تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 17 / ربيع الأوّل / 1441 - 14 / نوفمبر 2019
[1] قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} الآية:1
تاريخ النشر: ٢١ / محرّم / ١٤٢٧
مرات الإستماع: 201481

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [سورة الطلاق:1].

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير صدر سورة الطلاق: خوطب النبي ﷺ أولًا تشريفًا وتكريمًا، ثم خاطب الأمة تبعًا فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [سورة الطلاق:1].

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا مما يورده الأصوليون عادة للتدليل على أن الخطاب للنبي ﷺ خطاب لأمته، فقال الله : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ثم قال: إِذَا طَلَّقْتُمُ بالجمع، فَطَلِّقُوهُنَّ وَأَحْصُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، لَا تُخْرِجُوهُنَّ، ولا يظهر من ذلك أن الخطاب للمفرد الذي يراد تعظيمه؛ لأن المفرد إذا خوطب على وجه التعظيم يقال له: أنتم ويخاطب خطاب الجمع، لكن هنا لا يظهر من كل هذه الضمائر والصيغ التي للجمع وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ، وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  [سورة النساء:19] إلى غير ذلك.

والخطاب للنبي ﷺ الأصل أنه خطاب للأمة، إلا لدليل يدل على الاختصاص كقوله: خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [سورة الأحزاب:50]، وأحيانًا يأتي معه ما يدل على العموم مثل هذه هنا في سورة الطلاق، وأحيانًا يخلو من القرينة، كقوله تعالى في أول سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ [سورة الأحزاب:1، 2].

فالحاصل أن هذا الذي يخلو من القرينة يكون متوجهًا إلى الأمة، فصار على ثلاث صور: ما وجد معه ما يدل على الاختصاص به فهو خاص، ما وجدت قرينة تدل على التعميم فهو عام، ما لم توجد فيه قرينة فالأصل أنه متوجه لعموم الأمة، والنبي ﷺ داخل معها، والله أعلم.

وروى البخاري أن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- طلق امرأة له وهي حائض فذكر عمر لرسول الله ﷺ فتغير رسول الله ﷺ ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر بها الله -عز وجل[1].

يقول: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ يعني طلقوهن مستقبلات لعدتهن، ومعنى ذلك أن المرأة لا يجوز أن تُطلَّق إلا في حالين، إما أن تكون طاهرًا في طهر لم يجامعها فيه، والحال الثانية أن تكون حاملًا قد تبيّن حملها، وما عدا ذلك فهو طلاق بدعة، ويأتي على حال كونها قد طلقت وهي حائض فهذا لا يجوز، والخلاف فيه مشهور هل يقع أو لا يقع؟ والنبي ﷺ يقول: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد[2].

والصورة الثانية المحرمة: أن يطلقها في طهر جامعها فيه، فهذا لا يجوز أيضًا فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وهنا في حديث ابن عمر وهو مدار خلاف كثير في هذه المسألة، فعامة هذا الخلاف يرجع إلى هذا الحديث، وهو أن النبي ﷺ أمره أن يراجعها، هل حسبت تطليقة أو لم تحسب تطليقة؟ وليس هذا محل البحث في هذه المسألة، ولكن الإشارة إلى هذه الأحكام؛ لأن هذا هو منهج الحافظ ابن كثير -رحمه الله.

فمن أهل العلم من يقول: حسبت تطليقة، فالطلاق البدعي يقع مع الإثم، ومنهم من يقول: لم تحسب تطليقة، والنبي ﷺ يقول:  من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد فهذا لا يقع.

فالمقصود أن النبي ﷺ غضب وقال: مُره فليراجعها أو قال: ليراجعها كما في الرواية هنا، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم قال: ثم تحيض فتطهر بمعنى أن من طلقت في حال الحيض مثلًا يجب عليه أن يراجعها حتى تطهر، ولا يجوز أن يطلقها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقت فيه، بل تحيض مرة أخرى ثم تطهر.

ولهذا كان من شرطه أيضًا –أي الطلاق الصحيح-أن لا يكون في طهر قد سبقه حيض وقع فيه طلاق، يعني على الإنسان ابتداءً أن يطلق في طهر لم يجامع فيه، أو وهي حامل، وأن يكون الطلاق واحدة، لا يطلق ثلاثًا أو اثنتين في عدة واحدة، لا بلفظ واحد ولا بألفاظ متعددة، العدة الواحدة طلقة واحدة، وإن وقع منه تطليق بدعي في الحيض الذي جامعها فيها، فإنه لا يجوز أن يوقع الطلاق في طهر سبقه حيض قد طلق فيه، فهذه أمور يجب أن تراعى في الطلاق.

