تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 21 / محرّم / 1441 - 20 / سبتمبر 2019
[78] قوله تعالى: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} إلى {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}
تاريخ النشر: ٠٥ / ذو الحجة / ١٤٣٦
التحميل: 1157
مرات الإستماع: 1940

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

[78] قوله تعالى: لَا تَقُولُوا رَاعِنَا إلى وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

ما زال الحديث - أيها الأحبة - متصلاً بقوله - تبارك وتعالى - مؤدبًا أهل الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: 104].

لا تَقُولُوا رَاعِنَا ذكرنا ما يُؤخذ من هذه الآية من الأدب، وقد أعجبني مقال للشيخ العالم الأديب محمد بن إبراهيم الحمد - حفظه الله - وهو أديب، أي أنه من أصحاب الأدب في قلمه وبيانه، وهو من أصحاب الأدب أيضًا في ذوقه وأخلاقه ومعاشرته، فأجتزئ بعض العبارات التي ضمنها تحت هذا العنوان: (اكسُ ألفاظك) وذكر قول الإمام الشافعي - رحمه الله - حينما سمع المزني يومًا يقول: فلان كذاب، فقال: يا أبا إبراهيم اكس ألفاظك أحسنها، فلا تقل: فلان كذاب، ولكن قل: حديثه ليس بشيء[1] فالعبارة الأولى قاسية شديدة، والعبارة الثانية أليق.

ونقل ما جرى بين هارون الرشيد وامرأته زُبيدة، حينما لامته على حبه، وإيثاره لابنه المأمون، وتقديمه على الأمين، فقال لها: الآن أريك عذري، فدعا ولده الأمين، وكانت عند الرشيد مساويك، جمع سواك، سوك، فقال للأمين الملقب بالأمين واسمه محمد: ما هذه؟ قال: مساويك، فدعا المأمون، وقال له: ما هذه يا عبد الله؟ فقال: ضد محاسنك يا أمير المؤمنين، يعني: مساويك جمع مسواك، لكن المخاطبة بها كأنك تقول للمخاطب: مساويك، يعني مساوئك، فالمخاطبة بها ليست كما ينبغي؛ لأن المعنى: هذه مساويك ومعايبك، وهو يقصد جمع سواك، فالمأمون غيّر العبارة لما تفطن لما فيها، فقال: هذه ضد محاسنك، فانظر مراعاة الأدب في المخاطبات والألفاظ، وقد جاء في الحديث: ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذي[2] ونقل قول الإمام النووي - رحمه الله -: "ومما يُنهى عنه: الفحش، وبذاءة اللسان، ومعناه التعبير عن الأمور المستقبحة بعبارة صريحة، وإن كانت صحيحة، والمتكلم بها صادقًا" يقول النووي: "وينبغي أن يُستعمل في ذلك الكنايات، ويُعبر عنها بعبارة جميلة يفهم بها الغرض، وبهذا جاء القرآن والسنن الصحيحة، قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة: 187] وقال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء: 21] وقال: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: 237]"[3] يعني: هنا عبّر بالإفضاء والمس، وكذلك أيضًا عبّر عن الجماع بالرفث أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة: 187] أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ بالمعاشرة والجماع، وكذلك أيضًا في قوله - تبارك وتعالى - هنا: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء: 21] فالإفضاء هنا بمعنى الجماع، وهكذا أيضًا المسيس.

ويقول أيضًا - رحمه الله -: "قال العلماء: فينبغي أن يستعمل في هذا وما أشبهه من العبارات التي يستحيى من ذكرها بصريح اسمها الكنايات المفهمة، فيكنى عن جماع المرأة بالإفضاء والدخول والمعاشرة والوقاع، ونحو ذلك"[4].

ويقول أيضًا: "وكذلك يكنى عن البول والتغوط بقضاء الحاجة، والذهاب إلى الخلاء، ولا يصرح بالخراءة والبول، ونحوهما، وكذلك ذكر العيوب، كالبرص والبخر والصُنان، وغيرها، يعبر عنها بعبارات جميلة، يُفهم منها الغرض"[5].

