تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 20 / محرّم / 1441 - 19 / سبتمبر 2019
[104] قوله تعالى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ..} إلى {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}
تاريخ النشر: ٢٦ / محرّم / ١٤٣٧
التحميل: 1185
مرات الإستماع: 2766

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس في تدبر القرآن

سورة البقرة

 [104] قوله تعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ.. إلى وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

بعد أن ردّ الله - تبارك وتعالى - على اليهود دعواهم بأنهم على دين إبراهيم وأن إبراهيم كان على دينهم، فاليهود يقولون: كان يهوديًا، والنصارى يقولون: كان نصرانيًا، فردّ الله ذلك، وبيّن أنه كان حنيفًا مسلمًا.

ثم قال الله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة: 138] فدينه وفطرته التي فطر عباده عليها: الدين الموافق للفطرة، وهو الإسلام، فهو صبغة الله التي أمرهم بأن يلزموها.

قال بعد ذلك في سياق الرد عليهم: قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [البقرة: 139] قل لهؤلاء أتجادلوننا في توحيد الله، والإخلاص له، وهو رب العالمين جميعًا، لا يختص بقوم دون قوم، ولنا أعمالنا، ولكم أعمالكم، ونحن مخلصون لله العبادة والطاعة، ولا نُشرك به شيئًا، ولا نعبد أحدًا سواه.

ويُؤخذ من هذه الآية الكريمة: قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [البقرة: 139] لزوم البراءة من أعمال الكفار على اختلاف مِللهم وأهوائهم وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [البقرة: 139] .

ويُلاحظ هنا تقديم الجار والمجرور وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [البقرة: 139] ومعلوم أن تقديم ما حقه التأخير يُفيد الاختصاص والحصر، أي: لنا أعمالنا لا أعمالكم، فأعمالنا تختص بنا، وأعمالكم تختص بكم، والله - تبارك وتعالى - سيُجازي كل عامل بعمله، ثم أيضًا في قوله: وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ [البقرة: 139] يعني: لم يكتف بقوله: وَلَنَا أَعْمَالُنَا أي: وسيُجازينا عليها، ولا تتحملون من تبعاتها شيئًا، بل قال: وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ من أجل أن لا يتوهم أن يكون المُسلمون مشاركين لهم في أعمالهم، كما أن للمسلمين أعمالهم، فكذلك أيضًا هم لهم أعمالهم لا يُشاركهم المسلمون فيها، ولا يتحملون من تبعاتهم وتبعاتها شيئًا؛ ولهذا قال الله - تبارك وتعالى - : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ۝ لا أَعْبُدُ [الكافرون: 1 - 2] في الحال مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ في الحال مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ في المستقبل مَا عَبَدتُّمْ [الكافرون: 4] وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ  في المستقبل مَا أَعْبُدُ [الكافرون: 5] لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 6] فلست بمقيم على دينكم، ولستم كذلك في الحال والحاضر، ولن يحصل هذا التحول في المستقبل، وهو أن أتحول إلى دينكم وعبادتكم، أو تتحولون إلى ديني وعبادتي لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 6] فهذا نظير ما في هذه الآية الكريم.

ثم ختم هذه الآية بما يفيد الثبوت والدوام وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [البقرة: 139] فالجملة الاسمية تدل على الثبوت والدوام على الإخلاص وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [البقرة: 139] مقيمون على ذلك دومًا؛ لأن الله - تبارك وتعالى - لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصًا، فالإخلاص لازم للعاملين في كل أعمالهم الدقيق والجليل، وكل عمل فقد الإخلاص فهو مردود فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] وَنَحْنُ لَهُ وقُدم هنا الجار والمجرور (له) لإفادة الحصر والاختصاص أيضًا، فذلك يدل على توكيد هذا المعنى، وهو إخلاص العبادة والعمل لله وحده دون ما سواه.