وأكثر الناس بمنأى عن هذا، فإذا غضب طلق، وأغلب الحالات لا يخلو إما أن يكون طلقها في طهر جامعها فيه، أو وهي حائض، والمشكلة أن هؤلاء لا يسأل أكثرهم فضلًا عن أن يذهب إلى القاضي ويحكم له في هذه المسألة، ورأينا بعض من طلق تسع مرات في سنين، وهي عنده ولا يسأل، ومنهم من يقول: سألت إمام المسجد، فقال لي: هذا غير محسوب، وبعضهم يقول: قال لي أطعم عشرة مساكين، وأشياء في غاية الغرابة، ويبقى على امرأته يعاشرها بالحرام.

والناس يتساهلون في هذا كثيرًا، وأحيانًا يردها أهلها عليه، يقولون: معكِ منه عيال نحن لا نستقبلك، حتى ولو طلقها ست مرات متفرقة، فتبقى معه كلما جاءت ردوها عليه، وهو ليس عنده أي استعداد أن يذهب إلى القاضي، وإذا فحصت في تاريخ هذا الطلاق منه ما وقع في حيض، وأكثره وقع في طهر جامع فيه، ولا يوجد أحد وإلى ساعتي هذه يسأل قبل أن يطلق إلا واحدًا -إلى يومي هذا- قبل نحو عشر سنوات، أما الذين يسألون عادة فهم يسألون بعدما طلقوا فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ

ولو أن الناس مشوا على هذا لتخلصوا من كثير كما ذكرنا؛ لأن المرأة غالبًا إما حائض وإما في طهر قد جامع فيه، حينما يغضب فلا يجوز له أن يطلقها في هذه الحال، فلابد أن ينتهي هذا الطهر، ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها، وإذا بالغضب قد زال.

هكذا رواه البخاري هاهنا، وقد رواه في مواضع من كتابه، ومسلم ولفظه: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء"، وأمَسُّ لفظ يورد هاهنا ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- وأبو الزبير يسمع: كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضًا، فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: ليراجعها فردها وقال: إذا طهرت فليطلق أو يمسك قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُل عدتهن[3].

{قُبُل عدتهن} يعني: مستقبلات لعدتهن.

وعن عبد الله في قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال: الطهر من غير جماع، وروي عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- وعطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة وميمون بن مهران ومقاتل بن حيان مثل ذلكن وهو رواية عن عكرمة والضحاك.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة.

وقال عكرمة: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ العدة الطهر، والقُرء الحيضة أن يطلقها حبلى مستبينًا حملها، ولا يطلقها قد طاف عليها ولا يدري حبلى هي أم لا، ومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه إلى طلاق سنة، وطلاق بدعة، فطلاق السنة: أن يطلقها طاهرة من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها، والبدعة: هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا، وطلاق ثالث لا سنة فيه ولابدعة، وهو طلاق الصغيرة، والآيسة، وغير المدخول بها.

وقوله تعالى: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ أي: احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها؛ لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج، وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ أي: في ذلك.

من أهل العلم من يقول: إن الخطاب في قوله: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ متوجه للأزواج، ومنهم من يقول: متوجه للأمة عمومًا، ولا منافاة، الرجل يجب عليه أن يحصي العدة، من أجل أن يعرف إذا أراد أن يراجع، وكذلك المرأة عليها أن تحسب من أجل أن تعرف حالها، والرجل يسألها هل حضتِ أو طهرتِ، فلا يمكن أن يكون الجواب بأنها لم تحسب ذلك مثلًا أو لم تتفطن له، فقد تنتهي عدة المرأة في حالات قليلة أو نادرة في شهر واحد، تحيض ثلاث مرات، وإذا ادعت المرأة هذا وجاءت بما يدل عليه أو يثبته أو سُئلت قريباتها فوُجدن كذلك يحضن في الشهر ثلاث مرات، فإنه يقبل قولها؛ لأن المرأة كما قال الله : وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة البقرة:228].