ويقول القاسمي - رحمه الله -: "إياك وما يُستقبح من الكلام، فإنه ينفر عنك الكرام، ويُوثب عليك اللئام، يعني: يجعل هؤلاء اللئام يجترؤون عليك"[6].

ويقول الماوردي - رحمه الله -: "وما يجري مجرى فحش القول وهُجره، ولزوم تنكبه: ما كان شنيع البديهة، ومستنكر الظاهر، وإن كان عقب التأمل سليمًا، وبعد الكشف والروية مستقيمًا"[7].

فهذا كله - أيها الأحبة - مما ينبغي التفطن إليه، ولا يشفع للإنسان أن يعبر بعبارات فيها صلف وشدة وقسوة، ثم يتذرع ويعتذر بأنه صريح، فإن الصراحة لا تعني الفظاظة والفحش والصفاقة، وما إلى ذلك.

وهذا الإمام البخاري - رحمه الله - في عباراته في الجرح والتعديل كان يقول: فيه نظر، تركوه، سكتوا عنه، بدلاً من العبارات الشديدة، كقول: كذاب، أو نحو ذلك من العبارات.

هذا ما يتعلق بهذه الآية، وما يتصل بها، ثم قال الله - تبارك وتعالى - بعدها: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة: 105] ما يحب الكفار من أهل الكتاب والمشركين أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ أدنى خير مِنْ رَبِّكُمْ سواء كان ذلك من قبيل الوحي، أو العلم، أو النصر، أو غير ذلك وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء يختص بالنبوة والوحي، ويختص بالهدى، ويختص أيضًا بالعطاء والمنح.

فيُؤخذ من هذه الآية من الفوائد: أن قوله - تبارك وتعالى -: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني جميع طوائف الكفر فهم إما أهل كتاب، وإما من غير أهل الكتاب من ملل الشرك والإشراك، فهؤلاء جميعًا حالهم واحدة مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ نزول الخير من الله - تبارك وتعالى - لا يحبونه لنا، إذن هم لا يحبون لنا الخير، وإذا كانوا بهذه المثابة: ما يود هؤلاء أن ينزل الخير من ربنا، ومن معاني الربوبية: الرَزق والعطاء والنفع والمدد، وما إلى ذلك، فهم لا يريدون أن ينزل علينا خيرًا من الله، وإذا كان هؤلاء بهذه المثابة: لا يودون أن ينزل خير من الله على هذه الأمة، فمن باب أولى أنهم لن يتفضلوا بخير، ولن يتسببوا فيه، فإذا كان محض الخير من الله لا يريدونه لنا، ولا يحبونه لنا، فهل سيكون ذلك بتسببهم وسعيهم، أو على أيديهم بمنحهم وتفضلهم وإحسانهم وعطفهم وشفقتهم، من الله لا يريدونه لنا، من ربنا، وإذا كان كذلك فماذا يرجى من هؤلاء؟

من ظن أن هؤلاء يمكن أن يحسنوا إلى الأمة، وأن ينظروا إلى قضاياها بنظر القسط والعدل والإحسان والعطف والمراعاة، وما أشبه ذلك، فهو مخطئ، فهو لم يعرف هؤلاء، ولم يعرف حقائقهم التي جلاها القرآن.

