تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 16 / محرّم / 1441 - 15 / سبتمبر 2019
[29] قوله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا..} إلى {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}
تاريخ النشر: ٠٢ / رمضان / ١٤٣٦
التحميل: 1676
مرات الإستماع: 2014

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس تدبر القرآن

سورة البقرة

[29] قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا.. إلى وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نواصل الحديث - أيها الأحبة - عن هذه الهدايات التي تُستخرج من هذه الآيات الكريمات من سورة البقرة؛ وذلك فيما قصه الله - تبارك وتعالى - من خبر آدم مع عدوه وعدونا إبليس.

فالله - تبارك وتعالى - حينما ألهم آدم تلك الكلمات، ووفقه للتوبة، تاب عليه، رجع عليه بالقبول، وتوبة الله - تبارك وتعالى - على عبده تكون بتوفيقه للتوبة، وهدايته لها، كما تكون أيضًا بالرجوع عليه بالقبول، أما توبة العبد لربه - تبارك وتعالى - فهو رجوعه إليه بعد الذنب والتقصير والإساءة.

قال الله بعد ذلك: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 38 - 39].

قال الله - تبارك وتعالى - لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا، وسيأتيكم وذريتكم المُتعاقبة: ما فيه هدايتكم إلى الحق، فمن عمل بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلون من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا بآياته المتلوة، ودلائل توحيده أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ الذين يُلازمونها، ويُخلدون فيها.

وتأمَّل قول الله - تبارك وتعالى -: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة: 38] فالهدى إنما يكون من الله وحده، وإنما تُطلب الهداية منه دون ما سواه، فمن رجا الهدى فعليه أن يتوجه إلى مولاه، طالبًا منه أن يهديه، ويوفقه، ويدله على الحق.

ويُؤخذ من هذه الآية: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة: 38] أنه لا يُعبد - تبارك وتعالى - إلا بما شرع؛ لأن الله - تبارك وتعالى - قال: فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38] قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ: 50] وتقديم الجار والمجرور يدل على الحصر أو الاختصاص، وأن الهدى لا يكون إلا من الله - تبارك وتعالى - وفي الآية الأخرى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه: 123 - 126] فكان ذلك جزاءً وفاقًا.

وفي هذه الآية الله - تبارك وتعالى - يقول: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة: 38] فإذًا ينبغي أن يُلتمس الهدى من الله في السؤال والطلب، وفي الالتماس والبحث، فحينما يبحث الإنسان عن الهدايات في كتب فلسفية مُترجمة مُعاصرة، أو في كتب فلسفية قديمة، أو في نظريات تستورد من أعداء الله ممن لا يعرف وحيه ولا هداه، فإن هذا لا يمكن أن يتوصل به إلى مطلوب صحيح، فإن الهدى يُتلمس بالوحي، والهدايات مُضمنة في هذا الكتاب، وفيما يشرحه من سنة رسول الله ﷺ على فهم السلف الصالح - وأرضاهم - فمن طلب الهدى في غير ذلك أضله الله، الذين يبحثون عن الهدى في كتب أهل الكتاب، أو في غير ذلك مما لا يوصل إلى الهدى لما فيه من التحريف أو النقص، فإن هؤلاء يضلون الطريق، ويبحثون عن الهدى في غير مظانه.

