تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 21 / محرّم / 1441 - 20 / سبتمبر 2019
[91] قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا..} إلى {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}
تاريخ النشر: ٠٧ / محرّم / ١٤٣٧
التحميل: 1171
مرات الإستماع: 2246

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن 

سورة البقرة

[91] قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا.. إلى لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

يقول الله - تبارك وتعالى - في جملة ما خاطب به بني إسرائيل في هذه السورة الكريمة (سورة البقرة)، لما ذكرهم بنعمه قال: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: 123].

وَاتَّقُوا يَوْمًا معلوم أن اليوم هو ظرف زمان لا يتقى، ولكن جرت لغة العرب أن يعبروا بمثل هذا، يعني: واتقوا أهوال يوم، اتقوا أوجال يوم، فما يقع في ذلك اليوم هو الذي يتقى، ولذلك يفسره أهل العلم بمثل هذا: واتقوا أهوال يوم لا تجزي، أهوال يوم الحساب، يوم القيامة لا تغني نفس عن نفس شيئًا، ولا يقبل منها فدية تنجيها من عذاب الله - تبارك وتعالى - فالعدل هو الفدية الفداء وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ يعني: لا يوجد وساطات في ذلك اليوم، فيخلص الإنسان بها إلا ما ثبت لأهل الإيمان، فإن نفي الشفاعة هنا وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ جاء عامًا، فإن الشفاعة هنا نكرة في سياق النفي، وهي للعموم، ولكن من أهل العلم من يقول كأبي جعفر بن جرير - رحمه الله -: بأنه من العام المراد به الخصوص[1] وبعضهم يقول: هو من العام المخصوص، يعني: أنه خصصته الأدلة الأخرى التي تثبت الشفاعة لأهل الإيمان، والمقصود أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، وأما الشفاعة المثبتة فهي لأهل الإيمان، وبعضهم يقول: إن الشفاعة المنفية هي التي تكون بغير إذن الله وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28].

وَلا هُمْ يُنصَرُونَ فذكر الله - تبارك وتعالى - في هذه الآية الكريمة الأنواع الثلاثة التي يحصل بها الخلاص، الأول هو لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا لا أحد يستطيع أن ينفع غيره، وكذلك أيضًا لا أحد يستطيع أن يدفع فدية فيتخلص، والأمر الثالث وهو أنه لا أحد يستطيع أن يتوسط ويشفع لأحد فيتخلص من عذاب الله إن كان من الكفار، ويبقى الرابع وهو تخليصه بالقوة وَلا هُمْ يُنصَرُونَ أي يحصل فكاك هذا الإنسان وتخليصه من بين يدي الله بالقوة، وهذا أمر لا يكون، فنفى ذلك جميعًا.

ويؤخذ من هذه الآية: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ تنكير اليوم هنا يدل على التهويل والتعظيم، يوم شديد الأهوال عظيم الأوجال، وإنما يكون اتقاؤه بالعمل الصالح مع الإيمان وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ صفة هذه اليوم أنه لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئًا لا تَجْزِي نَفْسٌ والنفس هنا أيضًا منكَّرة في سياق النفي، فهذا يشمل كل نفس، لا أحد يستطيع أن يخلص هؤلاء الكفار مهما علت مرتبته، فإبراهيم يقول سائلاً ربه - تبارك وتعالى -: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء: 87] فيحول أبوه إلى ذيخ وهو الذكر من الضباع، فيقال له: انظر، بحيث إنه لا يُعرف أنه آزر، فيكون ذلك إكرامًا لإبراهيم لكنه لم يتخلص أعني أباه من النار، يتحول إلى ذيخ[2]  

كذلك أيضًا النبي ﷺ لما سُئل: هل نفع أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطه في الجاهلية؟ فذكر النبي ﷺ: أنه في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار[3]

وجاء: إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه...[4] فلاحظ هنا لم يكن ذلك مخلصًا لأبي طالب من الخلود في النار، بل هو في النار.

بل حينما سأله رجل عن أبيه قال: أين أبي؟ قال: إن أبي وأباك في النار[5] فذلك اليوم لا تجزي نفس عن نفس شيئًا، التعلق بمن يعتقد فيهم الصلاح والولاية لا يغني وإنما الإيمان والعمل الصالح.

فهذا ولد نوح هلك وهو في الآخرة من أهل النار، وامرأة نوح وامرأة لوط مع قربهما إلى هذين النبيين الكريمين فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم: 10].

