[3] من قوله تعالى"فلبثت سنين في أهل مدين" الآية40 إلى قوله تعالى"لا يضل ربي ولا ينسى" الآية 52
عدد الزوار : 4809
تاريخ الإضافة : 24 ربيع الآخر 1429
MP3 : 7467 kb
PDF : 134 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة طه (3)

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيَ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمّ جِئْتَ عَلَىَ قَدَرٍ يَا مُوسَىَ * وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَىَ فِرْعَوْنَ إِنّهُ طَغَىَ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لّيّناً لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَىَ} [سورة طه:40-44]، يقول تعالى مخاطباً لموسى -عليه السلام-: إنه لبث مقيماً في أهل مدين فاراً من فرعون وملئه، يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، ثم جاء موافقاً لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله -تبارك وتعالى-، وهو المسيّر عباده وخلقه فيما يشاء، ولهذا قال: {ثُمّ جِئْتَ عَلَىَ قَدَرٍ يَا مُوسَىَ} قال مجاهد: أي على موعد، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {ثُمّ جِئْتَ عَلَىَ قَدَرٍ يَا مُوسَىَ} قال: على قدر الرسالة والنبوة.

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله -تبارك وتعالى-: {ثُمّ جِئْتَ عَلَىَ قَدَرٍ يَا مُوسَىَ}، يقول: "قال مجاهد: أي على موعد"، و"عن قتادة قال: على قدر الرسالة والنبوة"، بمعنى أنه جاء على الوقت الذي قدر الله -عز وجل- إرساله فيه كما يقول ابن جرير -رحمه الله-، ويحتمل أنه جاء بوقت قدر الله -عز وجل- مجيئه فيه لا يتقدم ولا يتأخر، وهذه الأقوال متقاربة إذ أن كل شيء إنما هو بتقدير الله -تبارك وتعالى-، مجيء موسى -عليه الصلاة والسلام- بهذه الساعة التي جاء فيها لا شك أنه كان بتقدير الله، وجاء في الوقت الذي قدر الله -عز وجل- إرساله فيه، فلا منافاة بين القولين، أو بين هذه الأقوال، والله تعالى أعلم.

وقوله: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}، أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولاً لنفسي أي كما أريد وأشاء، وروى البخاري عند تفسيرها عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((التقى آدم وموسى فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟، فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال فوجدته مكتوباً عليّ قبل أن يخلقني، قال: نعم، فحج آدم موسى))([1]) أخرجاه.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}، أي: أن الله -تبارك وتعالى- هيأه وأعده إعداداً خاصاً بعناية من أجل أن يكون متحملاً لأعباء الرسالة، وداعياً إلى الله يدعو هذا الذي طغى، وادعى الربوبية أو الإلهية.

وقوله: {اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي}، أي: بحججي وبراهيني ومعجزاتي، {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: لا تبطئا، وقال مجاهد عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: لا تضعفا، والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون؛ ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَلاَ تَنِيَا} والنيَُ هو الضعف والفتور، {وَلاَ تَنِيَا} يقول هنا: "عن ابن عباس: لا تبطئا"، وقوله -أيضا-: " لا تضعفا، والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون؛ ليكون ذكر الله عوناً لهما"، هذا القول هو موافق لقول ابن جرير، والذكر هنا مصدر يشمل ذكر الله -تبارك وتعالى- بلسانه، كما أنه يشمل ذكره في العمل والفعل والقيام بوظائف العبودية، ومن ثم فسره بأن المراد: لا تقصرا، يعني: لا تضعفا، لا تنيا عن ذكري بالإحسان إليكما بالشكر، والشكر كما هو معلوم يشمل القلب واللسان والجوارح، وابن جرير -رحمه الله- يحمل ذلك على شكره بامتثال أمره واجتناب نهيه، وهذا يرجع إلى ما سبق، باعتبار أن الإنسان إذا قام بذلك فإن هذا أدعى وأقوم لثباته، وعون الله -عز وجل-: إعانة الله -تبارك وتعالى- له، وبعضهم يقول: المقصود به تبليغ الرسالة: {وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي} والذي يظهر -والله أعلم- أن ما ذكره ابن كثير -رحمه الله- وذكره ابن جرير وأمثال هؤلاء: أقرب، والله تعالى أعلم.

