أنه نوره الذي هو صفته، إنما الخلاف وقع في آية النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} هل المقصود الهادي أو المقصود النور الذي هو صفته، أو المقصود أن ذلك من قبيل إضافة المخلوق إلى خالقه، أنه مدبر النيرات وخالقها، وخالق هذه الأنوار التي نشاهدها؟، وابن القيم وابن تيمية، ومن نهج منهج هؤلاء يجمعون بين هذه المعاني كما سبق.

{وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} أضاءت يوم القيامة إذا تجلى لفصل القضاء، تجلى للخلائق، وهذا الذي ذهب إليه الحافظ ابن القيم وكبير المفسرين قبله ابن جرير، على هذا المعنى الذي قرره ابن كثير، وتجدون في كتب التفسير أشياء من التأويلات والتحريفات للكلم عن مواضعه عند الكلام على هذه الآية.

قال: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} قال قتادة: كتاب الأعمال.

وبهذا قال جماعة كمقاتل، {وَوُضِعَ الْكِتَابُ}، ويدل عليه {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} [سورة الكهف:49]، كتاب الأعمال.

قال: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ} قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات الله إليهم.

كما قال الله -عز وجل-: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا} [سورة النساء:41]، وقوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} [سورة النحل:84].

قال: {وَالشُّهَدَاءِ} أي: الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر.

هنا يقول: الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد، هذا الذي اختباره ابن كثير -رحمه الله-، وبعضهم يقول: الشهداء يعني هم هذه الأمة، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [سورة البقرة:143]، فهم يشهدون على الأمم أن الأنبياء بلغوهم رسالات الله -تبارك وتعالى-، وبعضهم يقول: {الشُّهَدَاء} هم الشهداء في أرض المعركة، يشهدون لمن ذب عن دين الله -تبارك وتعالى-، يؤتى بالأنبياء، والشهداء، من استشهد في أرض المعركة، وهذا فيه بُعد -والله تعالى أعلم-، وبعض أهل العلم يقول: إن المقصود بالشهداء هم الأنبياء، {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء}، هذا قال به الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، لكن الله -عز وجل- هنا قال: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء}، فالأصل أن العطف يقتضي المغايرة، ولا شك أن الأنبياء شهداء يشهدون على أقوامهم، ولكن ظاهر الآية أن الشهداء هنا غير الأنبياء.

فالشنقيطي -رحمه الله- يحتج بقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم}، وهذا يحتمل، لكن ظاهر الآية -والله أعلم- أن الشهداء غير الأنبياء هنا، فيدخل فيه كل الشهداء الذين يشهدون، والله تعالى أعلم.

وقيل: إن الشهداء هم أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وممن قال به ابن جرير الطبري -رحمه الله-، {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء} يعني: هذه الأمة، أخذاً من آية البقرة، لا شك أن الأنبياء يشهدون، هنا صرح بذلك {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ}، وهذه الأمة تشهد، والحفظة يشهدون، فالله -تبارك وتعالى- قال: {وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [سورة ق:11].

قال: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} أي: بالعدل {وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}.

{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} قضي بين مَن؟ بعضهم يقول: قضي بين الأنبياء، {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم}، بعضهم يقول: قضي بين الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وأممهم، وهذا الذي اختاره ابن جرير    -رحمه الله-، ما موقف هذه الأمم من أنبيائهم الذين كذبوهم،، فيقضي الله -عز وجل- بينهم بالحق، قضاؤه بالحق، لا يحصل ظلم لأحد، ولا يحمل أحد وزر أحد، وكل نفس بما كسبت رهينة، لا يعاقبهم إلا بما جنوا.

قال: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [سورة الأنبياء:47]، وقال -جل وعلا-: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة النساء:40]؛ ولهذا قال: -عز وجل-: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ} أي: من خير أو شر {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ}.

{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [سورة الزمر:71-27].

يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار، وإنما يساقون سوقاً عنيفاً بزجر وتهديد ووعيد، كما قال -عز وجل-: {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [سورة الطور:13] أي: يدفعون إليها دفعاً، هذا وهم عِطاش ظِماء، كما قال -جل وعلا- في الآية الأخرى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} [سورة مريم:85-86]. وهم في تلك الحال صُمُّ وبكم وعمي، منهم من يمشي على وجهه، {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [سورة الإسراء:97].