فالنجاة والخلاص لا يكون بالتعلق بالقرابات ونحو ذلك من غير إيمان وعمل صالح، لكن إذا وجد الإيمان الصحيح المنجي فإن الشفاعة تنفع ويُلحق الذرية بالآباء وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: 21].

وهكذا نسب النبي ﷺ فإن أبا لهب هو عمه، وأبو طالب عمه، ومع ذلك هما في النار، لكن من كان على أهل الإيمان فإن النبي ﷺ ذكر أنه في القيامة ينقطع ويبطل كل سبب ونسب قال: إلا سببي ونسبي[6]

ولاحظ هنا أنه قال: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ أيضًا نكرة في سياق النفي، يعني: لو أنه افتدى بملء الأرض ما قُبل منه، لم يكن ذلك بنافعه عند الله  والله - تبارك وتعالى - يقول: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ [المعارج: 11] يعني: أقرب الناس إليه وأعلق الناس بقلبه الذين يدفع عنهم في الدنيا، المرأة تقول: ألقي بنفسي في النار من أجل هؤلاء الأولاد، ويوم القيامة يود لو يفتدي بهم وبغيرهم الأم والأب والإخوة والزوجة وكل هؤلاء في سبيل أن ينجو.

وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ أي شفاعة وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: 123] وجاء هنا بضمير الفصل كما ذكرنا في مناسبات سابقة (هم) لتقوية النسبة وَلا هُمْ يُنصَرُونَ لا يحصل لهم أي نوع من أنواع النصر، وإنما هو الخذلان الكامل من كل وجه، وتتبرأ منهم معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله .

لاحظ في هذه الآية من سورة البقرة وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 123] وفي الآية التي مضت من هذه السورة وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: 48] بتقديم الشفاعة على العدل، فمثل هذا التنويع هو من ضروب البلاغة، والتقديم والتأخير يكون بحسب السياق.

ثم قال الله - تبارك وتعالى -: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124].

وَإِذِ ابْتَلَى (إذ) هذه تكون مسبوقة بمقدر دائمًا واذكر إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، اذكر أيها النبي حين اختبر الله إبراهيم بكلمات فأتمهن، شرائع تكاليف أداها وقام بها خير قيام، فعندها قال الله بعد هذا الابتلاء: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قدوة يأتم بك غيرك ويقتدون، فإبراهيم قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يعني: واجعل من نسلي أئمة، فأجابه الله بأن الإمامة لا تصلح للظالمين لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ يعني العهد بالإمامة لا ينال لا يصل إلى الظالمين، عهده بالإمامة لا يتحقق لا يكون لأهل الظلم لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .

يؤخذ من هذه الآية من الفوائد وَإِذِ ابْتَلَى حينما يُذكر ذلك للنبي ﷺ واذكر إذ ابتلى، هذا يدل على شرف إبراهيم حيث ذكر الله خبره هذا، وهذا الابتلاء الذي نجح فيه لأفضل رسول وفي خير كتاب ولأفضل أمة، ثم إن طلب ذكر ذلك يدل على شرف هذا المذكور وَإِذِ ابْتَلَى واذكر.

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قدَّم إبراهيم عناية واهتمامًا؛ لأنه وقع عليه الابتلاء فهو المحدث عنه، المبين شرفه في هذه الآية، فقد سيقت هذا المساق، فقدمه وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ ما قال: وإذ ابتلى الله إبراهيم، وإنما وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا فهذا يدل على أن الإمامة لا تكون إلا بعد الابتلاء.

ولما سئل الشافعي - رحمه الله -: هل يُمكَّن للإنسان ثم يبتلى؟ فقال: لا يُمكَّن حتى يبتلى[7] لا يُمكَّن له حتى يبتلى.

والله يقول: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24] وهنا قال من قال من السلف : بأنه بالصبر واليقين تُنال الإمامة بالدين.

الصبر على طاعة، والصبر عن معصية، الصبر على أقداره المؤلمة، لا بد من الصبر، فمن الناس من ينكسر حال الابتلاء ويتراجع، يجزع، يتسخط، يتخلى عن مبادئه، يعترض على قدر الله ومن الناس من يضعف يقينه فيتزعزع إيمانه لأدنى تشكيك وشبهة، فالإيمان الراسخ الثابت هو الذي يكون صاحبه من أهل الإمامة، لا تكون الإمامة لمن كان إيمانه ضعيفًا هشًا، قابلاً للتشكيك، فهو يتقلب في كل يوم على رأي ومذهب ودين، إنما يكون راسخًا رسوخ الجبال الرواسي، واقرأوا ما جاء في سير بعض السلف ماذا قيل عند موتهم، تجد بعض العبارات أنه كان على سنن واحد، لم يتغير ولم يتبدل على نهج واحد، هذا هو الثبات.

قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا الإمامة هنا الإمامة في الدين بمعنى أنه يكون قدوة متبعًا، وهو المراد بقوله - تبارك وتعالى -: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: 74] فهذا ليس من طلب الرياسة في شيء، وإنما المقصود أن يكون الإنسان في حال من الاستقامة في الاعتقاد والقول والعمل فيكون قدوة لأهل الإيمان، قدوة صالح يقتدون به ويأتمون به، هذا هو المقصود وليس طلبًا للإمارة والرئاسة وما أشبه ذلك.

فإبراهيم أخذته الشفقة على ذريته، فلما قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يعني اجعل أئمة، و "من" هذه تحتمل أن تكون للتبعيض، اجعل من ذريتي، فعلى هذا المعنى كما يقول الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: أن ذلك من آدب الدعاء من جهة أنه علم أن الإمامة لن تكون في جميع الذرية؛ لأنهم يتفاوتون في استقامتهم وصلاحهم وإيمانهم فطلب أن يكون ذلك في بعضهم[8].

وعلى القول بأن "من" هذه بيانية وَمِنْ ذُرِّيَّتِي كما يقول الرجل لأولاده: أريد منكم أولاد بررة، لا يقصد أريد منكم يعني أريد بعضكم دون بعض، وإنما يقصد جميع الأولاد، فتكون "من" بيانية، تقول لإنسان: أريد منك رجلاً شهمًا مجدًا همامًا، أريد منك ليس المقصود التبعيض وإنما "من" بيانية.

إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا فأخذته الشفقة فقال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يعني اجعلهم أئمة، فبين الله أن الإمامة لا ينالها أهل الظلم لا يَنَالُ عَهْدِي أي: بالإمامة الظالمين، فهنا دل ذلك كما قال جمع من أهل العلم: أن الإمام لا بد أن يكون من أهل الدين والصلاح والخير والإحسان.

ويؤخذ من هذه الآية: فضل الله - تبارك وتعالى - على عباده حيث يجزيهم وهو من معاني الشكور من أسمائه، يجزيهم على عملهم القليل بالجزاء الكثير، هذا معنى الشكور، فالله ابتلى إبراهيم بكلمات، كلمات تدل على القلة، وهو الذي تفضل عليه وهداه، وألهمه، وثبته ووفقه، ومع ذلك يجزي عبده الجزاء الأوفى، فكان الجزاء له بهذا الجزاء العظيم إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا والناس هنا يدل على الجنس، جنس الناس، ولذلك لا يوجد أحد رجل أجمع عليه أهل الملل، وكل طائفة تضيفه إلى نفسها مثل إبراهيم اليهود يقولون: بأنه منهم، والنصارى يقولون: بأنه منهم، ولهذا قال الله : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران: 67] فتنازعته الطوائف لعظمه وإمامته ورد الله على هؤلاء هذه الدعاوى في مواضع من كتابه كما هو معلوم أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [البقرة: 140] إلى غير ذلك.

وأيضًا يؤخذ من هذه الآية: فضل إبراهيم من جهة الإمامة التي حباه الله بها، ومن جهة أيضًا يؤخذ من هذا الفضل وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ فأضافه إليه، فهذه إضافة تشريف، أضاف ربوبيته إلى إبراهيم وهذه ربوبية خاصة، وكذلك في قوله: فَأَتَمَّهُنَّ وكذلك فيما بعده إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا .

ويؤخذ من هذه الآية: أن سُنن الله لا تحابي أحدًا مهما علا قدره، ولو كان في مكان التكريم، يعني هذه لحظة تكريم لإبراهيم فانتهز الفرصة قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي فلم تكن سنن الله تحابي أحدًا، ولو حابت أحدًا لكان ذلك لإبراهيم فقال الله: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124] فإن أهل البدع والضلال والإشراك الفجور لا يصلحون للإمامة في الدين.

ولذلك أقول أيها الأحبة: ثلاثة لا يُصدَّرون، قد يكون عند الإنسان فضل ذكاء، وكثرة معلومات، وحفظ، وما أشبه ذلك، لكن عنده مشكلة.