وقوله: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}، أي: تمرد وعتا وتجبر على الله وعصاه، {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} هذه الآية فيها عبرة عظيمة وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أُمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، فدعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل قريب رفيق؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [سورة النحل:125]، وقوله: {لّعَلّهُ يَتَذَكّرُ أَوْ يَخْشَىَ} أي: لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، أو يخشى: أي يوجد طاعة من خشية ربه، كما قال تعالى: {لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [سورة الفرقان:62] فالتذكر الرجوع عن المحذور، والخشية تحصيل الطاعة.

أمر الله -تبارك وتعالى- بإلانة القول مطلقاً، وإلانة القول تكون في التلطف بالمخاطبة، ولهذا فيما قص الله  -تبارك وتعالى- من خبر موسى -عليه الصلاة والسلام- مع فرعون أن الخطاب جاء ليناً، {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى} [سورة النازعات:18] بأسلوب العرض، ولم يقل: أزكيك، {وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}[سورة النازعات:19]، وهكذا في مواضع من هذا الخطاب، لو تتبعته في القرآن لرأيت ذلك جلياً، وبعضهم يقول: المراد بذلك القول اللين: هو أن يكنياه، وهذا الخطاب بالكنية فيه إلانة بلا شك، لكن ذلك لا ينحصر به إلانة القول، وقد يكون مخاطبة هذا الذي يدعي الإلهية بالكنية أمراً غير مرغوب بالنسبة إليه، هو يريد أن يخاطب بما هو أكبر وأعظم من هذا، بخلاف آحاد الناس، فإن العرب تحب الدعاء بالكنية، ثم الاسم، وآخر ذلك اللقب، وكانوا يكرهون أن يدعى الواحد منهم باللقب، لكن مثل هؤلاء قد تكون الكنية مفضولة بالنسبة إليه، يعني حينما يخاطب يقال له: أيها الملك، أو نحو هذا، وهذا يبدو أنه يريد أن يخاطب بأن يقال له: أيها الإله؛ لأنه يقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [سورة القصص:38]، وقوله -تبارك وتعالى-: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} "لعل" هذه سبق الكلام عليها والجواب عن إشكال يرد في مثل هذا الاستعمال، والأصل في كلام الناس أنها تفيد معانيَ المشهور منها أنها تفيد الترجي، والترجي إنما يكون مما لا يعلم العواقب، فهذا يكون مترجياً، فإذا قال الإنسان: لعل المطر ينزل، أو لعل زيداً يقدم أو نحو هذا يقوله؛ لأنه لا يعلم العاقبة هل يحصل هذا أو لا؟، أما الله -عز وجل- فهو عالم بكل شيء لا يخفى عليه خافية، والمراد كما يقول بعض أهل العلم: إن معناها التعليل -وهو أحد معانيها-، فيقول: كل لعل في القرآن فهي للتعليل إلا في موضع واحد، وهو قوله: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [سورة الشعراء:129]، بمعنى: كأنكم تخلدون، فإذا قلنا بهذا انحلت هذه الإشكالات، وبعض أهل العلم يقول: إن المراد بها الترجي ولكن الخطاب في القرآن قد يخرج بحسب نظر المخاطب، يراعى فيه المخاطب وهذا أنواع: تارة لأن المخاطب يعتقد ذلك وإن كان المتكلم لا يعتقده، ولهذا تجد الكلام في القرآن أحياناً على آلهة المشركين أو نحو ذلك يستعمل معها الصيغة التي تستعمل للعقلاء، {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا} [سورة الأعراف:195] يمشون، ما قال تمشي، لأنهم جعلوها آلهة، {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، أي: على رجائكما، ومثل قول الله -عز وجل- عن بعث يونس -عليه الصلاة والسلام- إلى قوم قال: {مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [سورة الصافات:147] أو يزيدون الله عالم بعدتهم، محيط بهم إحاطة كاملة لكن أحد الأجوبة عن هذا على هذه القاعدة أن الناظر إليهم يقول هذا، يعني: باعتبار حال المخاطب خرج الخطاب بهذه الصيغة، يعني: الناظر إليهم يقول: {مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}، فيكون على هذا الاعتبار: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، أي: على رجائكما.