والنبي ﷺ حينما رأى صحيفة من التوراة في يد عمر غضب، وقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًا، ما وسعه إلا أن يتبعني[1] فكيف يقول قائل: بأن اليهود عندهم حق، والنصارى عندهم حق، والبوذيين عندهم حق، والطوائف الضالة المُنحرفة عندهم حق، فينبغي أن يؤخذ من كل طائفة ما عندها من الحق، من أجل أن يجتمع ويلتئم، فهذا لا يقوله أحد عرف حقيقة ما جاء به الرسول ﷺ هذا لا يقوله إلا من كان متهوكًا فيها، شاكًا لا يعرف حقيقة ما جاء به الرسول ﷺ من هذا الهدى الكامل، فالذي يقول بأن أحدًا من الطوائف لا يملك الهدى الكامل، أو ما يُسميه بالحقيقة المُطلقة، وإنما ذلك قد تفرق في أهل الأديان والطوائف، فيؤخذ من كل طائفة ما عندها، فهذا لم يعرف دين الإسلام معرفة صحيحة، وإلا كيف يُقال مثل هذا؟! والله يقول: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38] ومفهوم المخالفة أن الذين لا يتبعون هذا الهدى، فالخوف مُتحققٌ فيهم، وقلوبهم موضعًا للأحزان؛ لأنه فاتهم أعظم المطالب.

ثم تأمَّل قوله - تبارك وتعالى -: قُلْنَا [البقرة: 38] فهذا الضمير للجمع، فالله لعظمته يُعبر بضمير الجمع، فالمُعظم نفسه يقول: قلنا، وأعطينا، ونحو ذلك، ثم بعد ذلك حينما ذكر الهدى قال: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي [البقرة: 38] ولم يقل: منا، وإنما جاء بضمير المُفرد في هذا الموضع، وهذا الذي يسمونه بالالتفات، وهو التحول من الجمع إلى المفرد، أو العكس، أو إلى التثنية، أو من التثنية إلى الإفراد، أو من التثنية إلى الجمع، أو نحو هذا، فكل هذا يُقال له: الالتفات، فهنا في هذا الموضع أفرد الضمير فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي [البقرة: 38] ليدل - والله تعالى أعلم - على أن الهدى لا يكون إلا منه وحده - تبارك وتعالى - فناسب هنا أن يُذكر الضمير الخاص، فلا هادي إلا هو، فجاء بهذا اللفظ الذي لا يشركه فيه غيره، فهذا لا يحتمل غير الله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [البقرة: 38] فالهدى إنما يأتي من الله، ولا يأتي من غيره، فالذي يطلب الهدى من أفكار يولدها الناس، واستنتاجات ورؤى، وما إلى ذلك، فإن هذا لا يمكن أن يصل إلى مطلوب صحيح.

فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38] تبع هداي، فأضاف الهدى إليه؛ لأنه هو الذي شرعه، وأنزله، وأمر باتباعه وسلوكه، فهذا الذي يتبع هذا الهدى ينتفي عنه جميع أنواع المخاوف، وكثير من المفسرين يقول: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلون من أمور الآخرة، ويمكن أن يكون المعنى أعم من هذا، فلا خوف عليهم في هذه الدنيا، ولا خوف عليهم في البرزخ، فهم آمنون، كما قال - تبارك وتعالى -: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82] فهذا الهدى يكون بالإيمان، والعمل الصالح، واتباع ما أنزل الله - تبارك وتعالى - الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا أي: لم يخلطوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ يعني: بشرك أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ فأشار إليهم بإشارة البعيد (أولئك) لعلو مرتبتهم، ولم يقل: أولئك لهم أمنٌ، وإنما قال: لهم الأمن، فدخلت (أل) على الأمن، فهذا الأمن الكامل المُطلق، الذي يكون في الدور الثلاث، في دار الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة، وما يكون لهم في الجنة، فحينما يخاف الناس فهؤلاء يأمنون، وحينما يكون الواحد في قبره فإنه يكون في غاية الأمن، وعندما يُبعث ويكون الناس في غاية الخوف والوجل فهؤلاء تتنزل عليهم الملائكة، في ذلك المقام، وعند نزع الأرواح أيضًا إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا هؤلاء تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ماذا يقولون؟ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: 30] هذه الجنة التي وعدوها على ألسُن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ثم يقولون لهم أيضًا: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: 31] (ما تدعون) قيل: كل ما تطلبون، وقيل: كل ما ادعى شيئًا أنه له، فهو له، فالأول: من الدعاء وهو الطلب، والثاني: من الدعوى، فكل من ادعى شيئًا فهو له، فإذا قال: هذا لي فهو له، فهذا كله يكون لهؤلاء، فيكون لهم الأمن الكامل، ويكون لهم الطمأنينة الكاملة، والسعادة الكاملة؛ لأن السعادة لا تتحقق إلا إذا انتفى الحزن والخوف، فالحزن يُقلق الإنسان بسبب أمور ماضية يتذكرها، وأمور مكروهة وقعت له في الماضي، فيحزن، ويتكدر عيشه، وهذا نقص في الحياة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -[2] فالحياة الكاملة ليس فيها حُزن.

