تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 12 / جمادى الأولى / 1440 - 18 / يناير 2019
وقفات مع قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين)
تاريخ النشر: ٢٧ / ربيع الأوّل / ١٤٢٥
التحميل: 23641
مرات الإستماع: 11663

ما تعرض له الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من ابتلاء

في سلسلة الهزائم، والنكبات، والأوصاب التي تصيب هذه الأمة، وتحل بها حيناً بعد حين، وتتابع النكبات يصيب كثيراً من النفوس الإحباط، ولربما أظلم الأفق في وجه بعض المسلمين، وظن أنه لا مخرج من هذه البلايا، والرزايا، وأنه لا سبيل لنهوض الأمة، وعودتها إلى عزها من جديد، ولربما حمل ذلك بعض النفوس التي لم تتربَّ تربيةً صحيحةً إلى فعل ما لا يليق، ولا يجمل، ولا يحسن، حينما ينفرط صبرهم مع قلة علمهم، وقصر نظرهم، ولربما حمل ذلك بعض المسلمين إلى الدعوة إلى الارتماء في أحضان عدوهم، والاستسلام، والخضوع الكامل لهؤلاء الأعداء الذين ظنوا أنهم ملكوا زمام الأقدار، ولكن نقول كما قال الله - تبارك، وتعالى - : وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83].
إن الأمور لا تقاس بيومٍ، ولا شهرٍ، ولا سنةٍ، ولا بعشر سنوات، بل ينبغي لمن أراد أن يعرف حقائق الأمور، ويحكم على الأشياء بأحكام صحيحة أن يستعرض التاريخ، وأن ينظر نظراً بعيداً طويلاً ممتداً، فيعرف هذه الحقيقة - أن العاقبة للمتقين -.
إن أول ما وقع الشرك كان في قوم نوح - عليه الصلاة، والسلام - كذبوه، وبقي فيهم مدةً طويلة، بقي ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً، وهم في غاية المكابرة، وتوعدوه، وهددوه: لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: 116] فماذا كان بعد ذلك؟
دعا ربه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ [ الصافات: 75] فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ [القمر: 10] فماذا كان، وما هي النتيجة؟
النتيجة هي: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ۝وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ۝وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ۝تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ [القمر:11 - 14].
هكذا أهلكهم الله - تبارك، وتعالى - ودمرهم، ونجَّى نوحاً ﷺ ومن معه من المؤمنين، وزال الكفر من على وجه البسيطة، ولم يبق له أثر. 
ثم بعد ذلك عاد الكفر من جديد، ثانيةً، فجاء هود ﷺ ووقف أمام قومه يدعوهم إلى الله ويتحداهم، وهو واحد، ويقول: إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ۝مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُون۝إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود: 54 - 56] فكذبوه، وكابروا غاية المكابرة، فدعا ربه: قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [المؤمنون: 26].
وقد قص الله علينا خبرهم فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: 15] إلى أن قال الله فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ [فصلت: 16] فأهلكهم الله عن بكرة أبيهم، ونجّى هوداً، ومن معه من المؤمنين.
ثم بعد ذلك عاد الكفر ثالثةً، فأرسل الله صالح - عليه الصلاة، والسلام - أرسل نبيه صالحاً، فجاءهم بآيةٍ بينةٍ، واضحةٍ لا لبس فيها، وهي الناقة، فكابروا، وكفروا، وعتوا عن أمر ربهم، وعقروا الناقة وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا [الأعراف: 77] وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ۝ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [النمل: 48 - 49] فأنجاه الله من ذلك، وأخذته الرجفة، فهلكوا عن بكرة أبيهم، وأنجى الله نبيه، ومن معه من المؤمنين.
ثم جاء إبراهيم - عليه الصلاة، والسلام - فجابهه الكفار، وكابروا غاية المكابرة، ووضعوه في المنجنيق، ثم بعد ذلك قذفوه في النار، فجعلها الله عليه برداً، وسلاماً.

