تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 19 / محرّم / 1441 - 18 / سبتمبر 2019
[79] قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا..} إلى {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}
تاريخ النشر: ٢٠ / ذو الحجة / ١٤٣٦
التحميل: 1146
مرات الإستماع: 1909

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

 [79] قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا.. إلى وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

نستأنف الحديث - أيها الأحبة - في الكلام على ما يُستخرج ويُستنبط من الهدايات من هذه السورة الكريمة (سورة البقرة) وفي هذه الليلة نقف وقفات مع قوله - تبارك وتعالى -: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة: 106 - 107].

مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ما نرفع أو نبدل مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا فسّره جمع من أهل العلم برفعها من القلوب، وهذا الموضوع فيه كلام كثير لأهل العلم في تحديد المراد من هذه الجملة: أَوْ نُنسِهَا وفيه قراءتان متواترتان، فهذا الموضع من أهل العلم من يقول: أَوْ نُنسِهَا يعني: نُأخر الإنزال، لكنه مع أنه فيما يبدو لأول وهلة قريب إلا أنه يرد عليه إشكال قوي، وهو أن الله قال: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا فإذا كان المعنى هو تأخير الإنزال فكيف قال: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا مع أنها ستنزل، ولكن أخّر الله إنزالها إلى الوقت الذي قدره لذلك، فعلى كل حال نأتي لكم بأنفع منها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أو نأتي بمثلها في التكليف والثواب.

أَلَمْ تَعْلَمْ أيها النبي، أو من يصلح أن يتوجه إليه هذا الخطاب: أن الله قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 106] فهذه الآية تتحدث عن قضية النسخ، وهي نص صريح في ذلك، فلا يصح لأحد أن ينكر وقوع النسخ في كتاب الله - تبارك وتعالى - فالله مصرحٌ بذلك في هذه الآية: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا هذا بالإضافة إلى مواضع أخرى من كتاب الله كقوله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: 144] فهذا أيضًا من قبيل النسخ، لكنه نسخ لما ثبت في السنة.

وكذلك أيضًا في الصدقة بين يدي النجوى فهو نسخ لما جاء بالقرآن: أأشفقتم [المجادلة: 13] فعلى كل حال شواهد النسخ ثابتة وواضحة وصريحة، وليس لأحد أن ينكره، وقد وجد شذوذ في الزمن القديم من أنكره، ولا عبرة بإنكاره، ولكن قد تروج مثل هذه المقالات في مثل هذه الأوقات، ويتلقفها كثيرون، إما محبة في المخالفة والإغراب، أو لشبهة ربما عرضت لهم من قبل بعض من يثير مثل هذه القضايا.

وقد قال الإمام القرطبي - رحمه الله -: بأن النسخ لا ينكره إلا الجهلة الأغبياء[1] يعني: أنه قضية مقررة عند أهل العلم لا إشكال فيها.

فيُؤخذ من هذه الآية: أن الله - تبارك وتعالى - إذا منع عباده المؤمنين شيئًا تتعلق به إرادتهم فتح لهم بابًا أنفع لهم منه، وأسهل وأولى، كما يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في كتابه القواعد الحسان[2] فهنا: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا وكذلك في مثل قوله تعالى في غير باب النسخ: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِنْ سَعَتِهِ [النساء: 130] والله - تبارك وتعالى - عليم حكيم.

ويُؤخذ من هذه الآية أيضًا: أنَّ أحكام الله - تبارك وتعالى - تختلف وتتفاوت في الخيرية من زمان لآخر، فقد يكون الحكم خيرًا للعباد في وقت، ويكون غيره أفضل منه في وقت آخر، كما دلت عليه هذه الآية: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.

ويُؤخذ من هذه الآية أيضًا: تطمين النفوس، حينما توجد بواعث القلق فيها، فقضية النسخ (رفع الأحكام) ربما تكون مشوشة لبعض الأذهان، كما في تحويل القبلة، كما قال الله: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [البقرة: 143] تحويل القبلة التي هي شعار لأهل الإيمان، ولأهلها ولأهل الملة، ليس بالشيء السهل، ولكن الله - تبارك وتعالى - ذكر معه من التطمينات وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: 143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ ولما صار اليهود يشغبون على هذه القضية، فيقولون: مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ردّ عليهم بقوله: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 142] فله الجهات كلها، وهو الذي يوجه إلى عباده إلى ما شاء منها، هداية منه - تبارك وتعالى - لهم عن علم وحكمة.

كما أن الله - تبارك وتعالى - أيضًا هو القادر على كل شيء، قادر على تغيير الأمور الحسية، والأمور المعنوية، يغير ما شاء في أحوال هذا الكون ومجرياته، وكذلك أيضًا يغير ما شاء من شرائعه وأحكامه، فالله - تبارك وتعالى - يقول: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 106] في ختم هذه الآية المتعلقة بالنسخ.

ثم قال الله - تبارك وتعالى -: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة: 107] ألم تعلم أيها النبي، وهذا الخطاب يمكن أن يكون موجهًا إلى كل من يصلح له توجيه الخطاب، أو أنّ النبي ﷺ قد خُوطب بذلك ويكون هذا الخطاب موجهًا للأمة؛ لأن الأمة تخاطب في شخص مقدمها وقدوتها - عليه الصلاة والسلام -.