والتذكر يحصل بهذه المخاطبة والدعوة والتذكير فيتعرف الإنسان ويتفطن ويرجع إلى ما كان غافلاً عنه، أو يخشى كما يحصل من البعض فيخاف من الله -تبارك وتعالى-، فالتذكر قد يورث الخشية، لكن التذكر ليس معناه الخشية، وإنما يحصل بالتذكر طرد الغفلة، والذهول، وما شابه ذلك، فالخشية تكون ناتجة عن ذلك، فالإنسان يتفكر ويحصل له من جراء ذلك التذكر، ويتذكر ويحصل له من جراء ذلك التفكر، وأما الخشية فهي نتيجة للتذكر والتفكر، فإن الإنسان قد يكون غافلاً فإذا حصل له هذا التذكر رجع وخشي الله -تبارك  وتعالى-، والخشية هي خوف مع علم بالمخوف منه.

وقوله -عز وجل-: {قَالاَ رَبّنَا إِنّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىَ * قَالَ لاَ تَخَافَا إِنّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىَ * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنّا رَسُولاَ رَبّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مّن رّبّكَ وَالسّلاَمُ عَلَىَ مَنِ اتّبَعَ الْهُدَىَ * إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنّ الْعَذَابَ عَلَىَ مَن كَذّبَ وَتَوَلّىَ} [سورة طه: 45-48]، يقول تعالى إخباراً عن موسى وهارون -عليهما السلام-، أنهما قالاً مستجيرين بالله تعالى شاكيين إليه: {إِنّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىَ} يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة أو يعتدي عليهما فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك، وقال الضحاك عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أو أن يطغى: يعتدي.

الطغيان هو مجاوزة الحد، كما قال الله -تبارك وتعالى-: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} جاوز حده، وقوله   -تبارك وتعالى- عن قول موسى -عليه الصلاة والسلام- مع هارون: {إِنّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىَ} قال: "يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة، أو يعتدي عليهما فيعاقبهما وهما لا يستحقان"، وقوله: {إِنّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا} يفرط علينا فسره ابن كثير -رحمه الله- بهذا، وبعضهم فسر يفرط بمعنى يعجّل علينا بالعقوبة، وهذا اختيار ابن جرير -رحمه الله-، {يَفْرُطَ} يعني: أن يعجل علينا بعقوبة، وهناك قراءة غير متواترة لابن عباس ومجاهد وعكرمة: {يُفْرِطَ} يعني يشتطّ، {يُفْرِطَ عَلَيْنَا} بمعنى: يشتط في العقوبة.

{قَالَ لاَ تَخَافَا إِنّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىَ}، أي: لا تخافا منه، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي.

وقوله: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مّن رّبّكَ}، أي: بدلالة ومعجزة من ربك.

قوله: {جِئْنَاكَ بِآيَةٍ} ليس المقصود آية واحدة، وإنما المقصود بالآية: الجنس، فيشمل الآيات التي جاء بها موسى -عليه الصلاة والسلام-، ولهذا قال الله -تبارك وتعالى-: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا}[سورة طه:56]، فجاء بصيغة الجمع، وهنا جاء بصيغة المفرد، فالآية جنس يشمل الواحد والعدد.

والآية يقول: "أي بدلالة ومعجزة من ربك"، هذا تفسير للآية، والآية تأتي في كلام العرب بمعنى العلامة، فما يعطيه الله -عز وجل- لأنبيائه -عليهم الصلاة والسلام- يدل على صدق ما جاءوا به، فهو علامة بهذا الاعتبار، ولهذا يقولون له: دلائل النبوة؛ لأنه يدل على نبوتهم، والسلف يسمون ما يقع ويجري على أيدي الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بنوعيه من الأمور التي فيها الإعجاز، والأمور التي لا إعجاز فيها كل ذلك يسمونه بالآيات، وهو الوارد في نصوص الكتاب والسنة، ويقال لها أيضاً: دلائل النبوة، وبعض ذلك يكون من قبيل المعجز مثل العصا، وبعض ذلك ليس من قبيل المعجز وذلك بما يعرف به صدقه من سيرته، فمثلاً النبي -صلى الله عليه وسلم- يقال له: الصادق الأمين، والآيات التي تكون على أيديهم من الأمور المعجزة تارة يراد بها التحدي، وتارة لا يراد بها التحدي، والأشاعرة والمتكلمون يُعرفون المعجزة: بأنها أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، وهذا ليس بصحيح، وإنما ذكروا هذا القيد: يراد به التحدي؛ لأنهم لم يفرقوا بين السحر والمعجزات إلا بهذا القيد فقط، وهذا غلط، فإن ما يجري على أيدي السحرة من الخوارق هي لا تخرق عادة الناس جميعاً، وإنما تخرق عادة غير السحرة، وأما السحرة فهي بالنسبة إليهم أمر معلوم ومقدور، والله أعلم.