وقد جاء عن سعيد بن جُبير - رحمه الله - أنه قال: الإخلاص أن يُخلص العبد دينه وعمله لله، فلا يُشرك به في دينه، ولا يُرائي بعمله[1] وهناك عبارة للفضيل بن عياض - رحمه الله - مشهورة وهي: أن العمل من أجل الناس شرك، وترك العمل من أجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما[2] فهذا العبارة مشهورة، ويمكن أن توجه باعتبار أن ترك العمل من أجل الناس صار الدافع فيه والمحرك سوى النظر إلى مرضاة الله - تبارك وتعالى - وطلب ما عنده، فصارت الإرادة متوجه إلى الناس، فالتفت القلب إليهم، فعده بهذا الاعتبار من قبيل الشرك، أو الرياء، لكن هذا فيه ما فيه، والصحيح أن العمل من أجل الناس شرك ورياء، وترك العمل من أجل الناس خطأ، لكنه ليس بشرك ولا رياء، ترك العمل من أجل الناس، فالصحيح أن الإنسان يعمل ولا يترك العمل، ويُصحح قصده ونيته، ويريد ما عند الله، ولكن لو أنه ترك العمل خوفًا من الرياء من أجل الناس، أو أنه ترك العمل الصالح خوفًا منهم، فهذا ضعف في اليقين والتوكل والإيمان، لكن هل هو شرك؟ الجواب: لا، لكن توجيهه هو ما ذكرت، هو نظر إلى الإرادة والقصد والتوجه، وما الذي يحركه ويدفعه؟ فرأى أن نظر الناس هو المحرك بهذا الاعتبار، فيترك العمل من أجل الناس، فصار الخوف من الناس مثلاً سببًا لترك ما أمره الله به، فيكون العبد بذلك قد التفت إلى الناس وخافهم دون أن يخاف الله - تبارك وتعالى - .

ثم قال الله ردًا على هؤلاء: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 140] .

أَمْ تَقُولُونَ (أم) هذه بمعنى (بل) أتقولون مجادلين في الله إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ [البقرة: 140] والمقصود بالأسباط هم ذرية يعقوب وما تناسل من ولده من قبائل بني إسرائيل، وفيهم أنبياء، وهم المقصود بهذا، يعني: الأنبياء في هؤلاء الأسباط، فهم الذين أوحي إليهم، وأوتوا الوحي والكتاب.

يقول: كانوا على دين اليهود أو النصارى، تقولون هذا؟! فهذا كذب، وقد بُعثوا وماتوا قبل نزول التوراة والإنجيل، قل لهم: أأنتم أعلم بدينهم أم الله، وقد أخبر في القرآن بأنهم كانوا حنفاء مسلمين، ولا أحد أظلم منكم حين تخفون شهادة ثابتة عندكم من الله، وتدعون خلافها، افتراء على الله، وما الله بغافل عن شيء من أعمالكم، بل هو مُحصٍ لهذه الأعمال، ومُجازيكم عليها.

فيُؤخذ من قوله - تبارك وتعالى - : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [البقرة: 140] فهذا استفهام مضمن معنى النفي، يعني: لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، هذا معناه، وقد أوردتُ على مثله سؤالاً في بعض المناسبات، وهو إذا جاء بأفعل التفضيل هنا لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، وفي موضع آخر قال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة: 114] وفي موضع ثالث قال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: 21] وفي كقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا [الكهف: 57] فأظلم أفعل تفضيل، لا أحد أظلم من هذا، فهل بين هذه الآيات تعارض؟ ففي كل موضع يقول: لا أحد أظلم ممن فعل كذا، ويذكر عملاً غير العمل الآخر؟

والعلماء - رحمهم الله - يُجيبون عن هذا بجوابين: الجواب الأول: أن كل آية تختص ببابها، ففي المانعين لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها، وفي المعرضين لا أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه، ثم أعرض عنها، وفي الكاتمين لا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، وهكذا.

والجواب الآخر: أن أفعل التفضيل تمنع الزيادة، ولا تمنع التساوي، يعني: لا أحد يزيد عليه في الظلم، لكن يمكن أن يوجد من يساويه في الظلم، يعني: كل هؤلاء قد بلغوا في الظلم غايته، وبلغوا الغاية القصوى العظمى في الظلم، هذا هو الجواب الثاني.

ويُؤخذ من هذه الآية أيضًا عِظم ذنب من كتم شهادة عنده من الله، والله - تبارك وتعالى - : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: 18] فمن كتم شهادة عنده من الله فهو في غاية الظلم؛ ولهذا يقول الله - تبارك وتعالى - : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: 283] ويقول الله - تبارك وتعالى - في حق هؤلاء اليهود، كما في سورة النساء أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً [النساء: 51] فهؤلاء اليهود شهدوا أن المشركين أهدى من محمد وأصحابه؛ لما سألهم المشركون: أنتم أهل كتاب أنحن أهدى أم محمد؟ قالوا: بل أنتم أهدى من محمد، فكان ذلك كتمانًا للشهادة التي حُملوها، وقد عرفوا صفته ﷺ إلى أن قال الله بعد ذلك: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: 58] فهذا أمر عام بأداء الأمانات، ومن جملة هذه الأمانات أمانة الشهادة، أن يؤديها الإنسان على الوجه الصحيح، فهؤلاء قد ضيعوها، وكتموها.