والخوف وذلك في المستقبل، فحينما يقلق الإنسان على أمور يتخوفها ويحذرها في المستقبل أيًا كان نوعها، فينتفي عنه هذا وهذا، فإذا انتفى الحُزن، وانتفى الخوف حصلت السعادة الكاملة، فيكون الإنسان في غاية الفرح والسرور، والسعادة الحقيقية، فهذا يكون لأهل الإيمان، ويُقابلهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 39] وهم أصحاب النار، ولا يُقال ذلك إلا لمن كان مُلازمًا لها، يعني أهل الخلود في النار، فمثل هؤلاء - نسأل الله العافية - فلا تسأل عن بؤسهم وشقائهم، وحُزنهم على ما فات، والمخاوف التي تنتاب قلوبهم، وأنواع الفزع والهلع في الدنيا، والقلق الذي نُشاهده في حال أولئك الذين قد أعرضوا عن طاعة الله وعبادته، وأعرضوا عن الإيمان به، وانظر إلى تلك الأُمم الكافرة مع ما هي فيه من التمكين المادي، وأنواع المُتع واللذات، ولكنهم يعيشون في قلق دائم، وحزن وخوف، تقرأ ذلك على صفحات وجوههم، لم يمنعهم ذلك النعيم، وسُبل الحياة المُذللة من وجود هذه العِلل والأوصاب في نفوسهم، فهم يعيشون في كآبة وضيق وضجر وملل، فتظهر عليهم تلك المظاهر من الشذوذ الجنسي، ويظهر عليهم تلك المظاهر من التقليعات بأنواعها، ويظهر عليهم أنواع الإدمان من الخمور والمُخدرات، ويظهر ذلك أيضًا في كثرة المصحات والعيادات النفسية في تلك البلاد، فهذا يكثر حيث يكثر الإعراض عن الله - تبارك وتعالى - وكل هذه المظاهر تقل حيث عرف الناس ربهم، وأقبلوا على طاعته وعبادته.

وهكذا حال الخلق في الدنيا، وهكذا يكون حالهم في البرزخ، وهكذا يكون في حالهم في المحشر والقيامة، والجزاء من جنس العمل، فمن أراد السعادة الكاملة، والراحة الكاملة، والأمن الكامل، والطمأنينة الكاملة، فعليه بالإيمان، والعمل الصالح، ولا يمكن أن يُحصل ذلك بشيء آخر، والعاقل من وعِظ بغيره، ها هم أولئك قد حصلوا من أنواع اللذات ما لا يمكن للمسلمين أن يُحصلوه في أوضاعهم الراهنة، أولئك قد استحوذوا على ثروات الأُمم المغلوبة، وجعلوا ذلك سبيلاً إلى لذات ومُتع ذللوا بها سُبل الحياة، فصارت سهلة هينة، ومع ذلك ينغمسون في الرذيلة، ولا يُشبع ذلك نهمتهم، ويعكسون الفِطر، ويوغلون في الشرود من الواقع، إلى عالم الوهم والخيال، بالمخدرات والمُسكرات، وأنواع الآفات التي تُتلف العقول والأرواح، وتجد أن هؤلاء يعجب الواحد منهم حينما يرى المسلمين لربما يُبتلى الواحد من أهل الإسلام، ومع ذلك يبتسم ويقول: الحمد لله، قضاء وقدر، إنا لله وإنا إليه راجعون، فهؤلاء يقتلهم ويسحقهم ما يجدونه من اللذات، فضلاً عن المكاره، فلو وقعت لهم فلا يحتملون، وهناك في بعض الدول توجد وسائل وطُرق وأجهزة مُرخصة، ولربما ذهبت المرأة واتخذت مُحاميًا من أجل أن لا تُرفع قضية على زوجها الذي قد اشترى لها جهازًا للانتحار بطريقة غير مؤلمة، ما الذي جعلهم بهذه المثابة، يطلبون الموت بعد ما جربوا كل شيء؟! إنه الإعراض عن الله وتقدست أسمائه.