{وَالسّلاَمُ عَلَىَ مَنِ اتّبَعَ الْهُدَىَ}، أي: والسلام عليك إن اتبعت الهدى، ولهذا لما كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل عظيم الروم كتاباً كان أوله: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد, فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين".

السلام هنا ليس المقصود به التحية، والدليل على هذا أنه لم يأت في أول الكلام، والتحية إنما تقال في أول اللقاء، فهنا خاطبه ثم قال له في ثنايا هذا الخطاب: {وَالسّلاَمُ عَلَىَ مَنِ اتّبَعَ الْهُدَىَ}، مما يدل على أن المراد -والله تعالى أعلم- السلام بمعنى السلامة، وهذا الذي عليه المحققون من المفسرين كابن جرير، واختاره ابن القيم، ومن المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحم الله الجميع.

ولهذا قال موسى وهارون -عليهما السلام- لفرعون: {وَالسّلاَمُ عَلَىَ مَنِ اتّبَعَ الْهُدَىَ * إِنّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنّ الْعَذَابَ عَلَىَ مَن كَذّبَ وَتَوَلّىَ}، أي: قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم أن العذاب متمحض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [سورة النازعات:37-39]، وقال تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [سورة الليل:14-16]، وقال تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [سورة القيامة:31-32]، أي: كذب بقلبه، وتولى بفعله.

وهذا من اللطف في هذا الخطاب، يقول له: {وَالسّلاَمُ عَلَىَ مَنِ اتّبَعَ الْهُدَىَ}، بعد أن قال: {جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ}، ويقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "أما قول موسى: {وَالسّلاَمُ عَلَىَ مَنِ اتّبَعَ الْهُدَىَ}، فليس بسلام تحية، فإنه لم يبتدئ به فرعون بل هو خبر محض، فإن من اتبع الهدى له السلام المطلق دون من خالفه، فإنه قال له: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى}، أفلا ترى أن هذا ليس بتحية في ابتداء الكلام ولا خاتمته؟ وإنما وقع متوسطاً بين الكلامين إخباراً محضاً عن وقوع السلامة وحلولها على من اتبع الهدى، ففيه استدعاء لفرعون وترغيب له بما جبلت النفوس على حبه وإيثاره، وأنه إن اتبع الهدى الذي جاءه به فهو من أهل السلام والله أعلم، وتأمل حسن سياق هذه الجمل وترتيب هذا الخطاب ولطف هذا القول اللين الذي سلب القلوبَ حسنُه وحلاوته مع جلالته وعظمته، كيف ابتدأ الخطاب بقوله: {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} وفي ضمن ذلك إنا لم نأتك لننازعك ملكك، ولا لنشُاركك فيه بل نحن عبدان مأموران مرسلان من ربك إليك، وفي إضافة اسم الرب إليه هنا دون إضافته إليهم استدعاء لسمعه وطاعته، كما يقول الرسول للرجل من عند مولاه: أنا رسول مولاك إليك، وأستاذك، وإن كان أستاذهما معاً، ولكن ينبهه بإضافته إليه على السمع والطاعة له، ثم إنهما طلبا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل ويخلي بينهم وبينهما ولا يعذبهم، ومن طلب من غيره ترك العدوان والظلم وتعذيب من لا يستحق العذاب فلم يطلب منه شططا ولم يرهقه من أمره عسراً، بل طلب منه غاية النصف، ثم أخبره بعد الطلب بثلاثة إخبارات، أحدها قوله تعالى: {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} فقد برئنا من عهدة نسبتك لنا إلى التقول والافتراء بما جئناك به من البرهان والدلالة الواضحة، فقد قامت الحجة، ثم بعد ذلك للمرسل إليه حالتان: إما أن يسمع ويطيع فيكون من أهل الهدى، {وَالسّلاَمُ عَلَىَ مَنِ اتّبَعَ الْهُدَىَ}، وإما أن يكذب ويتولى فالعذاب على من كذب وتولى، فجمعت الآية طلب الإنصاف وإقامة الحجة وبيان ما يستحقه السامع المطيع، وما يستحقه المكذب المتولي بألطف خطاب وأليق قول وأبلغ ترهيب وترغيب"([2]).

