تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 17 / شعبان / 1440 - 22 / أبريل 2019
وقفات مع حادثة القديح
تاريخ النشر: ٠٧ / شعبان / ١٤٣٦
التحميل: 90864
مرات الإستماع: 3935

مَن  تصدر عنهم هذه الأعمال إنما يمثلون أنفسهم

أعلن المتحدث الأمني لوزارة الداخلية أن الجهات الأمنية باشرت بعد صلاة الجمعة 4 - 8 - 1436هـ الموافق 22 - 5 - 2015م بلاغاً عن وقوع انفجار في مسجد علي بن أبي طالب، ببلدة القديح - أغلب سكان البلدة من الشيعة -  في القطيف في المنطقة الشرقية، السعودية. ففي أثناء أداء المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد قام أحد الأشخاص بتفجير حزام ناسف كان يخفيه تحت ملابسه، ما نتج عنه مقتله، ومقتل وإصابة عدد من المصلين. 

الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكلنا قد سمع عن الحادثة التي صدمت الجميع في يوم الجمعة الماضية، نسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح حالنا، وأحوال المسلمين، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها، وما بطن،  وأن يقينا شر الأشرار، وكيد الفجار.

فهذا الذي وقع أمر لا يُقِرُّه من له أدنى معرفة صحيحة بشرع الله تعالى، أو عقل سوي، أو صاحب فطرة لم تمسخ؛ ومن هنا فلا حاجة للتدليل على أن ذلك من أعظم الإفساد في الأرض، وهذا أمر ندركه جميعًا، وهي حقيقة يعلمها المنصف, حتى أولئك الذين حلَّت المصيبة في دارهم يدركون هم، وغيرهم أن العامة، والخاصة من أهل هذه البلاد في طولها، وعرضها لا يُقِرُّون عملًا كهذا بحال من الأحوال، ويرون أنه من أعظم الإجرام، ومن أشد الموبقات، والمنكرات.

وإذا تقرر ذلك فنقول: إذًا لا داعي للمُزايدات، بأن يستغل هذا الحدث كل صاحب غرض فاسد في التذرع إلى مطلوبه؛  فإن مَن  تصدر عنهم هذه الأعمال إنما يمثلون أنفسهم، ومن يتبناها معهم، أو يؤيدهم عليها، ويغريهم بها، فهؤلاء هم فقط من يتحملون وزرها.

أما السواد الأعظم، الذين ينكرون ذلك ديانة، ولا يقرونه بحال؛ فإن لا يصح أبدا أن يُحْسَب عليهم. فكما أنه ليس من العدل أن ينسب ما قام به بعض الناس إلى البشر كلهم، بحجة أنه صدر عن نفر منهم، فهذا لا يقول به أحد؛ فإن الجرم إنما يتحمل جريرته من صدر عنه.

وعليه؛ فإنه لا يصح نسبة هذا الفعل إلى دين الإسلام؛ دين الحق والعدل، الذي يهذب النفوس، والأرواح، وقد جاء في الحديث: إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير. وقد وجَّه بعض أهل العلم ذلك: بأن هذا الذي يعلم الناس الخير هو بتعليمه يحجزهم عن الفساد، والإفساد في الأرض، فتنعم هذه الكائنات، والمخلوقات بالألطاف، والنعم، وتعم الخيرات، والبركات، هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن هذه الكائنات تسلم من أذاهم المباشر؛ وذلك لما تلقوه من التعاليم والمفاهيم الصحيحة، التي تحجزهم عن الفساد والإفساد.

الدين يهذب النفس

ومن هنا نقول: إن المرء كلما كان أكثر التزاما بشرائع الإيمان والإسلام فإنه يكون أكثر انضباطا، وصلاحا، وإصلاحا، فيسلم منه الإنسان، والحيوان، والشجر، والنبات، والجماد. وفي الحديث: المؤمن من أَمِنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء. والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه[1].

