تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 18 / ذو الحجة / 1440 - 19 / أغسطس 2019
[13] قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ..}
تاريخ النشر: ٠٣ / شعبان / ١٤٣٦
التحميل: 3055
مرات الإستماع: 1923

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

[13] قوله تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ.. 

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ما زال الحديث متصلاً بهذه الآيات التي تحدثت عن المنافقين في صدر هذه السورة الكريمة، سورة البقرة.

فالله - تبارك وتعالى - يقول في جملة ما وصفهم به: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة: 14] فهؤلاء إذا قابلوا أهل الإيمان قالوا آمنا، يُخبرون عن إيمان لا حقيقة له، لكنهم إذا رجعوا إلى شياطينهم من مردة الكفار أكدوا لهم أنهم ما زالوا على غيهم وضلالهم وكفرهم، وإنما كانوا يقولون ما قالوا سُخرية واستهزاء بأهل الإيمان إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ.

فتأمل هذه الآية حيث إن التعبير فيها جاء في الخطاب الذي يوجهونه إلى أهل الإيمان قَالُوا آمَنَّا وحينما خاطبوا إخوانهم من هؤلاء المردة والشياطين من الكفار قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ فحينما خاطبوا أهل الإيمان لم يؤكدوا هذا الخطاب، وإنما جاءوا به هكذا خبرًا مُجردًا آمَنَّا لكن حينما خاطبوا شياطينهم أكدوه إِنَّا مَعَكُمْ مع أن المُتبادر لأول وهلة لدى السامع أن يقول: إنهم بحاجة إلى أن يؤكدوا كلامهم مع أهل الإيمان، يقولون للمؤمنين: إننا آمنا؛ لأنهم يدعون دعوة كاذبة، فيحتاجون إلى تأكيد كلامهم، وأما إذا رجعوا إلى شياطينهم فيكفي أن يقولوا لهم نحن معكم، ولا يحتاج إلى أن يقولون أكثر من ذلك مما يؤكدون به الكلام، "إنا" يعني إننا معكم، وإن هذه تفيد التوكيد هي بمنزلة إعادة الجملة مرتين، كأنهم يقولون لهم نحن معكم نحن معكم، وهؤلاء الشياطين يعلمون أنهم معهم، وقد ذكر بعض أهل العلم ملحظًا في ذلك: أن هؤلاء لحذقهم في التمثيل والتصنع، ولعب الأدوار فهم يظهرون بصورة أهل الإيمان بطريقة لربما تجعل إخوانهم من المردة والشياطين يتصورون أنهم فعلاً دخلوا في الإيمان، فاحتجوا إلى أن يؤكدوا لهم أنهم إنما يفعلون ذلك سُخرية واستهزاء، ويقولون: اطمئنوا نحن نستهزئ فقط، وإلا فإننا معكم أكدوا لهم؛ لأن هؤلاء دخلهم الريب حينما رأوا هذا الحذق في التمثيل.

فهؤلاء أهل النفاق كما قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - : "المنافق يستطيع أن يبكي بعين واحدة، ثم يوقفها ويبكي بالعين الثانية"، يعني: لديه قدرة عجيبة في التصنع والتمثيل، وإظهار ما ليس في باطنه، وما لا يكون عليه اعتقاده.

هكذا جاء هذا اللفظ مُغايرًا فيه بين الخطابين، خطاب أهل الإيمان: "آمنا" بلا تأكيد؛ لئلا يدخل شيء من الشك والريب في نفوس أهل الإيمان حينما يرون هؤلاء يحاولون أن يؤكدوا صدقهم وإيمانهم، لكن احتاجوا إلى هذا التأكيد مع إخوانهم من الشياطين المردة وقادة الكفر والضلال؛ لأن أولئك دخلهم الريب لما رأوا من هؤلاء من القدرة على الظهور بمظهر أهل الإيمان، فظنوا أنهم آمنوا فعلاً فطمأنوهم وقالوا لهم إنا معكم، إننا معكم إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ إنا معكم، لاحظ أكدوا كلامهم، والله المستعان.