قد تستعجل المرأة الخلاص من الرجل إما لأنها تريد أن تتزوج آخر أو غير ذلك، فقد تدعي أنها حاضت ثم طهرت، ثم حاضت ثم طهرت، ثم حاضت ثم طهرت، تخفي وتكتم ما خلق الله في رحمها من الحيض مثلًا، من الأقراء، وقد تكتم ما خلق الله في رحمها من الحمل -يتبيّن حملها، وتكتم ذلك عن الرجل لأنها تعرف أن العدة معه ستطول فتكتم هذا الحمل من أجل الخلاص منه، تقول: إنها حاضت -وهي ما حاضت- ثم طهرت ثم حاضت حتى تتخلص، وهذا لا يجوز.

وفي قوله تعالى: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ أي: في مدة العدة، لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه.

البيت لو كان ملكًا لها فهذا لا يحتاج إلى تنبيه، ولكنه للزوج، ونسب إليها لكونها المنتفعة به، كما قال الله في أزواج النبي ﷺ: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [سورة الأحزاب:34]، وهي بيوت النبي ﷺ، فنسبها إليهن لكونهن المنتفعات بهذه البيوت، بهذا الاعتبار، فهنا قال الله تعالى: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ أي: بيوتكم، فنسبها إليهن لأنهن ساكنات في هذه البيوت، فلا يجوز له أن يخرجها من هذا البيت بالطلاق، أي: الطلاق الرجعي، فيَخرجُ من هذا الطلاق البائن سواء كان ذلك وقع على امرأة قبل الدخول؛ لأن الرجل بمجرد ما يطلق المرأة قبل الدخول تبين منه، وليس عليها عدة.

والفرق بين عدة الوفاة والطلاق واضح، فلو أن رجلًا تزوج امرأة عقد على امرأة ومات قبل أن يدخل بها فعليها العدة، ولها الميراث، هذا في الوفاة، كما يقول الفقهاء رحمهم الله: لو تزوج مشرقي بمغربية، يمكن ما رآها تزوجها في التلفون أو بوكالة، فمات فعليها العدة أربعة أشهر وعشر، ولها الميراث.

أما في الطلاق فإن طلق قبل الدخول، فبمجرد ما يتلفظ بالطلاق انتهى كل شيء، وتصير أجنبية فإذا أرادها لابد أن يخطبها من جديد، وأن يعقد عليها ويدفع مهرًا، ولابد من شهود وولي، وكذلك إذا كان هذا الطلاق بائنًا -هذه الطلقة الثالثة- فإنها تعتد في بيت أهلها أو في مكان آخر، ولا يلزمه في حقها لا سكنى ولا نفقة إلا أن تكون حاملًا فإنه ينفق عليها كما يأتي في قوله تعالى: وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [سورة الطلاق:6].

فالمطلقة البائنة لا سكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملًا فلها النفقة، فقوله: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ يحمل على الطلاق الرجعي، الطلقة الأولى والثانية في المدخول بها، وبهذا نعرف أن عامة ما عليه الناس اليوم من التفريط في هذا أنه خطأ، فإذا طلقها ذهب بها إلى بيت أهلها، وهذا لا يجوز؛ لأن ذلك أدعى لعدم المراجعة، لكن إن بقيت عنده تتزين له هذه المدة كلها، فإن كانت المسألة غضبة فستنتهي قطعًا، إلا أن تكون عند الرجل قناعة راسخة رسوخ الجبال أن هذه المرأة لا تصلح له، وإلا فإن الرجل لا يمكن أن يصبر عن امرأته هذه المدة كلها وهي عنده في البيت، فهناك فرق بين الذي لم يتزوج وبين المتزوج.

ولهذا قال العلماء -رحمهم الله- في علة الرجم للزاني المحصن، قالوا: من اعتاد النساء لا يستطيع أن يصبر عنهن، بخلاف الذي ما تزوج أصلًا يصبر الدهر كله، وفطام النفس عن المألوف أمر في غاية الصعوبة، فالرجل هذا إذا كان غاضبًا لا يمكن أن يستطيع الجلوس هذه المدة كلها أبدًا إلا بقناعة أن هذه المرأة لا تصلح له.

فليس للرجل أن يخرجها ولا يجوز لها أيضًا الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضًا.