هكذا يهذب الدين النفسَ، وصاحبَها، يهذبه في باطنه، وظاهره. فتأمل كيف وصف الله عباد الرحمن بقوله: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ۝ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ۝ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ۝ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. إلى آخر ما ذكر من أوصافهم. فالإسلام يعلم المؤمن المشية الصحيحة، يعلمه كيف يتعامل مع الناس القريبين منه والبعيدين، فالدين تهذيب للسلوك، وتهذيب للسان، وتهذيب للقلب من العقائد الفاسدة، والبدع، والضلالات، والأحقاد، والغل وما إلى ذلك من الظنون السيئة. ولكن الزهرة تمتص من رحيقها النحلة، فتخرجها عسلاً، ويعصرها العطار فيخرج ذلك طيبا، وتأكلها البهيمة فتخرج ذلك بعرا.

  1. أخرجه أحمد (12561)، وصححه ابن حبان (510)، والألباني في صحيح الجامع (6658) وغيره. 
دين الله بريء من التفجيرات

فدين الله تبارك وتعالى بريء من تلك الأفعال والتصرفات.

وأيضًا: لا يصح نسبة ذلك إلى علماء الأمة وأعلامها؛ من أئمة الهدى، ومصابيح الدجى؛ فهم هداة إلى مثل هذه المُثُل الكريمة التي دل عليها الشرع المطهر، ومصنفاتهم، ومؤلفاتهم قديماً، وحديثاً تشهد بذلك، فهم أبعد ما يكونون عن مثل هذه الانحرافات، أو الدعوة إلى هذه المزاولات، فإذا جاء من يَحْمِل كلامَهم على غير مَحْمله فالعيب في فَهْمه، وليس في كلامهم؛ فإن القرآن الذي هو أشرف الكلام؛ قد أخذت الطوائف المنحرفة منه آيات أنزلوها على مذاهبهم الفاسدة، ولم يكن العيب في القرآن، بل كان العيب في فهمهم، وضلالاتهم، وقد وصف النبي ﷺ الخوارج بأنهم يقرؤون القرآن لكنه لا يجاوز حناجرهم. وقد حمله بعض أهل العلم على الفَهم، بمعنى: أنهم لا يفهمون معانيه وما فيه من الهدايات، ولا يصلون إلى مَرَاميه، فهم يقرؤونه قراءة لا تُجَاوِز الأوتار الصوتية. وأخذ منه بعض أهل العلم: أن ذلك لا يتغلغل إلى نفوسهم، فيحصل بذلك الإيمان الصحيح والأعمال القلبية المثمرة، وكل هذه المعاني قريبة صحيحة - والله تعالى أعلم -. 

وكان هؤلاء قد خرجوا في خلافة علي والصحابة متوافرون، فهل كان خروجهم بسبب تقصير من علي أو مفاهيم تلقوها من الصحابة ؟ وقد كان مقتل علي  على يد واحد منهم.

فالقرآن والسنة وكلام العلماء الأثبات ومصنفاتهم بُرَءَاءٌ من ذلك، فلا يجوز أن تُوَجَّه التُهْمة إليهم، وإنما يقع ذلك بسبب قصور الفهم، أو بسبب الهوى الذي يَصْرف عن الحق، وقد يجتمعان في المرء الواحد.

لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الحدث سبيلاً إلى المزايدة على البلاد، وأمنها

كذلك أيضا: لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الحدث سبيلاً إلى المزايدة على هذه البلاد، وأمنها، وكلنا يعلم كثرة الأعداء، والمتربصين بها، ومثل هذا الفعل لا شك أنه يُغْريهم بمزيد من توجيه التُّهَم، والضغوط إليها، فهي مستهدفة، والعالم يعلم أن ما لقيته هذه البلاد من هذه الأوصاب لا يقاس بما وقع لغيرها، فالمعاناة هنا أشد.

لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الحدث سبيلاً إلى المزايدة على الدعاة إلى الله 

كما لا يصح أيضا: أن ينسب ذلك إلى تقصير من الدعاة إلى الله تبارك وتعالى، أو الخطباء,أو الجهة المشرفة على المساجد، والخطباء؛ فإن كل من يستمع إلى خطبة الجمعة، ويحضر الدروس، والمحاضرات المقامة في المساجد؛ يعلم أن هؤلاء قد تكلموا عن هذه القضايا مرات كثيرة، حتى صاروا يكررون كلامهم؛ لكون الكثيرين منهم قد استنفذ ما عنده. 