ثم بعد ذلك جاء لوط ﷺ ونهى قومه، وأمرهم، ودعاهم إلى الله - تبارك، وتعالى - وقال لهم: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ [الأعراف: 80] فكذبوه، ورموه بما يتنزّه عنه، واستهزؤوا به غاية الاستهزاء وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف: 82] ولما جاءه الملائكة الذين جاؤوا بالعذاب وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [هود: 78] فقال لهم كلامه المحزن: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: 80] فطمأنوه، وقالوا له: يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ [هود: 81] إلى آخر ما قالوا له، فأهلكهم الله - تبارك، وتعالى - بأن قلب قراهم، وديارهم عليهم، يقول الله - سبحانه، وتعالى - واصفاً حالهم هذا: فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ۝مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود: 82 - 83].
ثم بعد ذلك جاء شعيب ﷺ فاستهزأ به قومه، وقالوا له: يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ۝قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [هود: 92 - 93] فلما لم يستجيبوا له نزل بهم عذاب الله فأخذتهم الصيحة، وأهلكهم الله فلم يبق لهم أثراً.
ثم بعد ذلك تتابع الأنبياء - عليهم الصلاة، والسلام - وقتل منهم من قتل، كما قال الله وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: 146] يعني جماعات كثير من أتباعه فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ۝وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 146 - 147] فكانوا في غاية الثبات مع قتل مقدمهم، وكبيرهم، وإمامهم، وقدوتهم، وهو نبيهم - عليه الصلاة، والسلام - على هذه القراءة المتواترة: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: 146].
وعلى القراءة الأخرى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وفي القراءة الأولى على الوصل: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أي أن القتل وقع على جماعات من أتباعه كثير، فما فت ذلك في أعضادهم، وما وهنوا، وما ظهر الضعف عليهم، وما استكانوا لعدوهم، وما خضعت قلوبهم، وإنما بقوا ثابتين صابرين، متمسكين بالحق الذي عرفوه. 

 

ما تعرض له النبي - عليه الصلاة والسلام - من ابتلاء قبل التمكين

ثم بعث الله نبيه محمداً ﷺ فكانت حياته حافلةً بالآلام، حافلةً بالمصائب، حافلةً بالأوجاع، وكان ﷺ في غاية الثبات.
كان ﷺ أشرف الخلق، وأحب الخلق إلى الله   ومع ذلك تتابع عليه هذه الآلام، والمصائب، والأوجاع، ثم بعد ذلك يتساءل بعض المسلمين في أيامنا هذه: كيف تنزل على هذه الأمة هذه البلايا؟ وكيف يسلط عليها عدوها، وهم على الحق؟
النبي ﷺ لما بعثه الله - تبارك، وتعالى - كذبه المشركون، ورموه بالسحر، ورموه بالجنون، ورموه بالعظائم، ثم تعاقدوا على حبسه، ومن معه في الشِّعب - شعب أبي طالب - فحبسوا ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، وبقوا محبوسين، ومحصورين مضيقاً عليهم جداً مقطوعاً عنهم الميرة، والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغهم الجهد، وسمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب.
وبعد ثلاث سنين خرج هؤلاء جميعاً من الشعب؛ لكنهم لم يفض بهم هذا الخروج إلى راحةٍ، وهناءةٍ، بل مات أبو طالب بعد خروجهم من الشعب بستة أشهر، وكان يحوط النبي ﷺ ويكلؤه، ويحميه، وما كان المشركون يستطيعون إيصال الأذى إلى رسول الله ﷺ مع وجود أبي طالب.
فلما مات أبو طالب قام هؤلاء المشركون، وتطاولوا على رسول الله ﷺ وازدادت ضراوة عداوتهم.
ثم بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام ماتت زوجته التي كانت ترعاه، وكانت تكلؤه، وكانت تواسيه، خديجة - رضي الله عنها، وأرضاها - .
تتابعت المصائب على رسول الله - عليه الصلاة، والسلام - فاشتد البلاء عليه، فخرج - عليه الصلاة، والسلام - إلى الطائف، فآذاه أهل الطائف، ونالوا منه، وأقام بينهم عشر أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه، وكلمه، فقالوا له: اخرج من بلدنا، ثم أغروا به سفاءهم، ووقفوا له سماطين[1] وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان - عليه الصلاة، والسلام - ومعه مولاه زيد بن حارثة يقيه بنفسه، وبدنه، حتى أصابه شجاج في رأسه، فرجع النبي ﷺ محزوناً، وأقام بنخلة بين مكة، والطائف أياماً، فقال له زيد : كيف تدخل على أهل مكة، وقد أخرجوك؟! فقال: يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجاً، ومخرجاً، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه[2].
ثم انتهى النبي ﷺ إلى مكة، ولم يستطع ﷺ دخولها، حتى بعث رجلاً من خزاعة إلى رجل من المشركين، وهو المطعم بن عدي، وقال له: أدخل في جوارك؟[3] فقال: نعم.
فدخل النبي ﷺ مكة في جوار هذا الرجل.
ثم بعد ذلك كان ما كان من اجتماعهم بدار الندوة على قتل رسول الله ﷺ أو محاصرته، أو غير ذلك مما أرادوا به، فنهض النبي ﷺ حتى هاجر مستخفياً - عليه الصلاة، والسلام - وقد جعلوا الرصد على الطرق المعروفة المؤدية إلى المدينة، فلما وصل النبي ﷺ إلى مدينته الطيبة بسلام لم يفض به هذا الوصول إلى راحة؛ ذلك أن المسلمين كانت لهم مواجهات عديدة مع أولئك الكفرة من قريش، ومن أعظم تلك المواجهات غزوة بدر الكبرى.