ثم تأمّل قوله - تبارك وتعالى - في هذه الآية: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ فـ(خير) نكرة في سياق النفي، وقد سبقت بـ(من) التي تنقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم، يعني: أي خير، في أي باب من الأبواب، وفي أي وقت من الأوقات، وفي حال من الأحوال، ولأي شخص من الأشخاص، أو طائفة من طوائف الأمة؛ لأن العموم يشمل أربعة أشياء: عموم الأفراد، وعموم الأحوال، وعموم الأوقات، والأزمان، وعموم المواضع والأمكنة، في أي زمان، وفي أي مكان، ولأي شخص، ولأي فئة، وفي أي حال من الضر والشدة والمسغبة والكرب، لا يودون أن ينزل من الله، فكيف يسعون فيه مِنْ خَيْرٍ أي: خير، حتى لو كان قليلاً، يسيرًا، ولا شأن له ولا يُذكر، لا يودون ذلك، فكيف يفعلون؟ قد يود الإنسان أن يأتي الخير من الله، لكنه هو لا تجود به يده، قد يود الإنسان الخير للمسلمين المتضررين، ولكن قد لا يبذل لهم شيئًا، لكن هؤلاء مجرد محبة الخير لا يريدونها، هذا كلام علام الغيوب، الله وليس بكلام أحد يسيء الظن، وينظر بنظرة سوداء إلى هؤلاء الناس، إنما هذا كلام الخلاق العليم الذي خلقنا وخلقهم وخلق الخير والشر يقول مثل هذا، ومن ثم فإنه ينبغي الحذر من هؤلاء الكفار على اختلاف طوائفهم، وأن يتعامل معهم على هذا الأساس، أنهم لا يريدون بنا خيرًا، وانظروا إلى أحوال هؤلاء المنكوبين - نسأل الله أن يرفع الضر عنهم - حينما يلجؤون إلى بلادهم، ويركبون الأخطار، كيف يتعاملون معهم؟ وهم يدعون أنهم حماة الحرية، ودعاة الإنسانية، كل هذا يذهب ويتلاشى حينما يكون المتضرر البائس من المسلمين.

ثم لاحظ هذا الوصف لهم بالكفر مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فلم يقل: ما يود أهل الكتاب، فهم قد كفروا بكتبهم، ولو كانوا مؤمنين بها حقًا لآمنوا بهذا القرآن، وبمحمد ﷺ لأن كتبهم تأمرهم بذلك.

وتأمل في التعليل: حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [البقرة: 109] لا يتمنون لنا الخير إطلاقًا؛ لماذا؟ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [البقرة: 109] الحسد يكون على ماذا؟ هل يُحسد الإنسان على الفشل؟ الجواب: لا، وهل يُحسد الإنسان على الإخفاق؟ الجواب: لا، وهل يُحسد الإنسان على الضلال؟ الجواب: لا، إنما يُحسد على المنح والهبات الجزيلة، والعطايا الجليلة، فهذا يدل على أنهم يعلمون أن هذه الأمة قد أعطاها الله وحباها واجتباها، فجاء الحسد، البائس ما يُحسد، المحروم ما يُحسد، التائه لا يُحسد، ولكن الذي يُحسد هو المنعَم عليه (صاحب النعمة) فدل على أنهم يعلمون جيدًا ما عليه هذه الأمة من الهدى الكامل، والاجتباء والاصطفاء، فجاء الحسد بناءً على ذلك، فلا يُحسد الإنسان إلا على منقبة ونِعَم.

ثم أيضًا تأمل تقديم الجار والمجرور في قوله: عَلَيْكُمْ فلم يقل: إن ينزل خير عليكم، وإنما قال: عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ فهذا التقديم يفيد الاختصاص، فكما هو معلوم أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص، وتقوية المعنى، ولإظهار كمال العناية بشأن المنزَّل، والمنزَّل عليه أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ أنتم بالخصوص، المشكلة معكم؛ لأن هذا الكتاب لم ينزل على بني إسرائيل، وأما المشركون فاقترحوا: لو أنه أنزل هذا القرآن على غير النبي ﷺ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: 31] مكة أو الطائف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [الزخرف: 32] يعني النبوة، هذا رد على المشركين، وأما اليهود فقد حسدوا هذه الأمة على تحويل الكتاب والرسالة والوحي من بني إسرائيل بعد أن كان ذلك فيهم ردحًا من الزمان متطاولاً، فنزل على هذه الأمة، وصار فيها الاجتباء والاصطفاء، فحسدوهم، كما هو معلوم.