ولو أن المرء أنصف ونظر إلى ما يجري في البلدان التي جُفِّفَت فيها منابع الدين فإنه يجد فيها من مظاهر الغلو ما لا يجده في هذه البلاد، ولا قريبًا منه، فأين تلقى أولئك ذلك؟! بل يوجد ذلك في بلدان بعيدة عن ديار المسلمين؛ من أقوام نشؤوا في بلاد الكفار، وولدوا فيها، يُوجَد عند بعضهم من نزعة الغلو ما لا يُقادَر قدرُه، فأين تعلموا ذلك؟ وأين مناهج التعليم التي نشؤوا عليها ؟

لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الحدث سبيلاً إلى المزايدة على دور التحفيظ والكليات الشرعية

وهكذا أيضاً: لا يصح المزايدة على دور التحفيظ والكليات الشرعية، أو المحاضن التربوية؛ فإن هؤلاء لم يتلقوا ذلك فيها.

 وقُلْ مثل ذلك في ذويهم؛ من أهلهم، وقراباتهم، وعشائرهم، فإنه لا يصح أن يُنسب ذلك إليهم. فإن من يقوم بتلك التصرفات لا يرفعون رأسا لقول هؤلاء، ولا يسمعون كلام أهل العلم، ولا يقبلونه، ولا يعتبرونه، إنما يأخذ الواحد منهم، ويقبل ما أُشْرِب من هواه، فهم قد فرغوا من أهل العلم، وضللوهم، ورموهم بالقبائح.

فهؤلاء إنما يتلقون تلقيًا لا تحجزه الحدود، ولديهم من العلائق، والروابط عبر الوسائل، والوسائط ما يتوصلون به إلى كل شبهة، وضلالة، وعماية في مشارق الأرض، ومغاربها، يستوي في ذلك من عاش قريبا، أو بعيدا، وهذا أمر معلوم لكل أحد.

لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الحدث سبيلاً إلى المزايدة على أسرة ينتسبون إليها

فالمقصود أنه لا يصح أن يُتَّخذ أفعال أولئك ذريعة للطعن في جهة؛ لربما كانوا يسكنون فيها، أو في أسرة ينتسبون إليها، أو إلى ناحية يدرسون فيها، وما إلى ذلك.

وقد نقل ابن جرير رحمه الله  الإجماع على أن المقصود بابني آدم في قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ نقل الإجماع على أنهما ابناه لصلبه، وأن ذلك على عهد آدم عليه السلام، فمن أين تلقى هذا القاتل جريمته؟

قال تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فهذه النفس قد يوجد فيها من دواعي الشر، والفساد، والإفساد مع ما يغري به الشيطان، فإذا انضاف إلى ذلك من يٌغريه به من الخارج فإنها تكون بذلك قد استحكمت غوايته، إلا أن يلطف ربنا تبارك وتعالى به. 

نوح  لم يتمكن من إنقاذ ابنه من الضلال

وهذا نوح عليه السلام لم يتمكن من إنقاذ ابنه من الضلال، والكفر، وما تلا ذلك من الغرق، فالهداية بيد الله - تبارك وتعالى - قد يبذل الرجل جُهْده، وتبذل الأسرة جهدها، ولكن الموفق الهادي هو الله : إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.

لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الحدث سبيلاً إلى المزايدة على الأمن

كذلك أيضا: لا يصح اتخاذ هذا الحدث وسيلة للمزايدة على الأمن، والمطالبة ببعض المزاولات التي يطالب بها بعضهم، بزعمهم أنهم يحمون أنفسهم بذلك، وهم يعلمون في قرارة نفوسهم أن الذي جرى ليس عن تقصير من الجهات المعنية؛ فإن الغَدْر لم يسلم منه أصحاب أعلى الرُّتب ممن يقوم على الأمن في هذه البلاد كما نعلم.

 ومن نظر الى ما يجري في بلدان كثيرة، مجاورة، وما يوجد فيها من الشِلَل التي تحمل السلاح، ممن يُسَمّى بالمليشيات وجد أن الأشلاء تتناثر هنا وهناك، تدمير، وتفجير، واغتيالات، فما نفعتهم تلك المليشيات؟! فإنها ما زادتهم إلا احترابًا، وتفككا، وتشرذما، وقتلاً، وخوفًا.

