تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 09 / ربيع الآخر / 1440 - 17 / ديسمبر 2018
[16] من قوله تعالى"إن الذين آمنوا" الآية 107 إلى قوله تعالى"ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" الآية 110
تاريخ النشر: ٢٦ / ربيع الأوّل / ١٤٢٩
التحميل: 3110
مرات الإستماع: 8285

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الكهف (16)

من قوله تعالى"إن الذين آمنوا" الآية 107 إلى قوله تعالى"ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" الآية 110

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [سورة الكهف(107- 108)] يخبر تعالى عن عباده السعداء وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به أن لهم جنات الفردوس.

فقال أبو أمامة -رضي الله تعالى عنه-: الفردوس: سرة الجنة.

وقال قتادة: الفردوس: ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها.

وقد روي هذا مرفوعاً عن سَمُرَة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((الفردوس ربوة الجنة، أوسطها وأحسنها))([1]).

وروي عن قتادة عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً بنحوه.

روى ذلك كله ابن جرير -رحمه الله.

وفي الصحيح: ((إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تُفَجَّرُ أنهار الجنة))([2]).

وقوله تعالى: {نُزُلًا} [سورة الكهف(107)] أي: ضيافة، فإن النزل هو الضيافة.

وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} [سورة الكهف(108)] أي: مقيمين ساكنين فيها، لا يظعنون عنها أبداً.

{لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [سورة الكهف(108)] أي: لا يختارون عنها غيرها، ولا يحبون سواها، وفي قوله: {لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [سورة الكهف(108)] تنبيه على رغبتهم فيها، وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائماً أنه قد يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولاً ولا انتقالاً ولا ظعناً ولا رحلة ولا بدلاً.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [سورة الكهف(107)] الفردوس بعض أهل العلم يقول: معناه في كلام العرب: الشجر الكثير الملتف، وغالبه من العنب، وبعضهم يقول: إن هذه الكلمة في أصلها غير عربية، وإنها كلمة رومية، بمعنى البستان.

وعلى كل حال معروف كلام أهل العلم فيما يسمى بالمعرّب، هل يوجد شيء من كلام الله -عز وجل- فيما يتعلق بالأسماء المنكّرة غير الأعلام بغير العربية أو لا ؟ مع أن أهل العلم يتفقون ويجمعون على أنه لا يوجد في القرآن شيء من التراكيب بالأعجمية، وأما الأسماء -أسماء الأعلام- فإنها تقال كما هي، بعض أهل العلم يقول: هي مشتركة بين اللغات، وبعضهم يقول: منها ما هو عربي، ومنها ما هو أعجمي، وأسماء الأنبياء   -عليهم الصلاة والسلام- التي في القرآن غير عربية، سوى أربعة: محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشعيب وصالح وهود، وتبقى الكلمات المنكّرة مثل كلمة فردوس ومشكاة وإستبرق وما إلى ذلك، وهكذا قال صاحب المراقي:

ما كان منه مثل إسماعيل *** ويونس قد جاء في التنزيل

إن كان منه واختلاف الأكثر *** والشافعي النفي للمنكّر

المنكّر يعني: مثل: فردوس ومشكاة وإستبرق وسندس.

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "والفردوس اسم يقال على جميع الجنة، ويقال على أفضلها وأعلاها، كأنه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنات، وأصل الفردوس البستان، والفراديس البساتين، قال كعب: هو البستان الذي فيه الأعناب، وقال الليث: الفردوس جنة ذات كروم، يقال: كرم مفردس أي معرش.

وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة بالأشجار، وهو اختيار المبرد، وقال: الفردوس -فيما سمعت من كلام العرب- الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وجمعه الفراديس؛ قال: ولهذا سمي باب الفراديس بالشام، وأنشد لجرير:

فقلت للركب إذ جد المسير بنا *** يا بُعد نيرين من باب الفراديس

وقال مجاهد: هذا البستان بالرومية، واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية، قال: وحقيقته أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين، قال حسان:

وإن ثواب الله كل مخلد         *** جنان من الفردوس فيها يخلد"([3]).

قوله: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [سورة الكهف(109)].

يقول تعالى: قل يا محمد: لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمه وآياته الدالة عليه، {لَنَفِدَ الْبَحْرُ} [الكهف(109)] قبل أن يفرغ كتابة ذلك {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ} [الكهف(109)] أي: بمثل البحر آخر ثم آخر وهلم جراً، بحور تمده، ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27].

قال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف(109)].

يقول: لو كانت تلك البحور مداداً لكلمات الله والشجر كله أقلام لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها.