وبعد ما ذكر خبر آدم مع إبليس، وما حصل من إغواء الشيطان لآدم، وجّه الخطاب إلى بني إسرائيل، فهؤلاء أولاد وذرية يعقوب يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وإسرائيل هو عبد الله يعقوب اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 40] نعمتي، نِعمة مُفرد، مُضاف إلى الضمير المعرفة، وهو الياء، ومثل هذا يُكسبه العموم اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ يعني: اذكروا نِعمي، التي أنعمت عليكم، ونِعمه - تبارك وتعالى - عليهم كثيرة، كما قال الله - تبارك وتعالى -: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 47] وقال: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [البقرة: 49] إلى غير ذلك مما ذكره الله - تبارك وتعالى - كإنزال المن والسلوى، وتظليل الغمام، فهذا كله من إنعامه وإفضاله عليهم، يُذكرهم به، ويُطالبهم بمُقتضاه من الشُكر، وأن يحفظوا وصيته - تبارك وتعالى - لهم بأن يؤمنوا بكتبه، ورُسله، وأن يعملوا بشرائعه، وأنهم إذا فعلوا ذلك أتم لهم ما وعدهم وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40] وذلك أن الله - تبارك وتعالى - يرحمهم في الدنيا، ويُنجيهم في الآخرة من العذاب، ويأمرهم أن يخافوه وحده، وأن يحذروا نقمته - تبارك وتعالى - إن هم كفروا به، ونقضوا عهده.

ولاحظ هذا الخطاب يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 40] فهذا فيه تحريض وحث على الامتثال، فقال: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ يا أولاد يعقوب، ويا ذرية يعقوب، فهو يدعوهم هنا بهذا الاسم المُحبب إليهم، الذي يُذكرهم بالطاعة والاستقامة والاستجابة لله - تبارك وتعالى - وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ [ص: 45] فهؤلاء أجداد بني إسرائيل، فهؤلاء الثلاثة هم أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فقد كانوا أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ أي: الجلد والقوة في طاعة الله، والجهاد والدعوة وَالأَبْصَارِ أي: أصحاب البصائر النافذة، وقال: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص: 46] الآخرة بين أعيُنهم، لا تغيب عنهم بحال من الأحوال، فالله - تبارك وتعالى - يُهيج نفوس بني إسرائيل، ويُذكرهم بذكر أبيهم يعقوب يا بني العبد الصالح التقي المُطيع، كونوا كأبيكم في مُتابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكرام افعل كذا، ويا ابن الأفاضل افعل كذا، وتقول للرجل: يا ابن الأخيار، ويا ابن أهل الغيرة، عليك أن تُعنى بحجاب بناتك ونسائك، أهلك أهل غيرة، وأنت من أسرة معروفة، فتُذكره بذلك.