{قَالَ فَمَن رّبّكُمَا يَا مُوسَىَ * قَالَ رَبّنَا الّذِيَ أَعْطَىَ كُلّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَىَ * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَىَ * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِي كِتَابٍ لاّ يَضِلّ رَبّي وَلاَ يَنسَى} [سورة طه:49-52]، يقول تعالى مخبراً عن فرعون أنه قال لموسى منكراً وجود الصانع الخالق إله كل شيء وربه ومليكه، قال: {فَمَن رّبّكُمَا يَا مُوسَىَ}، أي: الذي بعثك وأرسلك من هو؟! فإني لا أعرفه وما علمت لكم من إله غيري، {قَالَ رَبّنَا الّذِيَ أَعْطَىَ كُلّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَىَ}، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: يقول خلق لكل شيء زوجه، وقال الضحاك عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: جعل الإنسان إنساناً، والحمار حماراً، والشاة شاة، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: أعطى كل شيء صورته، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: سوّى خلق كل دابة، وقال سعيد بن جبير في قوله: {أَعْطَىَ كُلّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَىَ} قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئاً من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح، وقال بعض المفسرين: أعطى كل شيء خلقه ثم هدى كقوله تعالى: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}، أي: قدر قدَراً وهدى الخلائق إليه، أي: كتب الأعمال والآجال والأرزاق ثم الخلائق ماشون على ذلك لا يحيدون عنه ولا يقدر أحد على الخروج منه.

يقول: ربنا الذي خلق الخلق، وقدر القدر، وجبل الخليقة على ما أراد.

قوله -تبارك وتعالى-: {الّذِيَ أَعْطَىَ كُلّ شَيءٍ خَلْقَهُ} نقل الحافظ ابن كثير -رحمه الله- عن ابن عباس     -رضي الله عنهما- قوله: "خلق لكل شيء زوجاً"، بمعنى: لكل ذكر ما يوافقه من الإناث، هذا الذي قصده ابن عباس -رضي الله عنهما- وبه قال بعض المفسرين، واختاره الفراء، وابن جرير -رحمه الله- يقول: إنه أعطى نظير خلقه في الصورة والهيئة، فالذكور من بني آدم أعطاهم نظير خلقهم من الإناث مثلاً وهي الزوجات، وهكذا أيضاً سائر أنواع الحيوان جعل لها نظير خلقها من الزوجات، والأقوال التي هنا وردت عن ابن عباس: "جعل الإنسان إنساناً، والحمار حماراً، والشاة شاة"، {أَعْطَىَ كُلّ شَيءٍ خَلْقَهُ}، يعني: أن الله خلق هذا الخلق متفاوتاً، وأعطى كل خلق ما يليق به، فنوّع هذه المخلوقات، ولهذا يقول مجاهد: "أعطى كل شيء صورته"، وقوله: "سوّى خلق كل دابة"، وهكذا قول من قال: "أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة ولا الدابة ... إلى آخره"، هذه الأقوال كلها -والله تعالى أعلم- تدخل في معنى الآية، {أَعْطَىَ كُلّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَىَ} الخلق يعني: أن الله ركبه وصوره وجعله في حال يصلح لمثله مما أراد الله -تبارك وتعالى- له، وهذا يشمل الصور والهيئات في الظاهر، كما أنه يشمل تنويع هذا الخلق، فإذا نظرت إلى المخلوقات تجد أن الله فاوت بينها غاية التفاوت، فأعطى الله -تبارك وتعالى- الدواب في البحر هيئة غير هيئة الدواب التي في البر، وفاوت بين هذه الدواب التي تكون في البحر، كما فاوت بين الدواب التي تكون في البر، فخلْق هذه الأسماك يختلف عن خلْق الجمل والفيل، كما أن خلق الزرافة يختلف عن خلق الشاة، وهكذا في الزواحف نوّعها وجعل خلقها في الجملة مغايراً لخلق ما يمشي أو يدب على أربع، وجعل من هذه المخلوقات ما يمشي على رجلين، ومنه ما يطير في الهواء، فنوّع هذه الصور والأشكال، وجعل الإنسان في أحسن تقويم، فالآية تشمل -والله تعالى أعلم- هذا كله، حتى في الأجزاء والأبعاض فاليد جعلها بهذه الصورة تصلح للقبض والبسط والأخذ ونحو ذلك، ركبها بهذا التركيب: الكف، والأصابع، وجعل فيها هذه المفاصل؛ لتسهل فيها الحركة، ويحصل المقصود والانتفاع منها، وجعل فيها هذه الأنامل اللطيفة بأطرافها وشدها بالأظفار، ويستطيع صاحبها أن يعقد بها ويربط، ويستطيع أن يتصرف سائر التصرفات، وجعل الرِّجل بهيئة أخرى لا تصلح للربط، والأخذ، والعطاء، وإنما تصلح للمشي فركبها تركيباً خاصاً، كما ركب الله -تبارك وتعالى- سائر بدن الإنسان، وجعل العين غير صورة الأذن، فالأذن للسماع جعل فيها هذه التجاويف، والعين للنظر جعلها بهذه الصورة البديعة، وقل مثل ذلك في سائر الأشياء، فالآية تشمل هذا كله، -والله تعالى أعلم-، وهذا الذي رجحه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} خلْقه اللائق به، {أَعْطَىَ كُلّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَىَ}، يعني: هداه لما يصلحه، هذه المخلوقات هداها لما تقوم به معايشها، ويحصل بقاؤها ودوامها، فالسباع تخرج لها أنياب، وتقبل على لون من المطعوم يختلف عما يقبل عليه غيرها، فالطائر جعل الله له منقاراً فهو يلتقط به، ويأكل الحب ونحو ذلك، والشاة جعل الله -عز وجل- لها خلقاً آخر تقبل على لون من الطعام من غير تعليم، خِلقة، والصغير يخرج من بطن أمه ويلتقم الثدي من غير أن يُعلم ويُدرب على ذلك، ومن تأمل ونظر في هذه المخلوقات وجد العجب العجاب، كيف هذه المخلوقات تعرف هذه الأمور وتهتدي إليها؟!، وكيف النحل يبني هذه الخلايا، بهذه الطريقة العجيبة؟!، ولو أُخذ صغار النحل ووضع في مكان معزول فإنه يبني خليته بنفس الطريقة التي يبني بها النحل خلاياه في أي مكان على وجه الأرض، فالله -تبارك وتعالى- علمها هذا، وهداها إليه، فسبحانه مِن خالق حكيم.