لا يصح أن يُتَّخَذ ذلك الحدث ذريعة إلى تشتيت الشمل

وهكذا أيضاً: لا يصح أن يتحول هذا الحدث ذريعة إلى تشتيت الشمل، وتبادل التهم، واتخاذ ذلك وسيله، وسبيلا إلى تصفية الحسابات، والعراك بين أطراف المجتمع؛ من الفرقاء، أو الأصدقاء، أو غير ذلك.

فعلينا أولاً: أن نحذر من مضلات الفتن، وأن نستعيذ منها، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرينا الحق حقا وأن يرزقنا أتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً وأن يرزقنا اجتنابه، وألا يدعه مُلْتبسا علينا فنضل؛ فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء.

وعلينا ألا نزيد الفتنة فتتحول إلى فتن، فنـزيد النار اضطراما، بل العاقل يخمدها، ويطفئها، ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليقل خيراً أو ليصمت فلا يصح أن نرجع من هذه المصيبه بمصائب إلى أنفسنا، وبلادنا، وديننا، وعلمائنا، وصلحائنا، ودعاتنا، وأخيارنا، ومناهج تعليمنا، وما إلى ذلك، بأن يأخذ كل سفيه شُعْلة من هذه الفتنة، ثم يقذفها هنا وهناك، فتقع في نواحي شتى، فيحرق على الناس بيوتهم ودورهم، ويحرق البلاد، فيكون هو أول من يحترق بهذه الفتنة؛ فإن هذا ليس من العقل في شئ، فمن كان يحسن الكلام وإطفاء الفتن، وإخمادها تكلم، وهذا أوانه، ومن كان لايحسن فعليه أن يسكت، والله لن يسأله، ولن يطالبه بتسجيل موقف يتفوه فيه بما يزيد الأمر سوءًا، والفتنة اضطراما واشتعالًا.

فيجب علينا أن نبين عن الحق بطريقة لا تدع فيه لبسًا.

الشباب بحاجة إلى من يستمع إليهم

فالشباب بحاجة إلى من يستمع إليهم، ويفتح لهم قلبه، هم بحاجه إلى الناصح الذي يرشدهم، وُيَقَوِّم مسارهم، ويصحح نظرهم، وتفكيرهم، فإنهم إذا أهملوا، وتركوا تخطفتهم شياطين الإنس، والجن، فيُودُون بهم إلى مآلات، ونهايات تعود عليهم بالضرر في دينهم، ودنياهم، ويصير ذلك شُؤْما عليهم، ويكون ذلك من أعظم العقوق على أهلهم وذويهم، ومن أعظم الفساد الذي يعود على البلاد برمتها، بل على الدين وأهله؛ فإن مثل هذه التصرفات تنقل صورة سيئة للكفار عن الإسلام، وأهله. 

الإخلاص سبب للخلاص

كذلك أيضاً ينبغي لنا أن نتذكر قول النبي ﷺ : نضر الله امرءًا سمع مقالتي فبَلَّغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثم قال: ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن، إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين وجماعتهم، فإن دعوتهم تحيط مِن ورائهم[1].

فقد ذكر النبي ﷺ الإخلاص، والإخلاص سبب للخلاص، وقد عقَّب الله تبارك وتعالى بعد أن أخبر أنه نَجَّا يوسف ﷺ من الفتنة، عقب بعد ذلك بقوله: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ وفي قراءة: المخلِصين فخَلَّصَه بإخلاصه.

 فالإخلاص الإخلاص  أيها الأحبة! في النصيحة، والتعليم، وتوجيه الخطاب، فلا شك أن ذلك أدعى للقبول.

ولا يصح لناصح بحال من الأحوال أن يَسْتَجِر بنصيحته حظًّا لنَفْسه من جاه، أو مال، أو أي غرض آخر من الأغراض القريبة الدنية، بل يجب أن يكون شعاره: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فهكذا يكون أتباع الرسل - عليهم الصلاة والسلام -.

  1. أخرجه ابن ماجه (3056)، وصححه لغيره شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لسسن ابن ماجه. 
هذه الأحوال والفتن التي نتقلب فيها تحتاج إلى ناصحين صادقين

هذه الأحوال والفتن التي نتقلب فيها تحتاج إلى ناصحين صادقين، يريدون بنصيحتهم، وتوجيههم ما عند الله - تبارك وتعالى -.