  1. سماطين: أي، وقفوا جانبين 
  2. زاد المعاد (ج 3 / ص 28) فَصْل [الْخُرُوجُ إلَى الطّائِفِ] ومختصر سيرة الرسول ﷺ (ج 1 / ص 164) للإمام محمد بن عبد الوهاب الطبعة: الأولى، الناشر:، وزارة الشئون الإسلامية، والأوقاف، والدعوة، والإرشاد المملكة العربية السعودية، تاريخ النشر: 1418هـ. 
  3. المصدرين السابقين.
عزوة السويق.

انتصر المسلمون انتصاراً ساحقاً في غزوة بدر، لكن ما لبثوا أن جاءهم التهديد بعدها بسبعة أيام، فنهض النبي ﷺ إلى غزو بني سليم، حتى بلغ ماءً يقال له: الكُدْر، فأقام عليه ثلاثاً بعد أن بلغهم تهديدهم مدينة رسول الله ﷺ.
ولم ينته التهديد بعد ذلك، فبعد بدرٍ بشهرين حينما رجع فَلُ المشركين موتورين إلى مكة محزونين، نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماءٌ حتى يغزو رسول الله ﷺ ليثأر منه، فخرج في مائتي راكب، حتى أتوا العريض في ناحيةٍ من المدينة، وبات ليلةً واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي، فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أصواراً من النخل، ثم قتل رجلاً من الأنصار، وحليفاً له، ثم كر راجعاً إلى مكة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فتبعه، وطلبه حتى بلغ النبي - عليه الصلاة، والسلام - غرغرة الكدر، وفاته أبو سفيان، وطرح أبو سفيان، ومن معه سويقاً كثيراً كان معهم؛ ليتخففوا ليكون ذلك أدعى إلى الانفلات، والفرار من رسول الله ﷺ لئلا يدركه المسلمون، فما أدركوه، فسميت تلك الغزوة بـ "غزوة السويق". 

غزوة غطفان.

ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، وبقي فيها شهر ذي الحجة، ثم جاءه التهديد من جديد من جهة نجد، فغزا النبي ﷺ نجداً يريد غطفان، فأقام هناك صفراً كله من السنة الثالثة، ثم انصرف، ولم يلقَ حرباً، ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها ربيعاً الأول، ثم خرج يريد قريشاً، فبلغ بحران من ناحية الفرع حيث بلغه التهديد من هناك، ولم يلق حرباً، فأقام هناك ربيعاً الآخر، وجمادى الأولى.

غزوة بني قينقاع.

ثم بعد ذلك نكث يهود قينقاع عهدهم مع رسول الله ﷺ حيث جاءت امرأة إلى السوق من المسلمين فراودها يهودي لتكشف، وجهها فأبت، فاحتال عليها فعقد ذيلها عقدةً بأعلى ثوبها فلما قامت بدت عورتها فصاحت يا للمسلمين، فقام إليه رجل من المسلمين، فأطار برأسه، فتعادى اليهود على هذا المسلم، فقتلوه، فجهز لهم النبي ﷺ جيشاً، فحاصرهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكمه، وكانوا سبعمائة مقاتل حتى شفع فيهم رئيس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول. 

غزوة بني النضير.

ثم بعد ذلك نقض يهود بني النظير العهد مع رسول الله ﷺ وكان ذلك بعد بدرٍ بستة أشهر - على ما ذكره الإمام البخاري - رحمه الله - وسبب ذلك أنهم تآمروا على النبي ﷺ حينما جاء، ومعه نفر من أصحابه ليعينوه على دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية الضمري  فأسندوا إلى رجلٍ منهم ليلقى رحىً من فوق حجرةٍ على رأس رسول الله ﷺ وقد كان استظل بظلها، فأخبره الوحي، فانطلق سريعاً إلى المدينة، وجهز لهم الجيش.
وفي بعض الروايات: أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يخرج في مائةٍ من أصحابه، وأن يخرج أحبارهم في مائةٍ من أجل أن يتحاوروا في منتصف الطريق، ثم بعد ذلك تذاكروا بينهم، وقالوا: إن خرج في مائةٍ من أصحابه فإنهم يمنعونه، فقالوا: اخرج في عشرة، ونخرج في عشرة، فلما همّ النبي ﷺ بالخروج، وقد أرادوا الغدر به، وقتله أخبره الوحي بذلك، وكان ذلك نكثاً منهم للعهد فجهز لهم النبي ﷺ الجيش. 