قال العلامة الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}: "فيه للعلماء أوجه لا يكذب بعضها بعضاً، وكلها حق، ولا مانع من شمول الآية لجميعها، منها: أن معنى {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} أنه أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة، كالذكور من بني آدم أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجاً، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الإناث أزواجاً، فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هدى الجميع لطريق المنكح الذي منه النسل والنماء، كيف يأتيه، وهدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب وغير ذلك.

وهذا القول مروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- من طريق علي بن أبي طلحة، وعن السدي وسعيد بن جبير، وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- أيضاً: {ثُمَّ هَدَى}، أي: هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة.

وقال بعض أهل العلم: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، أي: أعطى كل شيء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه، وهذا مروي عن الحسن وقتادة.

وقال بعض أهل العلم: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، أي: أعطى كل شيء صورته المناسبة له. فلم يجعل الإنسان في صورة البهيمة، ولا البهيمة في صورة الإنسان، ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له، فقدره تقديراً، كما قال الشاعر:

وله في كل شيء خِلقة *** وكذاك الله ما شاء فعل.

يعني بالخلقة: الصورة، وهذا القول مروي عن مجاهد ومقاتل وعطية وسعيد بن جبير، {ثُمَّ هَدَى} كلَّ صنف إلى رزقه وإلى زوجه.

وقال بعض أهل العلم: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ}، أي: أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف والرِّجل واللسان وغيرها، كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير نابٍ عنه، وهذا القول روي عن الضحاك، وعلى جميع هذه الأقوال المذكورة فقوله تعالى: {كُلَّ شَيْءٍ} هو المفعول الأول لـ {أَعْطَى}، و{خَلْقَهُ} هو المفعول الثاني"([3]).