 كذلك أيضا قوله ﷺ : والنصيحة لولاة المسلمين وجماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط مِن ورائهم فهذا هو الطريق وليست النجوى التي توغر الصدور من غير طائل، فإن هذا الثَلْب والطعن والكلام في خاصة الناس؛ من علمائهم، ومن بسط الله يده فيهم؛ فإن هذا لا يورث خيراً . فحينما توجه مثل هذه الانتقادات لربما على سبيل الغيره: بأن هذا العَالِم قصر، أو أخطأ في ذلك المقطع، أو لم يُوَفَق بِكَلِمة، بعضهم يبعثها بلا روية، وبعضهم لربما يريد بها الرزية!  ما هي النتيجه؟! النتيجة: أنه لا يبقى للناس قائد، ولا كبير، فيقودهم جهالهم، ويبقى الناس فوضى. فهذا أمر خطير؛ أن تصبح أصوات العلماء مطمورة، مغمورة في ضجيج للعوام، وصخب لا يُسمع معه صوت حق، وعدل، ورشد.

فالطريق هو كما قال النبي ﷺ : النصيحة لولاة المسلمين وجماعتهم بهذا تصلح الأحوال، وتقل الشرور، والمنكرات، أما أن يبقى الناس نجوى فإن ذلك لا يغير من الواقع شيئا، وتبقى هذا الصدور تعتلج فيها مثل هذه المعاني، أو الأحوال، أو الأمور من الغل، أو نحوه، فيكون ذلك محلا قابلا للاستهواء، فإذا جاء من يرمي بضلالاته، وجد بعض الآذان الصاغية. فما أحوجنا إلى تعليم الناس الدين والعلم والهدى،  وأن نصلح ما استطعنا، وأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وأن ندعو إلى الله تعالى على بصيرة. فبذلك تبقى القلوب سليمة لا تحمل الغل، والأحقاد، فإذا جاء من يريد أن يزرع فيها بذور الشر فإنه لا يجد محلا قابلا.

الحذر من مقاربة الشبهات

وأخيراً: ينبغي للإنسان أن يحذر من مقاربة الشبهات، ومن الدخول في المواقع التي لربما يجد فيها شبهة تغزو قلبه، فلا يستطيع أن يستخرجها منه، فإن الذي يعرض نفسه للفتنة قد لا يسلم، ولا يأمن على نفسه منها. ولا يخفى ما في الوسائط، والوسائل المنتشرة من الشهوات، والشبهات، وقد أصبحت في متناول الصغير، والكبير، فإذا قل عقل المرء، وقل علمه؛ فإنه قد يصيبه شيئ من ذلك، فمن الذي يأمن على نفسه؟ وقد كان السلف - مع أنهم جبال في العلم - إذا جاءهم صاحب لوثة وضع الواحد منهم أصبعيه في أذنيه، وكان الواحد منهم يقول: إنما هي نفس واحدة، وآخر يقول: القلب ضعيف، وكان بعضهم يقول لصاحبه: الدين ليس لمن غلب. وكان بعضهم يقول: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التحول، يعني: كل يوم على رأي ومذهب؛ اليوم كان على جهة اليمين، وغداً على جهة اليسار، وبعد غد الله أعلم الى أين يصير!

فالمؤمن لا يكون إلا على جادة واحدة يلزمها، وإذا اشتبه عليه أمران بقي على الجادة حتى يستبين له، فلا يخطو خطوة حتى يتبين.

فينبغي على الشباب وغيرهم أن يحذروا من الدخول فيما يوقعهم في فتن، وأهواء، وضلالات، وأن يعمروا الأوقات، والفراغ بما ينفعهم، ويرفعهم؛ من تلاوة القران، وتدبره، وحضور مجالس العلم، وإصلاح الأعمال، والأخلاق، والاشتغال بطاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ ، والإعراض عما لا ينفع.

أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يبصرنا بالحق، وأن يعيذنا من مضلات الفتن، وأن يهدي ضال المسلمين. اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعاف مبتلانا، واجعل آخرتنا خيراً من دنيانا، اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب أحزاننا، وجلاء همومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.

والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. 

مواد ذات صلة