غزوة أحد.

ثم بعد ذلك جاءت وقعة أحد في يوم السبت في السابع من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، وحصل فيها ما حصل، قتل سبعون من المسلمين، وممن قُتل حمزة، ومصعب بن عمير - رضي الله عنهم، وأرضاهم - ومثّل بهم، وبقر بطن حمزة   وجدع أنفه، وقطعت أذناه، وفعل بالمسلمين ما فعل من الجراح.
ولقد شجّ وجه النبي ﷺ وسال الدم على وجهه الشريف، وكسرت رباعيته، وسقط في الحفرة التي حفرها له أبو عامر الراهب، وحصل بلاء عظيم لرسول الله ﷺ ومن معه، ثم بعد تلك الغزوة خرج النبي ﷺ إلى حمراء الأسد في اليوم الآخر لما بلغه أن المشركين يفكرون في الرجوع ثانيةً إلى المدينة، وخرج معه من خرج في أحد بآلامهم، وجراحهم، ودمائهم، وبعد ذلك أنجاهم الله من كيد المشركين. 

تهديدات تواجه المسلمين.

ثم بعد ذلك أقام النبي ﷺ في المدينة شوال، وذا القعدة، وذا الحجة، ومحرماً، فلما استهل هلال المحرم بدأ التهديد من جديد، فبلغ النبي ﷺ أن طلحة، وسلمة ابنا خويلد قد سارا في قومهما، ومن أطاعهما من العرب يدعوان بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله ﷺ.
فبعث النبي ﷺ أبا سلمة، وعقد له لواءً، وبعث معه مائة، وخمسين من الأنصار، والمهاجرين، فخاف المشركون، ولم يلق المسلمون كيداً.
لم ينته التهديد للمسلمين من قبل أعدائهم، فما أن كان الخامس من شهر محرم بلغ النبي ﷺ أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي قد جمع له جموعاً، فبعث إليهم النبي ﷺ عبد الله بن أنيس، فقتله.

غدر عضل، والقارة.

ولم ينته التهديد بعد ذلك، فلما كان شهر صفر قدم على النبي ﷺ وجراح المسلمين لم تندمل بعد من وقعة أحد، قدم عليه قوم من عضل، والقارة، وذكروا أن فيهم إسلاماً، وسألوا النبي ﷺ أن يبعث معهم من يعلمهم الدين، ويقرؤهم القرآن فبعث النبي ﷺ معهم عشرة من خيار أصحابه، وأمَّر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي  وفيهم خبيب بن عدي - رضي الله عن الجميع - فذهبوا معهم فلما كانوا بالرجيع - وهي لهذيل بناحية الحجاز - غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلاً، فجاءوا حتى أحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، فقتلوا عامتهم، واستأسروا خبيباً   وزيد بن الدثنة، فذهبوا بهم، وباعوهم بمكة، وكانا - رضي الله تعالى عنهما - قد قتلا من رؤوس المشركين في بدر.

إجماع المشركين على صلب خبيب.

أما خبيب فمكث عند المشركين بمكة محبوساً، ثم أجمعوا على قتله، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم، فلما أجمعوا على صلبه قال: "دعوني أصلي ركعتين" فتركوه فصلاهما فلما سلم قال: "والله لولا أن تقولوا: أن ما بي جزع لزدت" ثم قال: "اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً" ثم قال واصفاً حاله، وحالهم - رضي الله عنه، وأرضاه -:

لقد أجمع الأحزاب حولي وألّبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمعِ
وكلهم مبدي العداوة جاهداً علـيّ لأني فـي وثـاقٍ بمضيـعِ
وقد قربوا أبناءهم ونساءهم وقربـت من جـذعٍ طويـل ممنّعِ
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضّعوا لحمي وقد ياس مطمعي

وقد خيّروني الكفر والموت دونه

وقـد ذرفـت عيناي من غير مجزعِ
وما بي حذار الموت إني لميت وإنـي إلـى ربي إيـابي ومرجـعي
ولست أبالي حين أقتل مسلماً علـى أي شقٍ كان في الله مضجعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبـارك علـى أوصـال شلوٍ ممـزّعِ
فلست بمبدٍ للعـدو تخشعـاً ولا جـزعاً إنـي إلـى الله مرجـعي.

فكان يتجلد أمام هؤلاء، وفي هذه الأثناء قال له أبو سفيان: أيسرك أن محمداً عندنا تضرب عنقه، وأنك في أهلك آمن؟ فقال: "لا، والله ما يسرني أني في أهلي، وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه".