ثم إن هذا الأسلوب لا شك أنه أدعى للقبول، وتأمل ما ذُكر معه: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 40] فإذا ذُكروا بالنعمة، فإن هذا يقودهم إلى الامتثال والاستجابة، ويكون في ذلك من إقامة الحجة عليهم ما فيه اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 40] ويُؤخذ من هذا أن ذكر النِعم أمر مطلوب شرعًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران: 103] وهكذا في مواضع من كتاب الله - تبارك وتعالى - يُذكر بنِعمه لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ۝ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ۝ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 1 - 4] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: 9] فالتذكير بالنِعم مؤذنٌ بانقياد النفوس التي تحمل قلوبًا حية.

ثم أيضًا الخطاب حينما يوجه إلى مُخاطب مخصوص، كما هنا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 40] مع أن هذا مطلوب لجميع البشر، أن يذكروا نعمة الله عليهم، فهذا التوجيه لهذا الخطاب: إما لكون هذا المُخاطب أوعى من غيره، فيُخص بالخطاب، مع أن ذلك لا شك أنه يتوجه إلى الجميع، أو لكون هذا المُخاطب أولى أن يمتثل؛ لكثرة نِعم الله عليه، فهنا وُجّه هذا لبني إسرائيل لكثرة النِعم، والله أعلم، ومنها: أنه كان يسوسهم الأنبياء، وفي العصر الواحد يوجد جمع من الأنبياء يسوسهم، وهم قد قتلوا في يوم واحد سبعين نبيًا، كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ[3] فهؤلاء كانوا في حال من النِعم الكثيرة، اصطفاهم الله  على عالم زمانهم وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 47] وأكرمهم، وأعطاهم وأولاهم، ولكنهم كفروا بالله - تبارك وتعالى - وما رعوا هذه النِعم حق رعايتها، فهؤلاء في الواقع كانوا أولى الناس بالامتثال والاستجابة، واتباع النبي ﷺ لما عندهم من العلم برسالته، وأحقية ما جاء به، ولعلمهم بأوصافه المذكورة في كتبهم.

وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة: 40] أوفوا بعهدي أوفي بعهدكم، فما هو عهده؟ هو الإيمان والتوحيد، واتباع الرسل، وعهد هؤلاء الذي أعطاهم: هو أن من فعل ذلك رحمه وأدخله جنته، ونجاه من عذابه، فقوله - تبارك وتعالى -: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة: 40] تقديم المعمول (إياي) على عامله، يدل على الاختصاص والحصر، وفيه توحيد الرهبة لله وأن يرهب العبد ربه، والرهبة هي خوف مع تعظيم، فالخوف على مراتب، ومن مراتبه: الرهبة، وهكذا في قوله - تبارك وتعالى -: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: 41] فهذا كله يفيد الحصر، ويفيد الاختصاص، والتقوى تكون له وحده، والخوف يكون منه وحده.

أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

  1.  أخرجه أحمد ط الرسالة برقم: (15156) وقال محققو المسند: "إسناده ضعيف" لكن قد حسن بعض طرقه وألفاظه الألباني في إرواء الغليل (1589). 
  2. الصفدية (2/37). 
  3.  لم أجده مرفوعاً، وإنما ورد في البحر المحيط في التفسير (1/382): روي عن ابن مسعود: قتل بنو إسرائيل سبعين نبيًا، وفي رواية ثلاثمائة نبي في أول النهار، وقامت سوق بقلهم في آخره.
    وفي مسند البزار = البحر الزخار برقم: (1285): عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: قلتُ: يا رسول الله: أي الشهداء أكرم على الله؟، قال: رجل قام إلى أمير جائر، فأمره بمعروف ونهاه عن منكر فقتله قيل: فأي الناس أشد عذاباً؟، قال: رجل قتل نبيًا، أو قتل رجلاً أمره بمعروف، أو نهاه عن منكر ثم قرأ: وَیَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ بِغَیۡرِ حَقࣲّ وَیَقۡتُلُونَ ٱلَّذِینَ یَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمٍ [آل عمران: 21] ثم قال: (يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًا في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعًا. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم: (5461).

مواد ذات صلة