ثلاثة لا يُصدَّرون: صاحب البدعة، والعلم ليس حكرًا عليه، تقول: عنده معلومات، عنده، عنده، لا يُصدَّر لا يُقدَّم للناس.

الثاني: صاحب الهوى والشهوات والمعاصي، فاسق مهما كان حفظه، ومهما كان علمه، لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله أحبار اليهود، فإنسان مضيع لحدود الله  منتهك لمحارمه، ولو كان عنده علم كثير، مثل هذا لا يُقدَّم للناس؛ لأنه فتنة، قد يؤتى الإنسان ذكاء ولا يؤتى زكاءً.

الثالث: وهو صاحب الشذوذات، يعني كل إنسان عنده آراء لربما تكون غير صحيحة ولا يسلم من هذا أحد، لكن إذا كثر ذلك غلب على الإنسان شذوذات، الغالب عليه يطرح غرائب شذوذات، يُغرب على الناس، فيكون ذلك سببًا لفتنة ولزعزعة دينهم وثقتهم بما هم عليه، فإذا غلب هذا على الإنسان وصار غالبًا عليه، إثارة قضايا غريبة، فتاوى غريبة شاذة، آراء شاذة يتبناها بحيث يكون ذلك سمة له، ليست مسألة ولا مسألتين ولا ثلاث، إنما هو الغالب، فمثل هذا لا يُصدَّر؛ لأنه يكون فتنة للناس، هؤلاء ثلاثة لا يُصدَّرون.

فإن شئت أن تزيد رابعًا فلك أن تزيد من عُرف بحب الشهرة والرئاسة، وحب التصدُّر فمثل هذا لا يعان عليه الشيطان، فإنه يكون مفتونًا، ومثل هذا الذي يكون عنده حب للشهرة والرئاسة والتصدر سيكون تبعًا لأهواء الناس، تبعًا للجماهير؛ لأنه لا يريد أن يخسر هؤلاء الأتباع، فهو يريد أن يتكثر منهم، ومن ثم فإنه يقول لهم ما يوافق أهواءهم، فيعطيهم من الفتاوى المرخصة التي توافق هواه، لا يريد أن يغضب أحدًا منهم، لا يريد أن يجرح أحدًا منهم، لا يريد أن يقول: هذا مبتدع، أو هذه بدعة، أو هذا حرام هذا شرك، أو هذا كذا، وإنما كل شيء عنده إجابات ضبابية لا تأخذ منه حقًا ولا باطلاً، كما يقال: إجابات دبلوماسية وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [الكهف: 29] لا بد من بيان الحق للناس بصورة واضحة جلية لا يكون ملتبسًا عليهم، فهذا الذي لا يعرفون من خلال فتواه أو كلامه الحلال من الحرام ولا السنة من البدعة، ولا الإيمان من الشرك هذه تضلل الناس، يبقى الناس في عماية، فمن الناس من لا يريد أن يخسر أحدًا، أهل البدع والأهواء وأهل الفجور والمعاصي، الكل يربت على كتفه كأنه يقول: لا بأس عليكم، بل لربما يستدل بآيات، يعني بعضهم يستدل بقوله - تعالى - لقوم فجرة في قناة سيئة يقول: طبيعة الإنسان محبة الخير وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: 8] في محكم التنزيل، الآية وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ يعني المال، هذا معنى الآية، لكنه للأسف يوردها على قوم من أهل الفسق وعرفوا بهذا والفجور وفي قناة كذلك ليقول لهم: لا بأس عليكم طبيعة الإنسان أصلاً حب الخير، أنتم تحبون الخير مهما كنتم من السوء، ويحمل الآية على معنىً محرف غير مراد بالإجماع.

وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ يعني: المال، وليس حب الخير، يعني العمل الصالح، أبدًا، فإن من النفوس من يكون صاحبها أبعد عن الخير والعمل الصالح، قد انتكست فطرته فهو يكره الحق وأهله ويعاديه ويحاربه، وهذا أمر مشاهد.