من أهل العلم من قال: إن عدة الطلاق أشد من عدة الوفاة، فعدة المطلقة طلاقًا رجعيًا لا يجوز فيها أن تخرج ليلًا ولا نهارًا، كما قال أبو حنيفة -رحمه الله، وعدة الوفاة تخرج لحوائجها نهارًا فيما لا يقوم غيرها مقامها فيها، العدة الرجعية بعض العلماء قال: لا تخرج لا ليلًا ولا نهارًا، والأقرب: أنها تخرج فيما لابد لها منه، ولكنها تبيت في بيتها.

ومنهم من قال: تخرج نهارًا ولا تخرج ليلًا، وهي أسهل من البائن، مع أن البائن تعتد ولا تخرج إلا لما لابد منه، لكن الرجعية هي معتدة عن الزوج، ولعله يراجعها، فإذا كانت كل النهار خارجة أو تخرج في الليل فتكون احتمالات الرجعة أقل، لكنها تجلس عنده تقابله، كلما دخل وجدها في البيت، ففي هذه الحالة لعله كما قال الله : لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا وهو الرجعة، هذه من حكمة الشارع في تقليل نسب الطلاق ولم الشمل، بدلًا من هذا الشتات والتفرق.

وقوله تعالى: إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ أي: لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة، فتُخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل الزنا كما قاله ابن مسعود وابن عباس -رضي الله تعالى عنهم، وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، وأبو قلابة وأبو صالح والضحاك وزيد بن أسلم وعطاء الخرساني والسدي وسعيد بن أبي هلال وغيرهم.

معناها أنها إذا زنت تخرج من هذا البيت لإقامة الحد.

وتشمل ما إذا نشزت المرأة أو بَذّت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، كما قاله أبي بن كعب وابن عباس -رضي الله تعالى عنهم- وعكرمة وغيرهم.

وقد يدل على هذا قراءة أبيّ {إلا أن يَفحُشن عليكم} ليست متواترة، والقراءة الأحادية كما ذكرنا مرارًا تفسر المتواترة، ولهذا حمله كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- على العموم إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يعني يدخل فيه معصية الله بالزنا أو البذاء والتطاول على الزوج أو الأحماء، بحيث تكون المرأة في حال من الهيجان وسوء الأدب فتؤذيهم وتتطاول عليهم بلسانها فتسبهم، فتقلب حياتهم إلى شيء من الضيق والنكد وما أشبه ذلك، فيتخلص منها، يقول لها: اذهبي إلى أهلك، في هذه الحالة، أما من غير هذا فلا، وهو الأقرب، والله تعالى أعلم.

ويدخل في قوله: إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ النشوز والتطاول والإساءة للزوج والأحماء، ويدخل فيه الزنا، وما إلى ذلك مما قد يضطر معه الزوج إلى إبعادها إلى أهلها، والحالات كثيرة جدًا التي نسمع عنها من كلام الأزواج وسؤالهم.

يعني تكون المرأة أحيانًا لا تلتزم بأمره في العدة فتقول: أنا أخرج كما أريد، وتخرج إلى أين؟ تتصل بالتاكسي وتركب معه، مرة تذهب إلى السوق، ومرة تذهب إلى معرض، ومرة تذهب إلى صديقاتها كما تزعم، ومرة تذهب إلى نزهة، ومرة تقول ما تدري أين تذهب، وأنا مسئول عنها ولا أستطيع أن أسيطر، وهي تقول: ما تستطيع أن تمنعني من شيء، فكل ما بوسعك افعله، وكل وسيلة أستطيع استخراج حقي فيها لو مددت يدك عليّ فسأفعلها، ولن أسكت ولن أتنازل، خاصة إذا كان في بلد يمكّنها النظام من هذا، تتصل بالشرطة ويعتقلونه؛ لأنه ضربها. 

وبعضهم يقول: إنه يعرف أنها تخرج لتعاشر الرجال وتخرج تواعدهم يقول: إنْ ضربتُها اتصلت على الشرطة، وإن سكتُّ سكتُّ على أمر عظيم، وهي تتحداني وتقول للأولاد: هاتوا السكين من المطبخ، خلوه يذبحني يقطعني، الشيء الذي أنا أقتنع فيه والطريق الذي أريد سلوكه سأسلكه، ولن تستطيع أن تقف في وجهي، هذا الرجل يسأل بهذه الطريقة عن امرأته قبل فترة قريبة، ماذا أصنع لها؟ النظام يحميها في ذلك البلد، الأنظمة المضيعة للأعراض، أعراض الناس ودمائهم بهذه الطريقة، زوج يتفرج على امرأته تزني، تفعل ما تريد ومحمية.

