تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 21 / صفر / 1441 - 20 / أكتوبر 2019
أما آن أن نرجع بعد الدنمارك
تاريخ النشر: ٠٨ / ربيع الآخر / ١٤٢٩
التحميل: 4245
مرات الإستماع: 5590

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
ففي الليلة الماضية تقدم الكلام على طائفة من الآيات التي ابتدأ بها الإمام النووي - رحمه الله - صدر هذا الباب من كتابه المبارك: "رياض الصالحين" وهو باب الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها، ثم لما ذكر هذه الآيات ذكر بعد ذلك أن في الباب آيات أخرى، وهذا أمر لا يخفى، فالنصوص الواردة التي تأمر بإتباع النبي ﷺ وأنه لا طريق إلى الله بحال من الأحوال، ولا سبيل إلى النجاة إلا بإتباع هديه وسنته ﷺ وأن كل طريق مسدود إلا الطريق التي شرعها - عليه الصلاة والسلام - من وحي الله - تبارك وتعالى - إليه.
وقد وصفه الله - تبارك وتعالى - بأوصاف كثيرة في هذا القرآن العظيم:
لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: 128].
وعاتبه ربه - تبارك وتعالى - في مواضع على كثرة ما كان يجد في نفسه من الحزن بسبب إعراض المعرضين، وكفر الكافرين:
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أي: مهلك نفسك عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف: 6] أي لا تذهب نفسك عليهم حسرات، والله - تبارك وتعالى - يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وما عليك إلا البلاغ.
ولكن الله قال:
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159] فجبله الله على هذه الأوصاف الكاملة من الشفقة والرحمة بالخلق ومحبة الخير لهم. 
وسيأتي من حديث جابر عند الإمام مسلم في صحيحه أنه ﷺ قال: مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً، فجعل الجنادب، والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي
[1].
فهذا الحديث فيه تصوير بليغ دقيق لحال رسول الله ﷺ مع الخلق، وأنه هو المخلص الذي ينتشلهم بإذن الله من الهلاك المحقق إلى نور الإيمان والهداية، وما يعقب ذلك من النجاة عند الله
وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا [آل عمران: 103].
وقد قال ﷺ مذكراً بنعمة الله ببعثه - عليه الصلاة والسلام - قال للأنصار: ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟
[2].
فينبغي أن نعرف حقه، وقدره ومنـزلته - عليه الصلاة والسلام - وأن ندفع عن عرضه ﷺ أعظم مما ندفع عن أعراضنا، وأن نذب عن سنته وعن دينه، وأن نبلغ دينه للآفاق، وأن نحب أهل الإتباع والطاعة والسنة، وأن نبغض أهل الكفر والشقاق، ونبغض أيضاً ونعادي أعداء الله الذين يسخرون منه، ومن نبيه ﷺ. 

  1. أخرجه مسلم في كتاب الفضائل باب شفقته ﷺ على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم (2285) (4/ 1790). 
  2. أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان (4075) (4/1574) ومسلم في كتاب الزكاة باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه (1061) (2/ 738).
كاتَب أربعين رساماً أن يرسموا ما يخطر في بالهم عن المصطفى ﷺ

ونحن في مثل هذه الأيام لما صرنا بحال من المهانة على الخلق، وصرنا في مؤخرة الأمم، صار التطاول يحصل من القريب والبعيد، حتى أولئك الضعفاء من الأمم التي لا تمكين لها في الأرض أصبحوا يجترئون على أمة ممتدة من المحيط إلى أقاصي المشرق، ولا يعبئون بهم ولا بكثرتهم، ولا يرقبون فيهم إلاً ولا حرمة، ولا يهابونهم بحال من الأحوال على هذه الكثرة، وعلى هذه المواقع المتميزة، حيث إنهم في قلب العالم، ويمثلون أمة ضخمة، ودينهم هو أكثر الأديان انتشاراً في العالم، وقد أقر بذلك أعداء الإسلام في هذا العصر وصرحوا به، وهو مثبت معروف أن أكثر الأديان انتشاراً في العالم هو دين الإسلام، ومع ذلك نجد هذا التطاول والسخرية، حيث يأتي كاتب أو كويتب يطلب من رسام أن يرسم له صورة متخيلة لرسول الله ﷺ ليضعها على غلاف الكتاب، فيهاب الكاتب؛ لأن لهم تجربة قبل ذلك حيث إن بعض من اجترأ فوضع بعض الآيات القرآنية على ثياب عارضات الأزياء، وجد نفسه أمام الموت بلا مرية، وهذا شيء حصل وهو معروف.
فالمقصود أن ذلك الرسام لم يجترئ فعلم رئيس تحرير صحيفة أشبه ما تكون بالصحيفة الرسمية التي تتحدث باسم الحزب الحاكم في تلك الدويلة، وقال: نحن في بلد الحريات، كيف يُتهيب من مثل هذا؟ 
وكاتَب أربعين رساماً أن يرسموا ما يخطر في بالهم ويتخيلونه عن نبينا ﷺ فاستجاب له من هؤلاء اثنا عشر، ورفض الباقون، فهؤلاء رسموا ما يتخيلونه، منهم من رسم النبي ﷺ وعليه عمامة في طرفها قنبلة، والآخر رسمه وخلفه مجموعة من النساء المبرقعات، أو الملثمات أو المنقبات على أنهن أزواج النبي - عليه الصلاة والسلام - وآخر رسم ما يسمى بالبابانويل، فقال: هذا هو محمد - سخرية، واستهزاء - إلى غير ذلك من الصور التي لا يحسن حكايتها.
ثم نشرت، واستمروا على ذلك مدة يكررون فيه ويزيدون في بلد يبلغ عدد المسلمين فيها إلى مائة وسبعين ألفاً، فذهبوا وتكلموا وطلبوا مقابلة المسؤولين فوجدوا الأبواب مؤصدة، وقالوا لهم: هذه حريات، ونحن لا نمنع هؤلاء من أن يمارسوا هذه الحريات، ثم بعد ذلك انتشر هذا الأمر وشاع وذاع، ولا زالوا يصرون على استهزائهم وسخريتهم.
فأقول: ما الذي جعل هؤلاء يجترؤون هذا الاجتراء لو أنهم أمام أمة ممكنة ولو كانت قليلة؟
من الذي يستطيع أن يتكلم عن محرقة اليهود في صحيفة من الصحف؟ يحاكم ويجرجر كما هو معروف.