ثم صلبوه وقتلوه، ثم أخذوا زيداً   وابتاعه صفوان بن أمية، فضرب عنقه بأبيه لما قتل في يوم بدر. 

وقعة بئر معونة.

ثم لما كان شهر صفر من السنة الرابعة كانت وقعة بئر معونة، وملخصها أن رجلاً يقال له: البراء بن عامر بن مالك الملقب بملاعب الأسنة، قدم على النبي ﷺ المدينة، فدعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فلم يسلم، ولم يبعد، لم يكابر، ولم يرفض الإسلام رفضاً قاطعاً، لكنه لم يسلم، وقال للنبي ﷺ: "لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم" فقال النبي ﷺ : إني أخاف عليهم أهل نجد[1] فقال أبو البراء: "إني جار لهم" فبعث معه النبي ﷺ جماعة من الصحابة - كما في صحيح البخاري - وأمّر عليهم المنذر بن عمرو - رضي الله تعالى عنه، وأرضاه - الملقب بالمُعْنِق ليموت، وكانوا من خيار المسلمين، ومن فضلائهم، وقرائهم، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي أرض لبني عامر عند حرّة بني سُليم، فنزلوا هناك، ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بنت ملحان - رضي الله عنها - بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلم يقرأ الكتاب، ولم ينظر فيه، وأمر رجلاً أشار إليه، فطعن حرام بن ملحان بالحربة من خلفه حتى أنفذها بين ثدييه، فلما رأى الدم - أعني حرام بن ملحان قال: "فزت، ورب الكعبة".

  1.  زاد المعاد (ج 3 / ص 221) فَصْلٌ [بِئْرُ مَعُونَةَ].
غزوة دومة الجندل.

فلما كان شعبان، وقيل: ذو القعدة من العام القابل خرج النبي ﷺ لهذا الموعد في ألفٍ، وخمسمائة، ومعه عشرة أفراس، وكان الذي يحمل اللواء علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، وأرضاه - فلما بلغ النبي ﷺ بدراً أقام بها ثمانية أيام ينتظر المشركين، أما أبو سفيان فكان قد خرج من مكة، ومعه ألفان، وخمسون فارساً، فلما انتهوا إلى مر الظهران - على مرحلةٍ من مكة - قال لهم أبو سفيان: "إن العام عام جدب، وقد رأيت أن أرجع بكم" فانصرفوا راجعين، وأخلفوا الموعد، فقيل لها: بدر الموعد.
وفي ربيعٍ الأول من السنة الخامسة للهجرة خرج النبي ﷺ لما بلغه التهديد هذه المرة من جهة دومة الجندل، بلغه ﷺ أنه قد اجتمع جموع كبيرة من المشركين يريدون المدينة فخرج بألفٍ من أصحابه، فلما بلغ ذلك المشركين تفرقوا، ولم يلق النبي ﷺ كيداً. 

غزوة بني المصطلق.

فلما كان شهر شعبان من السنة الخامسة جاءه تهديد آخر إذ بلغ النبي ﷺ أن الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق قد سار في قومه، ومن قدر عليه من العرب، يريدون حرب رسول الله ﷺ فخرج إليهم - عليه الصلاة، والسلام - مع أصحابه في يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، فلما بلغهم ذلك تفرق من كان معه من العرب، فحمل المسلمون على من بقي معه حملة رجلٍ واحد، ثم بعد ذلك ظفروا بهم، وكان النبي ﷺ قد خرج معه نفر من المنافقين لم يخرجوا قبل تلك الغزوة.
وفي تلك الغزوة - أعني بني المصطلق، وهي المريسيع - وقع ما وقع حينما تشاجر رجلان، رجل من غفار، وهو حليف لعمر بن الخطاب  ورجل من جهينة، وهو حليف لعبد الله بن أبي، تشاجرا على الماء، فقام الغفاري فلطم الجهني، فقال الجهني: يا للأنصار - يعني حلفاءه - وقال الغفاري: يا للمهاجرين، فكاد يقع الشر بين أصحاب النبي ﷺ فبلغ ذلك عبد الله بن أبي، فقال كلامه المشهور المعروف: "أوقد فعلوها، والله ما مثلنا، ومثل هؤلاء إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك" وقال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
ووقع ما وقع في تلك الغزوة، وبدأ المنافقون يتكلمون، وحصلت واقعة الإفك في طريق النبي ﷺ إلى المدينة لما عرس النبي ﷺ في بعض الطريق، وفقدت عائشة - رضي الله تعالى عنها - عقدها - في القصة المشهورة - حيث رجعت، ولم تجد رسول الله ﷺ ومن معه، فبقيت في مكانها حتى غلبتها عينها فنامت، فجاء صفوان بن المعطل فحملها على بعيره، وجاء بها إلى رسول الله ﷺ في منتصف النهار، فتكلم عبد الله بن أبي بكلامٍ قبيحٍ، واتهم النبي ﷺ في عرضه، وآذى رسول الله ﷺ وتلقف ذلك المنافقون، وتكلم فيه بعض ضعفاء الإيمان، وبقي النبي ﷺ شهراً كاملاً يقاسي الألم، والنبي ﷺ لا يوحى إليه شيء في أمرها، وهي لا يتوقف لها دمع، تواصل البكاء في ليلها، ونهارها.
أشرف بيتٍ عرف في التاريخ يتهم بأقبح تهمة، ويبقى يكابد الآلام، والحسرات هذه المدة، ثم يقوم النبي ﷺ على المنبر، ويقول: من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاه في أهلي؟[1] فيقوم أسعد بن زرارة ويقول: "يا رسول الله: إن كان منا معشر الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا بأمرك".
فيقوم سعد بن عبادة  وتأخذه الحمية، وهو رجل من خيار الصحابة، فيقول: "كذبت، والله لا تقتله، ولا تقدر على قتله" ثم يقوم آخر من الأوس، فيقول: "بل كذبت أنت، أنت منافق تدافع عن المنافقين". 
ثم يكاد الحيان يقع بينهما الشر، فيتثاوران، ويبقى النبي ﷺ يخفضهم على المنبر حتى هدؤوا، ونزل برسول الله ﷺ آلام، وهموم، ومصائب مجتمعة من كل ناحية حتى برأ الله هذه الطاهرة العفيفة الشريفة من فوق سبع سماوات.

