تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 21 / محرّم / 1441 - 20 / سبتمبر 2019
(148) قوله تعالى وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ .. الآية 188
تاريخ النشر: ٢٧ / ربيع الأوّل / ١٤٣٧
التحميل: 870
مرات الإستماع: 1599

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

يقول الله -تبارك وتعالى- بعد آيات الصيام: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188].

وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ أي: لا يأكل بعضكم مال أخيه، فإن النفوس المجتمعة على ملة ودين بمنزلة النفس الواحدة، كما قال الله: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء:29]، وكذلك أيضًا قال لبني إسرائيل: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة:54]، وهو أحد الوجهين في قوله -تبارك وتعالى- عن اليهود أو المنافقين، والراجح أنها في اليهود في النجوى: وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ [المجادلة:8] قيل: يقول الواحد في نفسه.

وقيل: يقول فيما بينه وبين أصحابه سرًا.

وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل يعني: لا يأكل أحدكم مال أخيه بِالْبَاطِل بكل سبيل كان من الوجوه المحرمة، وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ فهذا الموضع يحتمل معنيين، ويمكن أن تحمل الآية عليهما جميعًا؛ لأن القرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، فيحتمل أن يكون ذلك يقصد به النهي عن أمرين، أنه نهى عن مزاولتين فهو نهي عن كل واحدة منهما على سبيل الاستقلال:

الأولى: أنه نهي عن أكل أموال الناس بالباطل، كالرشى، والسرقة، والغصب، والاختلاس وسائر أنواع المكاسب المحرمة كالقمار، ونحو ذلك:

والأمر الثاني: هو أن يدفع المال إلى الحاكم القاضي؛ ليتوصل بذلك إلى اقتطاع مال أخيه بغير حق، أن يدفع مالاً قليلاً ليحصل على أكثر منه: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، فيكون ذلك النهي متوجهًا إلى كل واحد من هذين: لا تأكل مال أخيك، ولا تدفع هذا المال من أجل أن تتوصل إلى أخذ مال أخيك بغير حق، هذا هو المعنى الأول.

والمعنى الثاني: أن ذلك نهي عن مجموع الأمرين، أن يأكل مال أخيه بغير حق فيدفع بمقابل ذلك بإزاء ذلك حتى يحصل على هذا المال بغير الحق يدفع في سبيله الرشى إلى القضاة؛ ليضع يده على هذا المال، وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ عن طريق الرشى، تدلوا بهذه الأموال، وما يكون معها، فهذا كما يذكر بعض المفسرين أنه بحسب حال هذا الآكل لمال أخيه بغير حق، فإذا علم، هذه من الصور الداخلة تحته، إذا علم أن هذا الإنسان صاحب الحق ليس عنده بينة، أعطاه وديعة، اشترك معه في مضاربة، قال له: أنت تعمل وأنا أدفع المال، أو أنه أخذ منه هذا المال على سبيل القرض، أو غير ذلك ثم جحد، وذاك ليس عنده بينة، لا يوجد لا شهود ولا توثيق وكتابة ونحو ذلك، فهو يعلم أنه إذا ترافع معه عند القاضي لن يحصل على شيء؛ لأنه ليس عنده بينة، وهذا ليس عنده مانع أن يحلف إذا توجهت إليه اليمين، فهذا وجه وصورة من صور أكل أموال الناس بالباطل.

وَتُدْلُوا بِهَا ترافع يكون المعنى بهذا الاعتبار، أن يترافع مع خصمه إلى القاضي، ويعلم أن خصمه ليس عنده بينة، فيأكل مال أخيه بغير حق، وَتُدْلُوا بِهَا يقول له: تشتكي تفضل ما أعطيتني شيء ولا عندي لك شيء، وما أخذت منك شيئًا، ولا أعرفك، والمحكمة أمامك، فيذهب ذاك فيطالب بالبينة، فيقول: ليس عندي بينة، فإذا وجهت اليمين إلى الطرف الآخر المنكر فإنه يمكن أن يحلف ويأخذ مال أخيه ويضيع الحق بذلك، هذا وجه ذكره بعض أهل العلم في الآية، وهو وجه أيضًا صحيح، -والله تعالى أعلم-، فهو نهي عن كل هذه الصور التي يقتطع بها حق الغير، إما عن طريق رشوة أو عن طريق مرافعة ليس لذاك بينة، وهذا إذا وجهت إليه اليمين حلف ليأخذ مال أخيه بالباطل.

وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188]، سواءً قلنا ذلك باعتبار الرشوة ليتوصل إلى أكل مال أخيه أو باعتبار الترافع من غير رشوة وهو يعلم أن ذاك ليس عنده بينه، ولذلك كثير من الناس يتساهل في المعاملات والعقود والقروض والودائع ونحو ذلك بناءً على الثقة، فيعطيه المال ويقول: اعمل، فيعمل ذاك، وتكون هذه التجارة واسعة وكبيرة وناجحة ينجح هذا المشروع ثم بعد ذلك يأتيه ويقول: ليس لك عندي شيء، لا أعرفك، المال مني، أعطيتك ملايين، كل ما أملك، فيقول هذا: ليس لك شيء، تريد أن تشتكي اذهب، فمن الناس من يكون بهذه المثابة: لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ، والإثم يطلق على المعصية والمخالفة، ويطلق على الأثر المترتب عليها المؤاخذة، تقول: هذا سبب للإثم، يأثم من فعل كذا، هذا الأثر.

وتقول: هذا إثم يعني معصية، وقد يطلق على معنى أخص في المعاصي وهو الخمر كما قال الشاعر:

شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تفعل بالعقول[1]

فتسمى الإثم فهي أم الخبائث.

فبعد آيات الصيام التي يحصل مع الصوم الامتناع من مباحات، وهي: الأكل، والشرب، والجماع، وسائر المفطرات طاعة لله في وقت الصوم، فإذا كان الإنسان ينتهي عن هذه المباحات عبودية لله وطاعة واستجابة لأمره فينبغي أن يتنزه من محرمات على التأبيد، وهي أموال الناس التي لا يحل له أخذها بغير حق.

فالإنسان أحيانًا يتناقض مع نفسه، نحن نشاهد الإنسان الذي ينتظر غروب الشمس لا يرفع التمرة أو لا يشرب شربة ماء، جالس ينتظر في غاية الانضباط، ويجلس ينظر إلى هذا الطعام أو الشراب ونفسه تطلبه وتتوق إليه ومع ذلك يمنعها عبودية لله وطاعة، لكن في الوقت نفسه إذا أفطر لربما يدخن، لربما ينظر إلى برامج سيئة، ينظر إلى صور إباحية، يجلس مجالس زور في ليالي الصوم، ويتكلم بالإثم والعدوان، ويأخذ أموال الناس في نهاره أو ليله، ما هذا التناقض، ما الذي يجعل الإنسان يمتنع عن تمرة لا يرفعها، ولكنه يُقدم على عظائم الأمور، بل لربما كان يترك الصلاة، فهنا هذه التي تركها الصائم هي من الطيبات، لكن في وقت الصوم لا تحل، فينبغي أن يترك ما لا يحل أصلاً على الدوام، وهي أموال الناس، فلا يقدم على شيء من ذلك، ولا يفرط ولا يتساهل فيه، فهذا ممنوع على كل حال.