وقوله تعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي: شرائعه ومحارمه، وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ أي: يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها، فقد ظلم نفسه أي بفعل ذلك.

وقوله تعالى: لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة لعل الزوج يندم على طلاقها، ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها، فيكون ذلك أيسر وأسهل.

قال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- في قوله تعالى: لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا قالت: هي الرجعة، وكذا قال الشعبي وعطاء وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والثوري.

بعض أهل العلم يقول بأن الفاحشة المبينة: هي عقوق الزوج والنشوز وما أشبه ذلك من المعاني، ومن أهل العلم من جعلها على ثلاثة أنواع: فإذا عُرفت "بأل" فهي الزنا وما في معناه وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ [سورة النساء:15]، وإذا ذكرت منكّرة فهي الذنب العظيم، وإذا ذكرت مقيدة بالبيان، كما في قول الله عن أزواج النبي ﷺ: مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ [سورة الأحزاب:30] قالوا: معناه النشوز والتطاول على الزوج وما أشبه ذلك، وهذا لا دليل عليه، فالفاحشة هي الذنب العظيم، وكثيرًا ما تطلق في عرف الاستعمال على الزنا وما في معناه.

وهنا بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يدخل فيها هذا ويدخل فيها الذنوب العظام الأخرى، وأما قوله: لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا فلا شك أنه الرجعة.

ومن هاهنا ذهب من ذهب من السلف ومن تابعهم إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة.

لا تجب السكنى للمبتوتة؛ لأنه لا سبيل إلى مراجعتها أصلًا، ولهذا الله -تبارك وتعالى- لم يوجب عليه أن يبقيها في بيته أو البيت الذي هي ساكنة فيه: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ لأنه لا سبيل إلى الرجعة، والعلة من بقائها عنده الرجعة، فالمبتوتة لا سبيل إليها فلا سكنى لها، سواء كانت طلقة ثالثة أو حتى التي طلقت طلقة واحدة تبين منه بمجرد الطلاق، ولا عدة عليها أصلًا، فهذه لا يقال: إنها تسكن عنده مدة من الزمان مثلًا؛ لأن هذا لا معنى له.

واعتمدوا أيضًا على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية -رضي الله تعالى عنها- حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص -رضي الله تعالى عنه- آخر ثلاث تطليقات، وكان غائبًا عنها باليمن فأرسل إليها بذلك، فأرسل إليها وكيله بشعير يعني نفقة فتسخّطته فقال: والله ليس لك علينا نفقة، فأتت رسول الله ﷺ فقال: ليس لك عليه نفقة[4]، ولمسلم: ولا سكنى، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدِّي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك[5] الحديث.

وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ فقال: فقال رسول الله ﷺ: انظري يا بنت آل قيس إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى، اخرجي فانزلي على فلانة، ثم قال: إنه يُتحدث إليها، انزلي على ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا يراك[6] وذكر تمام الحديث.

وهذا نص صريح واضح بأن النفقة والسكنى تجب على الزوج إذا كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن كذلك فلا سكنى ولا رجعة إلا أن تكون حاملًا لقوله تعالى: وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ [سورة الطلاق:6].

وروى أبو القاسم الطبراني عن عامر الشعبي أنه دخل على فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس القرشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إليّ وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي فسألت أولياءه النفقة عليّ والسكنى فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئًا ولا أوصانا به، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبا عمرو بن حفص أرسل إليّ بطلاقي فسألت أولياءه السكنى والنفقة عليّ فقال أولياؤه: لم يرسل إلينا في ذلك بشيء، فقال رسول الله ﷺ: إنما السكنى والنفقة للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره فلا نفقة لها ولا سكنى[7]، وكذا رواه النسائي.
  1. رواه البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الطلاق، برقم (4625)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها، برقم (1471).
  2. رواه مسلم، من حديث عائشة -رضي الله عنها، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم (1718).
  3. رواه مسلم، كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها، برقم (1471).
  4. رواه مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، برقم (1480).
  5. رواه البخاري، كتاب الطلاق، باب وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [سورة البقرة:234]، برقم (5029)، ومسلم، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، برقم (1480)، من حديث فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها.
  6. رواه أحمد في المسند برقم (27100)، وقال محققوه: حديث صحيح بطرقه.
  7. رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (948).

مواد ذات صلة