  1.  أخرجه البخاري في كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضاً (2518) (ج 2 / ص 942)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب، والسنة باب قول الله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: 38] (6935) (ج 6 / ص 2682).
عزوة الخندق.

وبعد هذه الشدائد، وفي السنة الخامسة كانت غزوة الخندق، والتي تسمى أيضاً بغزوة الأحزاب، وهي الغزوة التي ابتلى الله فيها عباده المؤمنين، وبعث الإيمان في قلوب أوليائه المتقين، وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق، وفضحهم، وفزعهم، حيث جاء المشركون من كل ناحية، وأحاطوا بالمدينة، وحاصروها في وقتٍ بردٍ، وجوعٍ، وشدةٍ، فبقي أصحاب النبي ﷺ يحفرون الخندق، ويربطون الحجر على بطونهم، ورسول الله ﷺ يربط الحجرين على بطنه الشريف، حتى انحسر ثوبه عن بطنه، وقد غطاه التراب، فكان يحفر مع أصحابه في غداةٍ باردة، ويقولون:

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة

لقد أصاب المسلمين ما أصابهم من الخوف الشديد، والجوع الشديد في هذه الغزوة، وكما صوّر الله ذلك المشهد بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: 9] إلى أن يقول الله إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب: 10].
وفي هذه الظروف الحالكة الحرجة يبدأ المنافقون باستغلال الموقف، فيتحركون، ويرجفون في الصف، ويقولون: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ فيكذبهم الله فيقول: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [الأحزاب: 13].
ومن إرجافهم الشنيع أنهم كانوا يستهزؤون برسول الله ﷺ ومن معه، ويقولون: "إنما هؤلاء أكلة رأس" يعني أنهم قلة، ويقولون للناس: هلمّ إلينا، يعني من أجل أن نوفر لكم الحماية إذا دخلل المشركون إلى المدينة. 

ومع ذلك كله فقد فضح الله أمر المنافقين، ودفع بأس المشركين، فأنزل نصره، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وأعز جنده، ورد الكفرة بغيظهم، ووقى المؤمنين شر كيدهم، وحرم عليهم شرعاً، وقدراً أن يغزوا المؤمنين بعدها، بل جعلهم المغلوبين، وجعل حزبه هم الغالبين.

عزوة خيبر.

ثم بعد ذلك، وفي السنة السابعة كانت وقعة خيبر، وانتصر فيها المسلمون، فجاءت امرأة من اليهود من أهل خيبر يقال لها: زينب بنت الحارث، وهي زوجة سلام بن مشكم، فسألت عن أحبِّ اللحم إلى رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: الذارع، فأهدت له شاةً مصلية، ثم أكثرت السمَّ في الذراع، فنهس النبي ﷺ منها نهسةً، فأخبره هذا الذراع أنه مسموم، وكان قد أكل بعض أصحابه، فمات بشر بن البراء - رضي الله تعالى عنه، وأرضاه - ثم بعد ذلك بقي النبي ﷺ يعاني من هذا السم، عاش بعده ثلاث سنين حتى قال في المرض الذي قبض فيه، وهو يعاني من آثار هذا السم: يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ[1]

  1. أخرجه البخاري تعليقاً في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ (ج 13 / ص 340)، وأخرجه أبو داود في كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلا سماً، أو أطعمه فمات أيقاد منه برقم (4512) (ج2/ص 582)، ولفظ أبي داود: (ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان قطعت أبهري)، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7929).
السرايا التي وقعت ما بين خيبر، وفتح مكة.