ويُؤخذ من قوله - تبارك وتعالى - : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 140] الصيغة صيغة خبر، ولكنه خبر مُبطن بالتهديد والوعيد، فالذي لا يغفل عن أعمال العباد، معنى ذلك أنه سيُجازيهم، ويُحصي ذلك عليهم، ويُحاسبهم، فإنه لا يخفى عليه خافية، فينبغي أن يُراقب، وأن يُخاف، وفي قوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 140] هذا نفي، نفى عنه الغفلة عن أعمال العباد، و(ما) هذه للعموم وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 140] يعني: ما يعمله الإنسان في السر، وما يعمله في الجهر، وما يعمله في الليل، والنهار، كل ذلك سواء عنده لا فرق ما يُخفيه العبد، وما يُظهره، أو يُعلنه عنده سواء، وإذا كان الأمر عنده سواء فإن ذلك ينبغي أن يكون سببًا للاحتراز والاستقامة على أمر الله - تبارك وتعالى - والإعراض عن كل ما يُسخطه.

وقوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 140] نفى الغفلة عنه - تبارك وتعالى - وهذا ما يُسمى بالصفات المنفية، والصفات: ثبوتية مثل: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 228] قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص: 1 - 2] والصفة المنفية لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 3 - 4] لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة: 255] والنفي من حيث هو ليس بكمال ولا مدح، فحينما نقول: بأن هذا الجدار لا يجهل، أو بأن هذا الجدار لا يعتدي على أحد، أو نحو ذلك، فهذا ليس بمدح، لكن المدح هو النفي المُضمن، النفي الذي يقتضي ثبوت كمال ضده، فإذا قال: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ السِنة هي مقدمة النوم وَلَا نَوْمٌ فذلك يقتضي ثبوت كمال حياته، فإذا نفى عنه الظلم وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ [فصلت: 46] هذا يقتضي ثبوت كمال عدله، وإذا قال: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 140] فهذا يدل على كمال إحاطته وعلمه، وما إلى ذلك.

وهكذا في سائر الصفات المنفية، فأوصاف الله المنفية، وأوصاف الرسول ﷺ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير: 24] بالضاد، وفي القراءة الأخرى أيضًا (بظنين) متواترتان، أي: لا يتكلم بالظنون، وليس بظنين أي شحيح بخيل، لا يُبلغ ما أوحى الله إليه من الهدى والعلم، وهكذا في أوصاف الملائكة لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6] وأوصاف القرآن، هذه أربعة، أوصاف القرآن مثل قوله - تبارك وتعالى - : ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] فإذا نفى الله - تبارك وتعالى - شيئًا من هذه الأوصاف في هذه المقامات الأربع، فهذا يقتضي ثبوت كمال ضده.

ويُؤخذ أيضًا من هذه الآية وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: 140] الرد على الجبرية الذين يقولون: إن العباد مجبورون على أعمالهم، فلا تُنسب إليهم إلا على سبيل المجاز، وهذا الكلام غير صحيح، وفي القرآن مئات الأدلة على أن ذلك يصدر عنهم، وأنه باختيارهم ومشيئتهم وإرادتهم، لكن وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: 30] .

ويُؤخذ من قوله: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة: 140] طريق من طُرق المحاجة، فمن ادعى دعوى تخالف القرآن، أو تخالف ما جاء في الوحي الآخر، وهو سنة رسول الله ﷺ فإن هؤلاء يُقال لهم: أأنتم أعلم أم الله؟ فإذا أخبر الله أنه خلق الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء وخلقها، وأنه دحى الأرض أيضًا بعد ذلك أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [النازعات: 31] فإذا جاءنا من يقول بأن الأرض كانت قطعة من الشمس، فحصلت انفجارات قبل كم مليون سنة، وانفصلت الأرض عن الشمس، وأن عُنصر الحديد الموجود في الأرض هو من الشمس، وما أشبه ذلك، نقول لهم: أأنتم أعلم أم الله؟ فهذا الكلام الذي يقولون غير صحيح، وهكذا حينما يقول الله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس: 38] فإذا قالوا: الشمس ثابتة لا تتحرك، وإنما الذي يتحرك هو الأرض فقط، فنقول لهم: أأنتم أعلم أم الله؟ فالله يقول: إنها تجري، وأنتم تقولون: إنها لا تتحرك وثابتة، أأنتم أعلم أم الله؟ وهكذا.

والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  1.  الغنية لطالبي طريق الحق (2/111). 
  2. الأذكار للنووي ت الأرنؤوط (ص: 7) والكبائر للذهبي (ص: 11). 

مواد ذات صلة