ولاحظ هنا هذه المفارقة في الجُمل، "آمنا"، "إنا معكم"، فخاطبوا أهل الإيمان بالجملة الفعلية "آمنا"، فآمن فعل ماضي، وخاطبوا الشياطين بالجملة الاسمية "إنا معكم"، والجملة الاسمية أثبت تدل على الثبوت فدل ذلك على أن هذا الإيمان المُدعى قصير المدى، أما الكفر فهو الأصل الثابت المُتجذر في نفوسهم إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ.

وهذا الإيمان المُدعى لا يتجاوز الأفواه، لا يتجاوز الألسن، فلم يصل إلى القلوب، هو بقدر ما يلتقون بأهل الإيمان، وكذا أيضًا فإن ركونهم إلى هؤلاء الشياطين دائم مستمر، فهو راسخ في نفوسهم إِنَّا مَعَكُمْ يعني: في كل شيء على الكفر والمُحادة لله - تبارك وتعالى - وعداوة أهل الإيمان، إنما ذلك صدر منهم على سبيل الاستهزاء والسُخرية إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة: 14] الاستهزاء بمثل هذه القضايا لا شك أنه يُنبئ عن نفس قد مُلئت بالخُبث والسوء والفساد، وانطوت على الشر والعِناد، فهو يستهزئ بهذه الحقائق الكبرى، قضية الإيمان التي تنبني عليها النجاة؛ ولهذا رد الله - تبارك وتعالى - عليهم بقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فالجزاء من جنس العمل وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: 15] فمن استهزائه بهم - تبارك وتعالى - : أن الله يُمهلهم، ويُعطيهم، يُعطيهم الأموال والأولاد، ويمد لهم في الأعمار، ويظنون أن هذا من المِنح والفضائل الألطاف، ولم يعلموا أن ذلك هو من قبيل الاستدراك ليزدادوا كفرًا وغيًا، فيزدادوا من الأحمال والأوزار التي يستحقون بها الدرك الأسفل من النار بكل جدارة.

فالمنافقون كما قال الله - تبارك وتعالى - : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: 145] فهم في قعرها، وكما قال الله - تبارك وتعالى - : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: 142] فالله - تبارك وتعالى - يُملي لهم، ويُجري عليهم أحكام الظاهر في الدنيا، فتُحقن دمائهم وتُحرز أموالهم، ثم بعد ذلك يصيرون إلى عذاب الله - تبارك وتعالى - وبأس المصير.

هذا بالإضافة إلى ما يقع لهم في هذه الحياة الدنيا، وقد صور الله - تبارك وتعالى - حالهم، وما هم فيه من القلق الدائم والخوف المُستمر، كما قال الله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: 4] فهم لأنهم يعيشون على الكذب، ويقتاتون على الكذب يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون: 4] فهم قلقون دائمًا، فالذي لا يعيش على الصدق يكون في حال من القلق؛ لأنه يشعر أنه سيُكشف في كل لحظة.

فالصدق هو النجاة، وهو الطريق، الصدق مع الله - تبارك وتعالى - والصدق مع الرسول ﷺ والصدق مع الناس، فالصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، فهم يعيشون في خوف مُستمر، والخائف يظن كل نداء يوجه وخطاب، أو آيات تنزل أنها تنزل فيه، وأن هذا النداء، أو الحشد إنما يوجه إليه يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [المنافقون: 4] كما قال جرير يهجو رهط الأخطل:

ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلاً تكر عليهم ورجالا[1]

هذا يصور حال المُنهزم أنه في حال من الذعر والخوف، بحيث إنه إذا رأى شجرة، أو رأى شيئًا ظن أنها خيل يُغير عليه ويُطارده ويُلاحقه.