هنا قوله -تبارك وتعالى-: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا}، زمراً يعني: جماعات، وهذه الجماعات متفرقة يتلو بعضها بعضاً، يؤتى بهم مجموعات، {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [سورة الصافات:22] يعني: ونظراءهم، فيؤتى بهؤلاء المتشاكلين ويساقون إلى جهنم هذا السوق العنيف، ويزجرون وهم في حال من البؤس والذل والمهانة، مع شدة العطش، فيدفعون في النار دفعاً، وفي أعناقهم الأغلال، وفي أيديهم وأرجلهم، -نسأل الله العافية-، وفي السلاسل يسحبون ويسجرون في النار، والزمر يعني الجماعات، وبعضهم يقول: إن أصله مأخوذ من الزمر وهو الصوت، باعتبار أن الجماعة لا تخلو من صوت، {زُمَرًا}، أن أصله هكذا، لكن المقصود أنهم يؤتى بهم بصورة جماعات أو على هيئة جماعات، أو يأتون جماعات، كما قال الله -عز وجل-: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} [سورة الملك:8] يعني هم لا يلقون الكفار دفعة واحدة من أولهم إلى آخرهم، وإنما يكونون على مجموعات وأفواج، كما قال الله -عز وجل- في سورة الأعراف: {ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ} [سورة الأعراف:38]، فهنا ذكر الأمم، وفي آية الملك ذكر الفوج، وأيضاً هنا ذكر الفوج {هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ} [سورة ص:59]، ، فهم يدخلون أفواجاً، مجموعات، يساقون إليها مجموعة مجموعة، فيدفعون دفعاً في النار.

قال: وقوله -تبارك وتعالى-: {حَتَّى إِذَا جَاءُُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} أي: بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعاً؛ لتعجل لهم العقوبة، ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية -الذين هم غلاظ الأخلاق، شداد القُوى- على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} أي: من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، {يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه، {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} أي: ويحذرونكم من شر هذا اليوم؟ فيقول الكفار لهم: {بَلَى} أي: قد جاءونا وأنذرونا، وأقاموا علينا الحجج والبراهين، {وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق إلينا من الشِِّّقْوة التي كنا نستحقها حيث عَدَلْنا عن الحق إلى الباطل، كما قال -عز وجل- مخبراً عنهم في الآية الأخرى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [سورة الملك:8-10] أي: رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ} أي: بُعداً لهم وخساراً.

هنا قول الله -تبارك وتعالى-: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} هذا قول ابن كثير -رحمه الله- أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق إلينا من الشقوة التي كنا نستحقها، والحافظ ابن القيم -رحمه الله- يقول: حقت عليهم كلمةُ حجته وكلمةُ عدله بعقوبته، كلمة حجته وكلمة عقوبته، وقد مضى الكلام على هذا المعنى في مناسبات سابقة.

وهنا قال الله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}، ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ يعني هذا من اللطائف التي تذكر في هذا المقام، وإن كان ذلك ليس من التفسير الذي هو كشف المعنى.

ذكر بعضهم أن هذه الواو واو الثمانية، باعتبار أن أبواب الجنة ثمانية، ولكنه مستبعد جداً، هنا لا ذكر للأبواب الثمانية في هذه الآية، فهذا بعيد وإن ذكره بعض أهل العلم.

لكن ذكر بعضهم معنى لطيفاً في هذا -في الجنة- قال: {حَتَّى إِذَا جَاءُُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}، قالوا: أبواب الجنة تفتح لهم، وكما قال الله -عز وجل-: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ} [سورة ص:50]، ليس عليهم قيود، يخرجون ويتنقلون في الجنة حيث شاءوا، أما النار فهي موصدة عليهم، {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} [سورة الهمزة:8]، فهي مغلقة، محكمة الإغلاق، فإذا وصلوا إليها تفتح الأبواب فيدخلون ثم تغلق أبوابها ثانيةً.

يقول ابن القيم -رحمه الله-: "وسر حذف الواو في قوله: {فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} أنه فاجأهم وبغتهم عذابها وما أعد الله فيها، فهم بمنزلة من وقف على باب لا يدري بما يفتح له من أنواع الشر، إلا أنه مُتوقِع منه شراً عظيماً، ففتح في وجهه وفاجأه ما كان يتوقعه"([19]).

أهل العلم في هذه اللطائف يذكرون أشياء هي استنباطات واجتهادات وإن لم تكن هي من صلب التفسير.