ثم أيضًا الصوم ليس فقط عن الطعام والشراب: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه[2]، فإذا كان هذا الإنسان يصوم ويأكل الربا ويأكل الرشى، ويأخذ أموال الناس بالباطل فإن صوم هذا ليس على الوجه الصحيح، وإن كان هذا الصوم يجزئه، لكن مثل قول النبي ﷺ: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه، فالعمل بالزور كل معصية لله فهي زور، كل باطل فهو زور، ومن ثَم فهذا الإنسان الذي يأكل أموال الناس ويظلمهم ويستأجر الأجراء ولا يعطيهم حقهم، هذا داخل في هذا الذي لم يدع قول الزور، هذا الذي يأكل أموال الناس بالباطل صومه ليس على التمام والكمال، مع أن ابن حزم -رحمه الله- قال: "بأن الغيبة تفطر الصائم[3]، أن صومه يبطل، وهذا القول شاذ، ليس بصحيح، لكني ذكرته من باب بيان ما ذكره بعض أهل العلم إلى أي حد وصل نظره فيه.

يؤخذ من هذه الآية أيضًا: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ما أشرت إليه في بيان معنى الآية أن النفوس المجتمعة على ملة ودين بمنزلة النفس الواحدة، فمال أخيك هو مالك، فإذا أراد الإنسان أن يعتدي على أموال الآخرين، أو أن يماطل في رد الحقوق إلى أصحابها أو أن يوفي هؤلاء الذين أدوا عملاً، هذا عامل، هذا إنسان حقق له عملاً أو مشروعًا أو غير ذلك، نفذه على الوجه المطلوب لماذا تتأخر في إعطائه، وتجعل هذا الإنسان يتصل عليك كل يوم؟ ثم بعد ذلك لا يرد عليه، ولربما يحتاج أن يتصل بأرقام أخرى، وقبل ذلك حينما كانت الحاجة لك تريد العمل تلقاه بالبشر والطلاقة، هذا لا يجوز وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] هذا من التطفيف، إذا كان الحق للإنسان أقبل، وإذا كان الحق عليه أحجم، إذا كان الحق له أراد أن يكون على أكمل الوجوه، وإذا جاء الوفاء بدأ يحاول ويضغط ويريد أن يكسر هذا السعر، حتى لربما رضي ذلك بالخسارة في سبيل أنه ينتهي مع هذا الإنسان المماطل الذي لا يخرج المال من يده إلا بشق الأنفس، من الناس من يكون في غاية العسر والصعوبة في تعامله، المفروض أن الإنسان يضع نفسه مكان أخيه، أنت مكانه، عملت هذا العمل جاء هذا العامل من الصباح إلى المساء يعمل ويتعب ثم بعدما أنهى العمل يقول لك بهذه القيمة ثم تقول له: لا، وتعطيه نصف السعر، أو أقل من ذلك، هلا كان ذلك قبل أن يبدأ، اتفقت معه، فإن لم يحصل اتفاق فمقتضى الشرع أن يُعطى أجرة المثل، وأما فعل الكرام فإنه يعطيه ما طلب دون مطل ولا تلكؤ، يقول: أنا الذي أخطأت حينما لم أتفق معه منذ البداية على مبلغ معين محدد، فما قاله سأعطيه، وانتهى، فيضع الإنسان دائمًا نفسه موضع أخيه في الخصومة وفي المطالبة، لو الناس فعلوا هذا ما احتيج إلى المحاكم، ولما أشغل القضاة بآلاف القضايا والمطل، وبعض ذلك في غاية الوضوح، ولربما يحصل الترافع على أموال تافهة، خمسمائة ريال، يشغل القاضي والمحكمة، خمسمائة ريال يحصل الترافع عليها، خصومة بين مقاول وبين مستفيد على خمسمائة ريال، فهذا لا يليق بحال من الأحوال، وكما تدين تدان، الذي يأخذ أموال الناس الآن سيدفع الثمن لكن من حسناته، لن يضيع شيء، إذا نقصته ريالاً واحدًا ستدفعه من الحسنات، فاختر لنفسك.