وبعد خيبر اجتمع خلق كثير من غطفان، ولحيان يريدون المدينة، فبعث لهم النبي ﷺ بشير بن سعد فلما أغاروا عليهم تفرقوا.
وأقبل قيس بن رفاعة - أيضاً - في جمعٍ كثير يريدون المدينة، فبعث لهم النبي ﷺ ابن أبي حدرد الأسلمي في سريةٍ، فرمى قائدهم قيساً بسهمٍ في قلبه، فشك فؤاده، فقتله، فتفرق أصحابه.
ثم أرسل النبي ﷺ جيشاً في السنة الثامنة في جمادى الأولى إلى أطراف الشام إلى مؤتة، فوجدوا هرقلَ قد اجتمع معه من الروم مائة ألف، وانضم إليهم من قبائل العرب من أهل الشام من لخمٍ، وجذام، وبلي، مائة ألف، يقابلهم ثلاثة آلاف، ثم بعد ذلك كان ما كان من قتل القادة الثلاثة، زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، وعمره ثلاث، وثلاثون سنة، ثم بعد ذلك قتل القائد الأخير، وهو عبد الله بن رواحة حتى أخذ اللواء خالد بن الوليد فانحاز بالجيش، ورجع بهم إلى المدينة.
وفي جمادى الآخرة بلغ النبي ﷺ أن جمعاً من قضاعة قد تجمعوا يريدون المدينة، فبعث لهم النبي ﷺ عمرو بن العاص، ثم بعث مدداً مع أبي عبيدة فتفرقوا.

غزوة حنين.

وبعد أن فتح الله على نبيه ﷺ مكة اجتمع خلق كثير من هوازن، وثقيف في وادٍ يقال له: حنين بين مكة، والطائف مع أميرهم مالك بن عوف النصري، فاجتمع معه من جشم، وسعد بن بكر خلق كثير، وكمنوا لرسول الله ﷺ وأصحابه، فلما دخلوا هذا الوادي انهالت عليهم النبال كأنها مطر تزعزعه الريح، فانهزم الذين مع رسول الله ﷺ وكانوا يزيدون على اثني عشر ألفاً، وما بقي معه إلا عشرة نفر فقط، وتضعضع الباقون، وكان يدعوهم ﷺ: إليّ عباد الله[1] ويستقبل المشركين بصدره ﷺ وبوجهه، وهو على بغلةٍ لا تحسن الكر، والفر، ويقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب[2].
وكان مالك بن عوف النصري قد أخرج النساء، والأطفال، والأموال من الإبل، والبقر، والغنم من أجل أن يموتوا دون نسائهم، وأموالهم، ثم بعد ذلك أظفر الله نبيه ﷺ بهم، فجاءه رجل من ورائه، وهو شيبة بن عثمان الحجبي، وكان رجلاً من المشركين - من أهل مكة - خرج ليقتل النبي ﷺ غيلةً، فأوحى الله إلى نبيه ﷺ واطلع على ذلك، فالتفت إليه، ثم أخذه ﷺ فمسح على صدره، فصار رسول الله ﷺ أحب الناس إليه، وثبت مع هؤلاء العشرة.

  1. السيرة النبوية لابن كثير (ج 3 / ص 44).
  2. أخرجه البخاري في كتاب فضل الجهاد، والسير، باب من قاد دابة غيره في الحرب (2709) (ج 3 / ص 1051)، وفي باب بغلة النبي ﷺ البيضاء (2719) (ج3 / ص 1054)، وفي باب من صف أصحابه عند الهزيمة، ونزل عن دابته، واستنصر (2772) (ج3 / ص1071)، وفي باب من قال: خذها، وأنا ابن فلان (2877) (ج 3 /ص 1071). 
غزوة تبوك.

وفي رجب من السنة التاسعة من الهجرة اجتمع الروم في الشام، ومعه لخم، وجذام، وعاملَ، وغسان من قبائل العرب، اجتمعوا لحرب النبي ﷺ فتوجه - عليه الصلاة، والسلام - إليهم حتى نزل بتبوك، ولم يلقَ كيداً.
وفي العودة لما بلغ - عليه الصلاة، والسلام - عقبةً شديدة خيّر أصحابه بين المشي في السهل، أو يمشوا على العقبة، فاجتمع أربعة عشر رجلاً من المنافقين، وتآمروا على إلقاء النبي ﷺ من فوق هذه العقبة ليتدحرج أسفل الجبل - عليه الصلاة، والسلام - فزجروا ناقته، فاستقبلهم حذيفة بن اليمان بعصاً يلطم وجوه رواحلهم، حتى دفعهم عن رسول الله - عليه الصلاة، والسلام - .

