الأربعاء 08 / شعبان / 1441 - 01 / أبريل 2020
‏(22) لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ – الجزء الثاني
تاريخ النشر: ٠٣ / ذو الحجة / ١٤٣٤
التحميل: 11756
مرات الإستماع: 186196

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته أيها الأحبة:

حينما يقول الملبِّي: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك"، فهو بذلك يُقرّ بإعلانه بالوحدانية، يُقرّ بوحدانية الله -تبارك وتعالى-، ويُعلن ذلك، ويلهج به بأعلى صوته، حتى يبحّ صوته.

وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه سُئل: أيُّ الحجِّ أفضل؟ فقال: العَجُّ والثَّجُّ[1]، فالعج هو: رفع الصوت بالتَّلبية، يُعلن التوحيد والبراءة من الإشراك بجميع صوره وأشكاله.

فهو يقول: يا ربّ، وإن جئنا مُعظِّمين لهذا البيت، ولهذه المشاعر، فإنما كان ذلك صادرًا عن أمرك، وعن عبوديتنا لك، وعن إذعاننا وانقيادنا؛ إذ أمرتنا فأتينا مُستجيبين، ودعوتنا فأتينا مُنقادين طائعين، فنحن إنما نفعل ذلك امتثالاً وعبوديةً وتقربًا، وقلوبنا عامرة بتوحيدك وإفرادك بالعبادة دون ما سواك، وألسنتنا لاهجةٌ بهذا الإقرار، ونفي الشُّركاء عنك .

هكذا حينما يُعلنها الملبِّي، ويرفع صوتَه بها، ولكن مَن الذي يستشعر هذا؟

إنَّ هذه التَّلبية -أيها الأحبة- من أولها إلى آخرها توحيدٌ في كل جملةٍ، بل في كلِّ لفظةٍ توحيدٌ، وقد أهلَّ النبيُّ ﷺ بالتوحيد.

وحينما يقول الملبي: "لبيك" فإنَّ هذا يقتضي أنَّ ثمة داعيًا دعاه فأجابه بقوله: "لبيك"، فإنما يقول المرءُ ذلك إجابةً لمن دعاه، وهذا يقتضي أنَّ الله -تبارك وتعالى- مُتَّصِفٌ بصفات الكمال على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، فهو يتكلم كما يشاء، فدعاهم، فأجابوه قائلين: لبيك. ولا يُقال ذلك لمن لا كلامَ له، ولا نداءَ، ولا قولَ.

وهكذا حينما يقول: "لبيك" فإنَّ هذا يتضمن الإقرار بأنَّ الله يسمع سمعًا يليق بجلاله وعظمته، فهو يسمع قول القائلين، وكلام المتكلمين، وسؤال الدَّاعين، يسمع ذكرَهم، ويسمع سرَّهم ونجواهم، لا تخفى عليه من شأنهم خافية، فلا يُخاطَب بهذا يُقال: "لبيك" لمن لا سمعَ له، فتعالى الله عمَّا يقول المعطِّلون علوًّا كبيرًا.

وهكذا -أيها الأحبة- حينما يقول الملبي: "لبيك" فإنَّ ذلك يتضمن المحبَّة لله ، فإنَّ المجيبَ لا يقول ذلك إلا لمن يُحبّ، إذا دعاه مَن أحبَّه، أو خاطبه، أو ناداه، قال له: "لبيك" إذا كان يُحبّه، وأمَّا إذا كان لا يُحبّه فإنَّه قد يُعبر بعباراتٍ أخرى تُنبئ عن حاله وشعوره نحوه، وما يقوم بقلبه، ويدور في خلده.

هنا يقول: "لبيك" يُحبّه ويُعظِّمه، كأنَّه يقول كما فُسّر قوله: "لبيك"، بمعنى: أنا مُواجهٌ لك بما تُحبّ، كأنهم أخذوه من قول العرب: امرأة لبّة[2]، يعني: مُحبّة لولدها.

فبعض أهل العلم يقول: إنَّ معنى "لبيك" مأخوذٌ من هذا، فهو يدل على المحبَّة، فيكون ذلك من جهتين: أنَّه لا يقول ذلك عادةً إلا لمن يُحبّ، ومن جهةٍ أخرى: باعتبار أنَّ أصل هذا اللَّفظ مأخوذٌ من قولهم: امرأة لبّة. يعني: مُحبَّة لولدها، فأصل هذه المادة (اللب) يرجع إلى المحبَّة، ويُفسَّر بها.

كما أنَّ قوله: "لبيك" يدل على التزام العبودية، والإقامة على ذلك، والثَّبات والدَّوام.