وقد ذكر بعض السلف: أن الذي يأخذ المال كأن يكون ذلك على سبيل القرض فإذا جاء وقت الوفاء ولم يفعل وهو يستطيع يقول: فكل درهم يعني يكسبه ويربحه من هذا الاتجار بهذا المال هو سحت، اقترض منه مائة ألف ريال يتجر بها على أن يردها رأس الحول، جاء رأس الحول يأتي ويعتذر إليه، ويقول: ما عندي شيء مثلاً، أمهلني إلى نهاية الشهر، إلى نهاية السنة، لكن أن يذهب هكذا، فبعض السلف قال: كل درهم يحصله بعد ذلك، يعني بعد هذه المدة المحددة فهو خارج عن المدة التي اتفق معه عليها، فيكون ذلك من قبيل السحت، تأخذ أموال الناس وتتجر فيها وتعبث بها، وتتصرف وتكسب وهم جالسين، هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60]، -والله المستعان-.

ثم هنا: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ذكر الأكل؛ لأنه أغلب وجوه الانتفاع، وغالب مزاولات الناس من أجل هذا الأكل، وإلا فلو أنه أخذ أموال الناس بأي طريق كان وصرفها في أي سبيل وجد فإن ذلك داخل فيه، يعني لو أنه ما أكلها أخذها ووهبها، أو أنه أخذها وتصدق بها بزعمه، أو أنه أخذها وذهب بها في سفر تذاكر، أو اشترى بها سيارة أو بنى بها دارًا أو نحو ذلك، هذا كله داخل في الأكل، فعبر عن الأكل؛ لأنه غالب وجوه الانتفاع، فيسمى كل أخذ بهذا الاعتبار يقال له: أكل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [النساء:10] لو أنهم أحرقوها سواء، ما أكلها ولكنه وهبها أو فعل بها شيئًا آخر من التصرفات المحرمة فذلك داخل فيه: يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى، ولهذا لا زال الناس يعبرون بمثل ذلك، يقولون: فلان يأكل أموال الناس بالإثم بالباطل بالحرام.

ويؤخذ من هذه الآية احتياط الشارع للأموال وهي إحدى الضرورات الخمس، هي الخامس من هذه الضروريات، فاحتاط لها الشارع كما ذكرنا في مناسبة سابقة قريبًا أنه احتاط لها من جهة الوجود ومن جهة العدم، فهذا النهي عن أكلها بالباطل هو احتياط لها من جهة العدم، بمعنى أنه يدفع عنها كل ما يخل بها أو يؤثر عليها أو يفسدها أو ينقصها أو نحو ذلك، باعتبار أنه لا قوام لحياة الناس إلا بالمال، فهو عصب الحياة، فنهى عن كل إتلاف أو إفساد أو عدوان، ولهذا قلنا: كل الحدود الشرعية هي متعلقة بحفظ الضروريات الخمس من جهة العدم، فهنا فيما يتعلق بالأموال، الذي يعتدي عليها بالسرقة تقطع يده، حد السرقة حفظًا لها من جانب العدم، يعني كل ما يؤدي إلى عدمها أو إفسادها وإتلافها.

أما من جهة الوجود فإن الشارع حفظها بتشريع أنواع التعاملات، وإباحة التجارات والمكاسب، فالأصل في المعاملات الحل المكاسب المباحة، إلا ما حرمه الشارع بخصوصه أو ما دلت عليه القواعد الشرعية كالغرر والجهالة ونحو ذلك، هنا كما قال الله -تبارك وتعالى-: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5].

وكذلك أيضًا يؤخذ من قوله: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ بعد قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ قلنا: هذا يدخل في جميع أنواع أكل المال بالباطل، وخص من هذه الصورة على القول بأن النهي عن كل واحد على سبيل الاستقلال، الصورة التي يقتطع بها حق أخيه ومال أخيه عن طريق دفع الرشوة، فهذه لأنها أشد الصور وأقبح هذه الصور؛ لأنه جمع في ذلك جرائم متعددة، أخذ مال أخيه، ورشوة للقاضي، -والله أعلم-.

وصلى الله على نبينا محمد وآل وصحبه.

 

  1. تهذيب اللغة (15/117)، ولسان العرب (12/6).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور، والعمل به في الصوم، برقم (1903).
  3. انظر: المحلى بالآثار (4/306).

مواد ذات صلة