لماذا يسخرون من نبينا ﷺ ونحن أكثر من مليار؟

فالمقصود أن هؤلاء يسخرون من أعظم شخصية عرفها التاريخ، ويتبعه أكثر من مليار، ومع ذلك لا يبالون؛ والسبب أننا ضيعنا كثيراً من ديننا، وهجرنا سنته - عليه الصلاة والسلام - وشغلتنا دنيانا وشهواتنا، فصرنا نتتبع ذلك، وهو الهم الأكبر بطريقة مقيتة لدى كثير من المسلمين، إلا من رحم الله
أصبحنا عالة على هؤلاء الأمم في السلاح فنستورده منهم، وهكذا في النظم وفي الثياب وفي الأثاث، وفي كل ما يمكن أن نقيم فيه مصالحنا في هذه الحياة الدنيا، بل أصبحنا نرى أن هؤلاء هم رسل الحرية والمثل والأخلاق، وأصبحنا نرى أن هؤلاء هم الأنجم التي يقتدى بها، بل صار الساقطون في تلك المجتمعات من الممثلين والمهرجين واللاعبين قدوة لكثير من شباب المسلمين وفتياتهم.
وحتى ألوانهم وأشكالهم الظاهرة أصبحنا نحاول أن نتقمصها بطريقة بلهاء ممجوجة منافية للذوق، فترى جموع الشباب والفتيات لا يتبعون فيها دينهم، ولا يحكمون فيها عقولهم، بل ولا أذواقهم، وإنما عميت الأبصار والبصائر، وصار يستحسن ما جاء من أولئك أياً كان، وعلى أي لون من ألوان القبح.
أمة تستورد كل شيء من عدوها وهي عالة عليه في كل شيء، ماذا ينتظر أن يقام لهذه الأمة من مكانة؟ وأن يكون لها من احترام تفرضه بين العالمين؟! فالطريق ليس بالكلام ولا بالخطب؛ فإنها سرعان ما تتلاشى وتذهب.

أشد شيء على الشيطان أن يعود الناس لدينهم

 إن أشد شيء على الشيطان وعلى أولياء الشيطان هو أن يعود الناس لدينهم وأن يتمسكوا بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ كلما صلح هؤلاء الناس كلما كان ذلك غيظاً لإبليس ولجند إبليس.
وأما أولئك الذين يتساقطون في الشهوات وفي أوحال الرذيلة فإن هؤلاء أعداد محسوبة على الأمة؛ ولكنهم بلا قيمة، هم كالعدم تماماً، وقد استراح منهم العدو، فهو لا يحمل لهم هماً، ولذلك تجدون هؤلاء الأعداء إذا دخلوا بلداً من البلاد كما حصل في البلقان، وكما حصل في العراق، وكما يحصل في أماكن كثيرة في أفغانستان، أول ما يبدؤون به أن تباع الرذيلة للناس بسعر التراب، أن تكون مبذولة، يصل إليها الصغير والكبير، تجد الأشياء التي تباع في بعض البلاد بأثمان مرتفعة جداً، تباع بأسعار رمزية، وينتشر ذلك ويباع على الأرصفة، كل ذلك لتحطيم الأخلاق، وقتل النفوس 
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: 91] وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [سورة البقرة: 217] فهؤلاء لا يخفى علينا بغضهم وعداواتهم، والله يقول: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: 118] فهذا لون من ألوان بغضهم وحقدهم، وهو منهم لا يستغرب؛ ولكن الذي يستغرب أن أمة تحمل قيماً، وعندها هذا الكتاب العظيم، وهذه السنة المحفوظة تترك ذلك، وتتبع هؤلاء الأراذل من سقطة الخلق من الشرق والغرب، ثم تكون لاهثة خلفهم، تتبع آثارهم، وتحاول أن تتقمص شخصيتهم، وهذا حال الكثيرين في البلاد الإسلامية إلا من عصمه الله وهدى قلبه وثبته، فلا تزال ثلل من هذه الأمة على الطريق، وإلا لو خليت لخربت، والنبي ﷺ يقول: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ[1] وجاء في بعض الروايات: حتى يقاتلوا الدجال[2].
فهؤلاء غصة في حلق كل دجال من الدجاجلة الكبار والصغار.

  1. أخرجه مسلم في كتاب الإمارة باب قوله ﷺ : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم برقم (1920) (3 / 1523). 
  2. مسد أحمد برقم (19909) (4/434) وصححه الألباني في الصحيحة برقم (1584). 
هل من رجعة إلى الله؟

فأقول: هل من رجعة إلى الله؟ هل من إعادة نظر في حالنا وأسباب ضعفنا وهواننا على الناس؟ هل من توبة صادقة نصوح؟ هل من أخذ بالجد ومعالي الأمور، ومراقي الفلاح التي ترفعنا في الدنيا والآخرة؟
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه

مواد ذات صلة