قوله -تبارك وتعالى-: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف(109)] يقول ابن كثير -رحمه الله-: مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات الله، والمداد معروف، أصل هذه المادة: "المدد" تدل على مجيء الشيء على الزيادة شيئاً فشيئاً، مجيء الشيء متتابعاً، يقال: هذا مدد في الجيش، ومدد من الطعام، ومداد القلم؛ لأنه يمد الكاتب بما يحصل به الكتابة.

وكلام الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول: قل يا محمد: لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمه وآياته الدالة عليه. وعبارات كثير من المفسرين قريبة من هذا، يعني: الذي يكتب به الثناء على الله -عز وجل-، ودلائل القدرة، وما أشبه ذلك.

والإضافة هنا في قوله: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} [سورة الكهف(109)] فهي كلماته -تبارك وتعالى-، وظاهر هذا أنها الكلمات الصادرة منه، وكلماته -تبارك وتعالى- نوعان، الكلمات الدينية وهي آياته المتلوة، والثاني: هي كلماته الكونية التي يحصل بها تكوين الأشياء وإيجادها، فهذه كلماته -تبارك وتعالى-، فتفسير ذلك بأنه ما يثنى به على الله أو نحو ذلك قد يكون خلاف ظاهر القرآن، فإن ذلك لا يقال عنه إنه كلمات الله، وإنما كلماته ما صدر عنه -تبارك وتعالى.

قوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف(110)].

يقول تعالى لرسوله محمد -صلوات الله وسلامه عليه-: {قُلْ} لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} [سورة الكهف(110)] فمن زعم أني كاذب فليأتِ بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر لولا ما أطلعني الله عليه، وإنما أخبركم: {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ} [سورة الكهف(110)] الذي أدعوكم إلى عبادته، {إِلَهٌ وَاحِدٌ} [سورة الكهف(110)] لا شريك له، {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ} [سورة الكهف(110)] أي: ثوابه وجزاءه الصالح، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [سورة الكهف(110)] أي: ما كان موافقًا لشرع الله، {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف(110)] وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لابد أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

روى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد -رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)) قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟))([4]).

روى الإمام أحمد عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري -وكان من الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عملٍ عمِلَه لله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك))([5]) وأخرجه الترمذي وابن ماجه.

قوله -تبارك وتعالى-: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف(110)] هذه الآية -كما مضى في بعض المناسبات- تضمنت شروط قبول العمل الثلاثة وهي: التوحيد، والله لا يقبل من غير أهل التوحيد، لا يقبل من المشركين، والإخلاص لله -عز وجل-، فإن الرياء خلاف الإخلاص، وهو من الشرك، وفرق بين هذا وهذا، فرق بين الشرط الأول الذي هو التوحيد، وفرق بين الشرط الثاني الذي هو الإخلاص، فالإخلاص من التوحيد إلا أن المقصود بالأول أن يكون الإنسان موحداً، أي: ليس بمشرك، فإذا عمل اليهودي أو النصراني أو الوثني عملاً أراد به وجه الله وحده لا شريك له فإنه لا يقبل منه؛ لأنه ليس على اعتقاد صحيح، وأما الإخلاص فقد يعمل المسلم العمل ولكن يداخله الرياء فلا يقبل، فلابد من الإخلاص.

والشرط الثالث: هو المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك أن الله قال: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف(110) ] وهو الصواب الذي تابع فيه النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهذا كما في أول السورة: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} [الكهف(2)] فذكر الإيمان وذكر العمل الصالح.


 

[1] - هو بهذا اللفظ في صفة الجنة لأبي نعيم الأصبهاني (1/ 38-11) ورواه ابن جرير في تفسيره (16/30) وقال الألباني: "قلت: وهذا إسناد ضعيف، لعنعنة الحسن وهو البصري، وضعف سعيد بن بشير، لكن الحديث صحيح، فإن له شواهد" انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (5/9).

[2] - أخرجه البخاري بنحوه، في كتاب الجهاد والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل الله، يقال: هذه سبيلي وهذا سبيلي (4/ 16- 2790) وفي كتاب التوحيد، باب {وكان عرشه على الماء} [هود: 7] {وهو رب العرش العظيم} [التوبة: 129] (9/ 125-7423).

[3] - حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: 100).

[4] - أخرجه أحمد (39/ 39- 23630) وصححه الألباني في الصحيحة (951) وفي صحيح الترغيب (29) وصحيح الجامع الصغير (1/323).

[5] - أخرجه الترمذي في أبواب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الكهف (5/314-3154) وابن ماجه في كتاب الزهد، باب الرياء والسمعة (2/1406- 4203). وأحمد (25/161- 15838).

مواد ذات صلة