قبائل العرب ترتد عن الإسلام.

ثم بعد ذلك كانت المصيبة العظمى، والداهية الكبرى التي حلت بالمسلمين، ألا، وهي موت رسول الله ﷺ إذ كانت أعظم مصيبة نزلت بالمسلمين، فأظلم من المدينة كل شيء بعد أن أنار منها كل شيء حين قدمها - عليه الصلاة، والسلام -.
ثم ارتدت جميع قبائل العرب، وما بقي إلا أهل المدينة، وبقي أهل مكة بعد أن كادوا أن يرتدوا، فثبتهم سهيل بن عمرو وبقي بنو عبد القيس في الساحل الشرقي في جزيرة العرب، أما القبائل الأخرى فارتدت عن الإسلام، فجهز لهم الجيوش أبو بكر الصديق فانطلقوا مشرقين، ومغربين يقاتلون هؤلاء على الإسلام.

موت الخلفاء الأربعة.

ثم بعد ذلك مات أبو بكر متأثراً بالسم الذي وضع في يوم خيبر، ثم بعد ذلك جاء عمر فطعن، وهو يصلي الفجر بالمسلمين فمات - رضي الله عنه، وأرضاه - ثم جاء عثمان فقتل في داره مظلوماً - رضي الله تعالى عنه، وأرضاه - ثم توالت الفتن.
وجاء علي  وانقسم المسلمون، وتفرقوا، ووقع القتال بينهم في يوم الجمل، ووقعت أمور عظام، وأهوال كبار، ووقعت وقعة صفين حتى تكسرت السيوف، ولم يجدوا إلا الحجارة، فكانوا يتراشقون بها، فقتل خلق كثير من أصحاب النبي ﷺ ومن المسلمين من خيار أبناء المهاجرين، والأنصار.
ثم بعد ذلك قتل علي   وجرت ثلاث محاولات لقتل معاوية فأنجاه الله   ثم بعد معاوية  وقعت وقعة الحرّة، وقتل كثير من خيار أبناء المهاجرين، والأنصار، وقتل ابن الزبير، وقتل الحسين، وقتل كثير من أصحاب النبي ﷺ ومن التابعين.

ظهور فرقة المعتزلة.

ولم تزل تنزل بالمسلمين نكبات عظام، فظهرت الفرق المبتدعة، وتفرقت الأمة، وتشرذمت، ثم آلت الخلافة العباسية إلى المعتزلة، وفتن العلماء، وامتحنوا، ومات بعضهم، وهو مكبل بالحديد في السجن في مسألة خلق القرآن، ثم أزاح الله هذه الفتنة بعد أن تعاقب في نصرتها جمع من الخلفاء.

احتلال التتار لبلاد المسلمين.

ثم جاء التتار، وذبحوا الخليفة، وذبحوا نحواً من مليوني مسلم في بغداد وحدها، وفعلوا الأفاعيل حتى جرى نهر دجلة بالدماء، وتغير لونه، وأنتن الهواء من كثرة الجيف، وكان الرجل من التتر يجد مائة من المسلمين، وليس معه سلاح، ويقول لهؤلاء: مكانكم - حتى يأتي بالسيف - ثم يرجع، ولم يفر واحد منهم من شدة الهلع، ثم يقوم يقتلهم جميعاً.
ثم انطلق هؤلاء إلى الشام، واستباحوا حرمات المسلمين، كان النساء، والأطفال يجتمعون في الجوامع في دمشق، فكانوا يدخلون عليهم التتار، ويفجرون بالأبكار أمام ذويهن في الجوامع، وهن يصرخن، ويستغثن، ولا مغيث، وقتل الرجال، وفعلوا كل شيء، وبقي الأطفال بلا مأوى أياماً، ثم بعد ذلك أرسلوا عبيدهم، والمرتزقة معهم فاستباحوها، ثم بعد ذلك أحرقوها، وقع ذلك في دمشق، ووقع في حلب، ووقع في غيرها من الأمصار الشامية.
لقد وقعت بالمسلمين أمور عظيمة، ونكبات جسيمة كان منها الحروب الصليبية، والتي لا تزال تؤذي المسلمين حتى يومنا هذا، فالله المستعان، ولا حول، ولا قوة إلا بالله. 

مواد ذات صلة