فالله - تبارك وتعالى - له ملك السماوات والأرض، فله التصرف والتدبير المطلق الذي لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويُشرِّع لعباده ويأمرهم بما شاء، وينهاهم عما شاء، فما عليهم إلا التسليم والانقياد والطاعة أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة: 107] أي: ليس هناك من يتولاكم، ولا ينصركم من دون الله - تبارك وتعالى - إن خرجتم عن طاعته، وعن الانقياد لشرعه وحكمه، هذا الاستفهام أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ دخل على النفي، فالنفي (لم) والاستفهام بالهمزة أَلَمْ تَعْلَمْ فهو بمعنى التقرير، يعني قد علمت ذلك، وظاهر هذا الخطاب أنه للواحد: أَلَمْ تَعْلَمْ لكن كما سبق يمكن أن يكون قد وجه للنبي ﷺ والمراد الأمة بأكملها، أو أن ذلك لكل من يصلح له الخطاب.

وكذلك أيضًا تأمّل ما في هذه الآية من الالتفات، فهنا لما قال الله - تبارك وتعالى - مخاطبًا الجماعة مِن رَبِّكُم ثم قال: أَلَمْ تَعْلَمْ فانتقل من الجمع إلى الواحد، وكذلك أيضًا انتقل من ضمير المتكلم المعظم نفسه في قوله: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا فهذا فيه تعظيم، كما هو معلوم نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ثم بعد ذلك انتقل إلى الغَيبة بالاسم الظاهر أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ ولم يقل: ألم تعلم أننا على كل شيء قادرين، ألم تعلموا أننا، وإنما قال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ فهذا نوع التفات، ووضع الاسم الظاهر (لفظ الجلالة) في الموضع الذي يصح فيه الضمير، وفيه من التفخيم والتعظيم لتربية المهابة ما فيه.

وكذلك أيضًا مَن عَلِم بأن الله - تبارك وتعالى - هو وليه، لا ولي له، ولا نصير سوى الله - تبارك وتعالى - يعلم أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له، فيفوض أمره إلى الله، فإلى أين المصير؟ وإلى أين المفر؟ فمن كان واثقًا بعلم الله وحكمته وقدرته وإحاطته بكل الأمور، فإنه يركن إليه، ويطمئن إلى تشريعه وحكمه وتقديره، فلا يكون في قلبه أدنى اعتراض أو تشكك، أو تردد في صحة أحكامه الكونية القدرية، أو في صحة أحكامه الشرعية.

فالله - تبارك وتعالى - له الحكم، وإليه يرجع الخلق، فما عليهم إلا التسليم والإذعان، وإذا كان ربنا - تبارك وتعالى - له ملك السماوات والأرض، وليس للعباد من دونه من ولي يتولاهم، ولا نصير ينصرهم، فإنه ينبغي أن تتوجه القلوب إليه، وأن يكون موضع الرغبة والرهبة، وأن يكون هو المعبود وحده لا شريك له، فيفر العبد منه إليه، فلا ملجأ منه إلا إليه فيُتقى حق التقوى، ولا يجترئ العبد على معصيته ومخالفته، فإنه ليس له من دونه من ولي ولا نصير، وربنا الذي نتعامل معه له ملك السماوات والأرض، فخزائنها بيده، فبيده الإمداد والعطاء والمنع، وبيده كل شيء، فينبغي أن يكون القلب منعقدًا على خوفه ورجائه، والتوكل عليه، والثقة بما عنده، واليقين بذلك كله، وبهذا يحصل سلامة الوجهة والقصد لدى العبد، ويكون موحدًا لربه - تبارك وتعالى - لا يلتفت إلى شيء سواه، فيكون ربه هو الذي يُدبِّره، فإذا شرع تشريعًا قابله العبد بالإذعان والقبول والتسليم، وإذا قدر تقديرًا فإن العبد أيضًا يتقبل ذلك عن ربه - تبارك وتعالى - غير متسخط له، وإنما يسلم لأحكامه الشرعية، وأحكامه القدرية، فيكون قد رضي به ربًا، فالرب هو الذي يتصرف بالمربوب، ويربيه ويرببه، ويصلح شأنه، وهو سيده ومالكه، كل ذلك من معاني الرب، وهو حقيقة الرضا به - تبارك وتعالى - ربًا وإلهًا ومعبودًا، فنحن نقول كل يوم: رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبينًا، فيبغي أن يكون ذلك واقعًا نشهده ونعيشه، فيكون العبد في غاية الإذعان والاستسلام والانقياد والطاعة والاستجابة، فيكون مراقبًا لربه في كل أحواله، فلا يطلع ربه على شيء في قلبه من سخط، أو اعتراض، أو تردد، أو شك، أو وجهة إلى غيره - تبارك وتعالى - فحينما يرائي الإنسان بعمله، أو يُسمع به، أو حينما يتعاظم في نفسه، فيعجب، فالله يعلم خطرات النفوس، ويعلم ما يحصل في القلوب من توحيد وضده، ومن محابه ومساخطه، وكذلك أيضًا في أعمال الجوارح.

أسأل الله أن يرزقنا وإياكم قلوبًا مسلمة مستسلمة منقادة مخبتة لربها وخالقها - وتقدست أسماؤه -.

وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1.  تفسير القرطبي (2/62). 
  2.  القواعد الحسان لتفسير القرآن (ص: 124). 

مواد ذات صلة