ثم إن هذا الحسد من قبل هذه الطوائف جميعًا من أهل الكتاب، وطوائف المشركين لن يغير من الأمر شيئًا، فالله - تبارك وتعالى - يختص برحمته من يشاء، كما قال هنا: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة: 105] فهذا الفضل من الله والألطاف الربانية، لا يمنعها حسد حاسد، ولا تمني متمني وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 17 - 18] فهذا هو ربنا - تبارك وتعالى - كما قال النبي ﷺ : ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك[8] هذا قضايا محسومة، ونحن دائمًا نرى ما يُصدِّق ذلك، من العبر والعظات والآيات الشواهد على هذا، هذا الذي حصل في بيت الله الحرام نسأل الله أن يتقبلهم في جملة الشهداء، وأن يعوضهم خيرًا، وأن يجبر مصاب ذويهم، تلاحظ هذا السقوط في لحظة في ثانية، الذي لم يكتب له أن يصاب به يتقدم قليلاً خطوات، والذي كتب عليه يرجع خطوات، هذا يمشي يسير إلى حتفه، وهذا يتقدم خطوات؛ لأن أجله لم يحضر بعد، هذه أم صبيانها يمشون خلفها، وهي وادعة في أأمن الأماكن في بيت الله الحرام، وإن كنت لا أحب أن تنشر مثل هذه الصور إطلاقًا؛ لأن هذا هو المكان الآمن، ومن دخله كان آمنًا، فلا يصح نشر أي صور تبعث على القلق والخوف، ولو كان الذي ينشرها بحسن نية، لكن المؤدى في النهاية أن هذا المكان خطر، هذا مؤدى هذه الصور التي تنشر، فهذا ينشر هذه الصور، وآخر ينشر حريقًا في المكان الذي يعتمل فيه، وهو تحت الإنشاء، فما الفائدة من نشر مثل هذا؟ لكن ليس هذا موضع الحديث الآن، لكن الشيء بالشيء يذكر، ينبغي أن ينشر ما يبعث الطمأنينة في نفوس الناس، وليس الخوف، هذا مقتضى العقل، وما يدعو إليه الشرع، الناس يطمئنون، فهم آمنون في بيت الله الحرام، لكن إذا جاء القدر، فهنا كما قيل لابن عباس - ا - يقال: إن الهدهد يرى الماء الذي تحت الأرض، وهو في الهواء، يقال والله أعلم، ويقال: إن سليمان حينما تفقد الطير فلم يرَ الهدهد أنه احتاج إلى الماء، فالهدهد كان يدله على مواضع الماء تحت الأرض إذا احتاجوا إلى حفر لاستخراج الماء، هكذا يقال، ويقال: إنه لما كانت تحمله الريح كانت الطيور تظله، فبقيت فجوة مكان الهدهد، وكانت هذه الطيور منظمة، كل طائر قد عرف مكانه، فلما دخلت عليه الشمس نظر فإذا هذا مكان الهدهد وجده غائبًا، فسأل عنه، على كل حال هذا أو هذا، فسئل ابن عباس - ا -: إذا كان الهدهد بهذه المثابة يرى الماء تحت الأرض، فهذا الصبي الغلام يضع له الفخ (حبه في فخ) ويصيده، فقال ابن عباس - ا - وهو الشاهد: إذا جاء القدر عمي البصر[9] ولهذا قالوا: الحذر يؤتى من مأمنه، ولا ينجي حذر من قدر، نعم يجب تعاطي الأسباب، ولكن إذا جاء القدر فقد جاء أمر الله فهذا يسير إلى حتفه بخطوات، وهذا ينتقل بخطوات؛ لأن حتفه لم يحن بعد، هي هكذا، هؤلاء وقوف يتفرجون وينظرون ما جاءت آجالهم، وآخرون قد جاءت آجالهم فيسيرون إليها، فهنا وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [البقرة: 105].