وقال -رحمه الله-: "وهذا كما تجد في الدنيا من يساق إلى السجن فإنه يساق إليه وبابه مغلق حتى إذا جاءه فتح الباب في وجهه ففاجأته روعته وألمه، بخلاف ما لو فتح له قبل مجيئه، وهذا بخلاف أهل الجنة فإنهم لما كانوا مساقين إلى دار الكرامة وكان من تمام إكرام المدعو الزائر أن يفتح له باب الدار فيجيء فيلقاه مفتوحاً، فلا يلحقه ألم الانتظار، فقال في أهل الجنة {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}، وحذف الجواب تفخيماً لأمره وتعظيما لشأنه على عادتهم في حذف الجوابات لهذا المقصد، وهذه الطريقة تريحك من دعوى زيادة الواو ومن دعوى كونها واو الثمانية؛ لأن أبواب الجنة ثمانية، فإن هذا لو صح فإنما يكون إذا كانت الثمانية منسوقة في اللفظ واحداً بعد واحد فينتهون إلى السبعة ثم يستأنفون العدد من الثمانية بالواو، وهنا لا ذكر للفظ الثمانية في الآية ولا عدها، فتأمله، فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بأن سيد الخلائق -صلى الله عليه وسلم- يأتي باب الجنة فيلقاه مغلقاً حتى يستفتحه، قلنا: هذا من تمام إظهار شرفه وفضله على الخلائق أن الجنة تكون مغلقة فلا تفتح لأهلها إلا على يديه فلو جاءها وصادفها مفتوحة فدخلها هو وأهلها لم يعلم الداخلون أن فتحها كان على يديه، وأنه هو الذي استفتحها لهم، ألا ترى أن الخلق إذا راموا دخول باب مدينة أو حصن وعجزوا ولم يمكنهم فتحه حتى جاء رجل ففتحه لهم أحوج ما كانوا إلى فتحه كان في ذلك من ظهور سيادته عليهم وفضله وشرفه ما لا يعلم لو جاء هو وهم فوجدوه مفتوحاً"([20]).

يعني أنها تذكر بعد العدد ثمانية، هكذا قالوا أيضاً في آية الكهف، {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} [سورة الكهف:22] من غير واو، {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}، فجاءت الواو، فبعضهم يقول: هذه واو الثمانية، فتدخل بعد هذا العدد، لكن في الآية لم يذكر الثمانية، وإنما أحال هذا القائلُ إلى معلومة أن أبواب الجنة ثمانية، ولكن واو الثمانية لا تأتي إلا مع اللفظ، يقال: الأول الثاني الثالث الرابع الخامس السادس السابع والثامن.

وقوله -تبارك وتعالى- هاهنا: {قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: كل من رآهم وعلم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب؛ ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين، بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه بما حَكم العدل الخبير عليهم به؛ ولهذا قال -جل وعلا-: {قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها، {فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} أي: فبئس المصير وبئس المقيل لكم، بسبب تكبركم في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال وبئس المآل.


 

[1] - رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [سورة الأنعام:91]، برقم (4811)، وبرقم (7451)، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ}، ومسلم، في أوائل كتاب صفة القيامة والجنة والنار، برقم (2786)، وأحمد في المسند، برقم (3590).

[2] - رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}، برقم (4812)، وبرقم (6519)، كتاب الرقاق، باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة، ومسلم، أوائل كتاب صفة القيامة والجنة والنار، برقم (2787).

[3] - رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [سورة ص:75]، برقم (7412).

[4] - رواه أحمد في المسند، برقم (5414)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم، عفان: هو ابن مسلم الباهلي"، وابن حبان في صحيحه، برقم (7327).

[5] - رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً...}، برقم (3398).

[6] - الروح، لابن القيم (35).

[7] - الروح، لابن القيم (35).

[8] - الروح، لابن القيم (35).

[9] - الروح، لابن القيم (35).

[10] - رواه أبو داود، كتاب الطهارة، تفريع أبواب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، برقم (1047)، والنسائي، كتاب الجمعة، إكثار الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة، برقم (1374)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب في فضل الجمعة، برقم (1085)، وقال الألباني: "إسناده صحيح على شرط مسلم" في صحيح أبي داود، برقم (962)، وصححه في صحيح الجامع، برقم (2212).

[11] - الروح، لابن القيم (35-36).

[12] - رواه الإمام مالك في الموطأ "رواية أبي مصعب الزهري"، برقم (992)، ولفظه: "إِنَّمَا نفس الْمُؤْمِنِ: طَائرٌ تعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ...".

[13] - الروح، لابن القيم (36).

[14] - رواه البخاري، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، برقم (2412).

[15] - رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب: ومن سورة بني إسرائيل، برقم (3148)، وابن حبان في صحيحه، برقم (6478)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1468).

[16] - الروح، لابن القيم (36-37).

[17] - رواه أحمد في المسند، برقم (6555)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير النعمان بن سالم، ويعقوب بن عاصم بن عروة، فمن رجال مسلم".

[18] - رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، برقم (4814).

[19] - بدائع الفوائد، لابن القيم (2/401).

[20] - بدائع الفوائد، لابن القيم (2/401-402).

مواد ذات صلة