الإمام ابن القيم -رحمه الله- يرد بقوة على من يقول بأن المقصود بـ: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} أي: أعطى الذكور ما يناسبها من الإناث، ويوافق خلقها، ويقتصر على هذا المعنى، فيقول -رحمه الله تعالى-: "قال مجاهد: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} لم يعط الإنسان خلق البهائم ولا البهائم خلق الإنسان، وأقوال أكثر المفسرين تدور على هذا المعنى، قال عطية ومقاتل: أعطى كل شيء صورته، وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، والمعنى: أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خُلق له، ثم هداه لما خلق له وهداه لما يصلحه في معيشته ومطعمه ومشربه ومنكحه وتقلبه وتصرفه، هذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين، فيكون نظير قوله: {قَدَّرَ فَهَدَى} [سورة الأعلى:3] وقال الكلبي والسدي: أعطى الرجل المرأة، والبعير الناقة، والذكر الأنثى من جنسه، ولفظ السدي أعطى الذكر الأنثى: مثل خلقه ثم هدى إلى الجماع، وهذا القول اختيار ابن قتيبة والفراء، قال الفراء: أعطى الذكر من الناس امرأة مثله، والشاة شاة والثور بقرة ثم ألهم الذكر كيف يأتيها، قال أبو إسحاق: وهذا التفسير جائز؛ لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى ولم ير ذكراً قد أتى أنثى قبله، فألهمه الله ذلك وهداه إليه، قال: والقول الأول ينتظم هذا المعنى؛ لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة، قلت: أرباب هذا القول هضموا الآية معناها؛ فإن معناها أجل وأعظم مما ذكروه، وقوله: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ} يأبى هذا التفسير؛ فإنّ حمْل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصة ممتنع لا وجه له، وكيف يخرج من هذا اللفظ الملائكة والجن ممن لم يتزوج من بني آدم، ومن لم يسافد من الحيوان، وكيف يسمى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقاً له؟ وأين نظير هذا في القرآن؟ وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه، ذكره بأدل عبارة عليه وأوضحها فقال: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى} [سورة النجم:45]، فحمْلُ قوله: {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} على هذا المعنى غير صحيح فتأمله، وفي الآية قول آخر قاله الضحاك قال: أعطى كل شيء خلقه: أعطى اليد البطش، والرِّجل المشي، واللسان النطق، والعين البصر، والأذن السمع، ومعنى هذا القول أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له، والخلق على هذا بمعنى المفعول، أي: أعطى كل عضو مخلوقه الذي خلقه له، فإن هذه المعاني كلها مخلوقة لله أودعها الأعضاء وهذا المعنى وإن كان صحيحاً في نفسه لكن معنى الآية أعم، والقول هو الأول وأنه سبحانه أعطى كل شيء خلقه المختص به، ثم هداه لما خلق له، ولا خالق سواه سبحانه ولا هادي غيره، فهذا الخلق وهذه الهداية من آيات الربوبية ووحدانيته، فهذا وجه الاستدلال على عدو الله فرعون"([4]).

{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَىَ} أصح الأقوال في معنى ذلك أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره، فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله وهو اللوح المحفوظ، وكتاب الأعمال.

قوله: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَىَ} ما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هو الذي عليه عامة المفسرين -أنه من المعنى- {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَىَ} لم يتعرفوا على هذا المعبود، ويتقربوا إليه ويفردوه بالعبادة؟، يدعوه إلى التوحيد والإيمان ويحتج عليه فرعون بالقرون التي وقع منها الإشراك، وترك عبادة الله -عز وجل-، هذا هو المعنى الذي تدل عليه الآية -والله تعالى أعلم-، وهو الذي اختاره ابن جرير ورجحه ابن القيم، وبعضهم يقول: إنه أراد المغالطة لما خشي أن ينقطع ويظهر عجزه جعل يشغب بهذا فيسأل موسى {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَىَ}، يعني: أخبرنا عما جرى لهم، ووقع لهم من الحوادث ونحو ذلك؟، وإنما ما بال القرون الأولى لم يعبدوه؟، والله تعالى أعلم.