فما يصل إليك من الخير لن يرده أحد، وما يصل إلى الآخرين لن يستطيع أحد رده، إذن لماذا الحسد؟ هؤلاء الذين حصلوا على أرباح في التجارات، أو عمروا قصورًا أو دورًا، أو حصل لهم ثروة، أو حصلوا وظائف جيدة، أو أنهم تفوقوا في دراستهم، وتخرجوا من الجامعات، وحصلوا أعلى الشهادات؛ فلماذا الحسد؟ هم ما أخذوا منك شيئًا، وما أخذوا من رزقك شيئًا إطلاقًا، فلو حصل كل واحد منهم مثل مال قارون لم يكن ذلك على حساب رزقك بربع هللة، وفضل الله واسع، فيُطلب منه، ماذا تريد؟ تريد النجاح والوظيفة والمال والثروة والعلم؟ عليك أن تسأل ربك - تبارك وتعالى - مع بذل الأسباب، أما هؤلاء زملائك وغير زملائك الذين حصل لهم ما لم يحصل لك ما أخذوا منك شيئًا، لم يضيقوا عليك الفرص، فإن رزقك سيأتي، وذكرت لكم من قبل مثالاً في ذلك الرجل الذي سقط في القليب، ثم تداعى الناس فأخرجوه، وإذا به لم يُصب بأي أذى، فحملوه معهم، وذهب إلى مجلسهم، وسقوه لبنًا، ثم بعد ذلك سألوه: كيف وقعت؟ وماذا حصل؟ فأخذهم معه ليريهم كيف سقط، فبينما هو يمشي وإذا بقدمه تزل، فوقع فأصابته جوانب البئر، أو القليب، فما وصل إلى قعرها إلا وقد فارق الحياة، كان بقي له دقائق، وشربة لبن، فالأجل بقي فيه شيء، والرزق بقي فيه شيء، وقد أخبر النبي ﷺ : ((لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت[10].

تطلب العلم وقد لا تحصل، تبقى سنوات طويلة، وآخر في عُشر هذه المدة التي تقضيها يحصل من العلم الكثير ويحفظ الكثير، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، لم يكن عائقًا وحائلاً بينك وبين العلم، فلماذا الحسد؟ فلان عنده، وفلان عمَّر، وأولاده عمَّروا، وفلان كذا، وفلان كذا، هم ما أخذوا منك شيئًا، وما كانوا سببًا لحجزك عن شيء من رزقك، هذا النظر الصحيح، والإيمان بالقدر يورث مثل هذه المعاني.

ثم أيضًا تأمل قوله - تبارك وتعالى -: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة: 105] فهنا ذُو الْفَضْلِ أكد الخبر بالجملة الاسمية، فهي تدل على الثبوت، الفضل الثابت العظيم، الذي لا يمنعه حسد حاسد، ولا يجلبه مجرد الأماني، وهكذا التعبير بالمضارع يَخْتَصُّ يدل على تحقق الوقوع والاستمرار، فهذا الاختصاص حينًا بعد حين.

وهكذا في قوله - تبارك وتعالى -: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ فلم يقل: وهو ذو الفضل، فوضع الظاهر الاسم الكريم (والله) للتعظيم، وتربية المهابة في نفوس العباد، ولم يقل: والله يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم، وإنما قال: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فإظهار الاسم الكريم، والاستغناء به عن الضمير مكانه، لا شك أن أفخم، وأدعى للتعظيم، وتربية المهابة.

ولاحظ إضافة الرب إليهم مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ هذا فيه تشريف لهذه الأمة، وعناية الله - عز - وجل بها، وكذلك أيضًا يدل على أنّ هذا الرب هو الذي يربيهم وينقلهم من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، ومن كمال إلى كمال، ومن معاني ربوبيته أن يبعث الرسل، وأن ينزل الوحي والكتب، وما إلى ذلك.

فنسأل الله من فضله، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره، وحسن عبادته.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1.  فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (2/128). 
  2.  أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في اللعنة برقم: (1977) وصححه الألباني. 
  3.  الأذكار للنووي ت مستو (ص: 578). 
  4.  الأذكار للنووي ت مستو (ص: 578). 
  5.  الأذكار للنووي ت مستو (ص: 578). 
  6.  جوامع الآداب (ص: 6). 
  7.  أدب الدنيا والدين (ص: 284). 
  8.  أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع برقم: (2516) وصححه الألباني. 
  9.  شعب الإيمان - البيهقي (1/233). 
  10.  أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/90) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5240). 

مواد ذات صلة