على كل حال أيضًا لاحظ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أراد الخير لذريته هذه جبلة، وقال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم: 35] فالإنسان يدعو لأولاده بالصلاح، ويحرص على تربيتهم التربية الصحيحة؛ لأن هؤلاء امتداد له، والنبي ﷺ قال: أو ولد صالح يدعو له[9] هؤلاء هم مدخراتك مع العمل الصالح، هؤلاء من جملة العمل الصالح الذي يبقى من بعدك إذا صلحوا، وكل من رآهم دعا قال: رحم الله والديه، هؤلاء الأولاد من الصلحاء يدعون له يرفعون أيديهم يدعون الله  لكن إذا كان الولد غير صالح فهو لا يدعو لنفسه، ولا يدعو لأبيه فهو مشغول بالغي والشهوات، ومطالب النفوس الدنية، فإصلاح الأولاد والعناية بهم، والمحافظة عليهم والدعاء لهم بالصلاح لا تدعُ عليهم، وأيضًا القسوة المفرطة، يعني من الناس من يخسر أولاده بسبب القسوة المفرطة، فهذا التدليل والتربية الفاسدة أن يقال: لا تضغط على الولد، دعه يفعل ما يشاء، البنت تلبس ما تشاء، لا تضغط، هذا غلط، إنما وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132] قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: 6] كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته[10] بالحسنى بالكلام الطيب بالإقناع، وإذا ما نفع فبالإلزام، لا أتركه يترك الصلاة وهو فراشه، وأذهب إلى المسجد، بل يقوم ويخرج إلى المسجد ولا يبقى في البيت، لكن من الناس من يقسو قسوة مفرطة كأن يقول للولد: إذا تأخرت عن الساعة الحادية عشرة الباب مقفل ولن تدخل، ولربما طرده من البيت، فيتلقفه الشياطين ويخسر هذا الولد، ويزيد انحرافًا وسوء وشرًا، فيحتاج إلى احتوائه ومعالجته بالطرق اللائقة.

أما هذه الشدة والقسوة فإنها قد تقطع حبال الود، ولا أحصي كم أولئك الذين يقولون: بأن آباءهم لا يحبونهم، أو أولئك الفتيات اللائي يقلن: بأن أمهاتهن كذلك، وتحاول جاهدًا أن تقنع، وأن هؤلاء إنما يفعلون ذلك معك بدافع الحرص والمحبة، محبة الخير لك، ومع ذلك أنا أقول أيها الأحبة: أكثر هذه المحاولات كانت فاشلة، هو مصر على أن أباه يكرهه، وأن أمها تبغضها، بل أكثر من هذا، فقد يسأل بعضهم بعد الوفاة، يقول: لا زال في قلبي أشياء وأحاول أن أدفعها ولا أستطيع، لاحظوا بعد الموت يذهب كل شيء من العداوات ماذا بقي؟ وهذا لأبيه وهذه تجاه أمها تقول: لا زال بقايا، أحاول أن أطيب قلبي تجاهها ولا أستطيع بعد الموت، فهذه كيف ستدعو لها، أو كيف هذا سيدعو لأبيه.

وعلى كل حال، يؤخذ من هذه الآية أن الإمامة ليست مجرد وراثة أصلاب وأنساب، وليست تؤخذ بالقرابة والدم والجنس ودعاوى الجاهلية، إنما تؤخذ بالإيمان والعمل الصالح.

وهكذا أيضًا في قوله تعالى: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ يدل على أن العدل الذي يقابل الظلم، العدل هو أساس استحقاق هذه الإمامة، ومن اتصف بالظلم فإنه لا يصلح لذلك.

ولاحظ هذه الآية إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا إلى آخره، جاء فيها ثلاث عشرة لفظة ومع ذلك جاء فيها الخبر والاستخبار والأمر والنهي والوعد والوعيد، ستة أنواع من المخاطبات، فهذا من فصاحة القرآن، حوار بثلاث عشرة لفظة تضمن ستة أنواع من ألوان الخطاب.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1.  تفسير الطبري (1/33). 
  2.  انظر: السنن الكبرى للنسائي، كتاب التفسير، قوله تعالى: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء: 87] رقم: (11311). 
  3.  أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، رقم: (3883)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم: (209). 
  4.  أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابا، رقم: (213). 
  5.  أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة، ولا تنفعه قرابة المقربين (203). 
  6.  أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (3/153)، رقم: (4684)، والطبراني في المعجم الكبير، رقم: (2633)، والصنعاني في المصنف، رقم: (10354)، والبيهقي في السنن الكبرى، رقم: (13393). 
  7.  الفوائد لابن القيم (ص: 208). 
  8.  التحرير والتنوير (1/705). 
  9.  أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته رقم: (1631). 
  10.  أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: 6] رقم: (5188)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، رقم: (1829). 

مواد ذات صلة