وآخر يصور حال المُنهزمين يقول:

وضاق الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً[2]

يعني: لو رأى ورقة تطير في الهواء ظن أنه فارس يُلاحقه ويُطارده، هكذا الخائف يتوهم المخاوف في كل شيء، حتى إنه لربما يفزع من ظله إذا رآه، فهؤلاء بهذه الحال في الدنيا، ثم يموت شر ميتة، لا مكارم، ولا فضائل، ولا إنجازات، ولا أعمال صالحة، ولا إيمان، ثم بعد ذلك يصيرون إلى حال في البرزخ لا يُحسدون عليها، ولا يُحمدون، ثم يصيرون بعد ذلك إلى ما وصف الله - تبارك وتعالى - في القيامة حيث ينطفئ النور، ويتخبطون دون الصراط، في ظلمة لا يُبصرون معها شيئًا، فيقولون لأهل الإيمان: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ۝ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد: 13 - 14] يعني: في الدنيا، انتظروا نقتبس من هذا النور، فهذا من استهزاء الله - تبارك وتعالى - بهم.

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 15] وهذا فيه إثبات صفة الاستهزاء لله - تبارك وتعالى - على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي من الصفات الفعلية الخبرية الثابتة له - تبارك وتعالى - لمن يستحق، فهو يستهزئ بهؤلاء المُستهزئين، يستهزئ بهؤلاء المنافقين الذين يستحقون ذلك.

فدل ذلك أيضًا على أن الاستهزاء بالمُستهزئ الذي يستهزئ بأهل الحق، فإن ذلك الاستهزاء به حينما يحيق به سوء عمله أن ذلك لا يُعاب، الأصل أن الاستهزاء لا يُحمد هكذا بإطلاق، ولكنه إذا كان بمن يستحق بذلك المُستهزئ المُستهتر، فإنه يكون محمودًا.

موسى  لما قال لابني إسرائيل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا تستهزئ بنا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة: 67] فدل ذلك على أن الذي يستهزئ بالناس أنه من الجاهلين، فالمؤمن لا يستهزئ، بل العاقل لا يستهزئ بالناس، ولا يسخر منهم، وإنما يحمد ربه - تبارك وتعالى - على العافية، وقد علمنا النبي ﷺ كيف نقول إذا رأينا المُبتلى؟

فهذا هو شأن أهل الإيمان، ولكن الاستهزاء حينما يوجه لمن يكون مُستهزئًا مُستخفًا بأهل الإيمان، فذلك يكون في موضعه، ولذلك في الآخرة: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: 34] يضحكون منهم؛ لأنهم كانوا يضحكون منهم في الدنيا، ويسخرون بهم في الدنيا، والجزاء من جنس العمل.

فـ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 15] ولاحظ أنه جاء بالفعل المضارع يستهزئ، هم يستهزئون إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة: 14].

فاستهزاؤه - تبارك وتعالى - يتجدد بهؤلاء وقتًا بعد وقت وحينًا بعد حين، فالله يُرسل عليهم من ألوان العقوبات في الدنيا والآخرة ما يكون من مُقتضيات هذا الاستهزاء، كما قلنا مما يحصل لهم في الدنيا من المخاوف والمصائب.

وكذلك أيضًا ما يحصل لهم في الآخرة من انطفاء النور، ثم بعد ذلك يصيرون إلى الدرك الأسفل من النار.

وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: 15] يعني: كما قال الله : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: 183] فهؤلاء حينما يُعطيهم الله من طول الأعمار ويوسع عليهم في الأرزاق، ويُكثر لهم من الأولاد؛ فإن ذلك يزيدهم غيًا وضلالاً وكُفرًا فيستمرئون ما هم عليه، ويظنون أن ذلك هو الطريق والمسلك الصحيح، فيموتون على هذه الحال السيئة، ولا يرجعون، ولا يرعوون أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: 55 - 56].

فاسأل الله - تبارك وتعالى - أن يُعيذنا وإياكم من النفاق والضلال، وأن يُثبتنا على الإيمان، وأن يجعل عاقبتنا الفردوس الأعلى من الجنة، ووالدينا وإخواننا المسلمين، اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعاف مُبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. 

  1.  العقد الفريد (3/72). 
  2.  اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي (ص:1061). 

مواد ذات صلة