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "ولهذا لما علم فرعون أن هذه حجة قاطعة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه عدل إلى سؤال فاسد عن وارد فقال: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَىَ}، أي: فمال القرون الأولى لم تقر بهذا الرب ولم تعبده بل عبدت الأوثان؟، والمعنى لو كان ما تقوله حقاً لم يخفَ على القرون الأولى ولم يهملوه، فاحتج عليه بما يشاهده هو وغيره من آثار ربوبية رب العالمين، فعارضه عدو الله بكفر الكافرين به، وشرك المشركين، وهذا شأن كل مبطل؛ ولهذا صار هذا ميزاناً في ورثته يعارضون نصوص الأنبياء بأقوال الزنادقة، والملاحدة وأفراخ الفلاسفة، والصابئة والسحرة ومبتدعة الأمة وأهل الضلال منهم، فأجابه موسى عن معارضته بأحسن جواب فقال: {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} [سورة طه:52]، أي: أعمال تلك القرون وكفرهم، وشركهم معلوم لربي قد أحصاه وحفظه وأودعه في كتاب فيجازيهم عليه يوم القيامة، ولم يودعه في كتاب خشية النسيان والضلال فإنه سبحانه لا يضل ولا ينسى، وعلى هذا فالكتاب هاهنا كتاب الأعمال، وقال الكلبي: يعني به اللوح المحفوظ، وعلى هذا فهو كتاب القدر السابق، والمعنى على هذا أنه سبحانه قد علم أعمالهم وكتبها عنده قبل أن يعملوها، فيكون هذا من تمام قوله: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} فتأمله"([5]).

{لاّ يَضِلّ رَبّي وَلاَ يَنسَى}، أي: لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئاً، يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئاً، تبارك وتعالى وتقدس وتنزه، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك.

قوله -تبارك وتعالى-: {لاّ يَضِلّ رَبّي} لا يضل: أقوال المفسرين ترجع -والله تعالى أعلم- إلى معنى هذه اللفظة، فإن كلمة ضل بمعنى ذهب وتلاشى وغاب واضمحل ونحو ذلك، {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [سورة السجدة:10] بمعنى: غابوا وتفرقت أبعاضهم وأجزاؤهم فيها، تحللوا فيها، وهكذا الذهاب عن حقيقة الشيء يقال له ضلال، كما قال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب -عليه الصلاة والسلام-: {إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ} [سورة يوسف:95]، يعني: الذهاب عن الحق في حقيقة ما جرى ليوسف -عليه الصلاة والسلام-، ولم يقصدوا بهذا أنه ضل بضلاله يعني: الكفر، وإلا لكانوا كفاراً بذلك؛ لأنه نبي -عليه الصلاة والسلام-، وهكذا أيضاً حينما قال الله -تبارك وتعالى-: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [سورة الضحى:7] فسر بأنه ذاهب عن حقيقة النبوة، والوحي، فهداه الله -عز وجل- لذلك، فهنا: {لاّ يَضِلّ رَبّي وَلاَ يَنسَى}، يعني: لا يقع منه الخطأ بمعنى الذهاب عن حقيقة الشيء، ولا يغيب عنه شيء من الأشياء كما هو الحاصل بالنسبة للآدميين، والنسيان هو الذهول عن المعلوم، والفرق بين النسيان وبين السهو أن السهو يكون المعلوم مكتناً في الذهن يحتاج فقط إلى تنبيه، سها عن كذا، بخلاف نسي،

ذهاب ما علم قُل نسيان *** والعلم في السهو له اكتنانُ

فإذا حفظ الإنسان آية ثم نسيها، يقال لهذا: نسيان، وإذا حصل له ذهول عارض عنها يقال: سها عنها، فهي في ذهنه معلومة فلو نُبه لتنبه، فالله -تبارك وتعالى- لا يرد عليه الخطأ، ولا يذهب عنه شيء من الأمور ولا يفوته شيء من الأشياء، ولا ينسى، وعلم الله -تبارك وتعالى- لا يحصل له ما يحصل لعلم البشر من الأمور العارضة حيث إن هذا المعلوم بالنسبة للبشر يحصل له شيء من التغيب عن الذهن، فيعجز الإنسان عن استحضاره واسترجاعه، لكن علمه تعالى محيط لا يخفى عليه خافية، ولا تعرض له العوارض التي يحصل فيها الضعف والخطأ والعجز، والله أعلم.


 

[1] - رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [سورة طه:41]، برقم (4459)، ومسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى -عليهما السلام-، برقم (2652).

[2] - بدائع الفوائد، لابن القيم (2/396).

[3] -  أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للعلامة الشنقيطي (4/19).

[4] - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام ابن القيم الجوزيه (78-79).

[5] - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم (79).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about