وليست العبوديةُ -أيها الأحبة- في أيامٍ يقضيها الإنسانُ في المناسك، فبعض الناس ينضبط في أيام المناسك، وإذا تلبس بالإحرام، ومن الطَّريف أنَّ أحدهم سأل البارحة أنَّه أهلَّ بالعمرة، واعتمر وقضى عمرته، فهل يكون في هذه المدّة بين بين؟ يعني: حتى يُهلَّ بالحجِّ في اليوم الثامن، هل يكون مُتلبسًا بنوع إحرامٍ، فينطبق عليه قوله تعالى: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197]؟

قلتُ: هذه يتخلَّى عنها في كل الأحوال، وليس المحرمُ فقط، فهو يُريد أن يعرف: هل الفُسوق إذا صدر من المكلَّف أو الجدال الذي لا يُفضي إلى مطلوبٍ، هل ذلك يُؤثر في حجّه وهو مُقيمٌ ببلد الله الحرام؟ هذا ما يليق، والإقامة على العبودية دائمًا.

وسمعنا بعضَ الناس -أيها الأحبة- يقولون في أواخر أيام الحجِّ لما وجدوا من لذَّة العبودية: هذه أجمل الأيام في حياتنا. وودُّوا أنَّ هذه الأيام لا تنقضي، ولا تنقطع؛ لأنَّهم وجدوا قلوبَهم هناك، ولكن البعض حينما يرجع قد ينسى هذا جميعًا، ويرجع إلى حاله الأولى من التَّقصير والتَّفريط والتَّضييع.

فهذا حينما يقول: "لبيك" يتضمن الإقامة على العبودية، والثَّبات والدَّوام واللزوم والاستمرار.

فالقضية ليست مجرد أيامٍ -أيها الأحبة- نقضيها، ولكنَّها محطة من محطات العبودية التي يحصل فيها مزيدٌ من الإقبال وإشراق القلب والنفس، فتُقْبِل على الله -تبارك وتعالى- بكليتها؛ ولهذا فإنَّ بعضَ أهل العلم فسَّر هذه التَّلبية من "ألبّ بالمكان" إذا أقام به[3]، وحينما يقول: "لبيك"، أنا مُقيمٌ على طاعتك دائمًا، فهو يُردد هذا ويُكرره، ويُؤكد أنَّه مقيمٌ على هذا المعنى.

طيب، إذا صدرت منه أشياء ما تليق في الحجِّ: يسخر من هذا، ويُضيع الصَّلوات، ويمنع حقوقَ الله الواجبة، ويضرب هذا، ويتزاحم مع هذا ويُؤذيه عند الجمار، وفي الطواف، ويحتقر الناس ويزدريهم، ويستخفّ بهم، ويتندر بجهلهم، وفي نفس الوقت يقول: "لبيك"، أين هذا من "لبيك"؟ فهل يستشعر هذه الكلمات التي يُرددها؟

للأسف أصبح كثيرون إذا أرادوا أن يدفعوا الناس وأن يُزاحموهم يكتفي بقوله: حجّ يا حاجّ. كأنه يدفعه دفعًا: ابتعد، خلِّ لي الطريق. فهذا ما يليق بحالٍ من الأحوال -أيها الأحبة.

ثم أيضًا هذه تتضمن الخضوعَ والذلَّ لله -تبارك وتعالى- خضوعًا بعد خضوعٍ: "فلبيك اللهم لبيك" أي: أنا خاضعٌ، ثم خاضعٌ، ثم خاضعٌ، وذليلٌ لعظمتك ولجلالك. هكذا فسَّره بعضُ أهل العلم، من قولهم: "أنا مُلَبٍّ بين يديك" أي: خاضعٌ بين يديك[4]. ففسّره بعضُ أهل العلم بالخضوع، وهؤلاء أئمّة في اللغة، وإذا كان اللَّفظُ في اللغة يأتي لهذه المعاني، فلا مانع من حمله عليها؛ ولهذا فإنَّ مثل الحافظ ابن القيم يتفنن في تفكيك هذه المعاني وتركيبها على دلالات وهدايات عظيمة، فهو يقول: أنا ذليلٌ، أنا خاضعٌ، إذن كيف يترفَّع؟ وكيف يحتقر إخوانه المسلمين؟!

فهذا الإنسانُ الذَّليل هل يليق -أيها الأحبة- أن يأتي بمَن يُصوِّره وهو يرمي الجمار، وهو لابسٌ الإحرام، وأمام الكعبة وهو يطوف، وهو يسعى، وهو يرفع يديه يدعو؟! ويقول: صوِّرني، ثم يُرسل مباشرةً إلى أهله وأصحابه، وما إلى ذلك، يقول: أنا حاجٌّ، وأُحبُّكم جميعًا، وأدعو لكم الآن على صعيد عرفة.

ما شاء الله! وأين إخفاء العمل كحال السَّلف ؟ كان الواحدُ منهم لو استطاع ألا يُرى في موضع العبادة لفعل، وهذا يُرسل لهؤلاء المتابعين والجماهير والمحبين، ومعاشر المغردين والمغردات: أنا أُحبُّكم جميعًا، وأدعو لكم في صعيد عرفة. تُخبرهم أنَّك حاجٌّ! أين الذل والخضوع؟! والسلف الواحدُ يجثو على ركبتيه ويبكي، والدموع تسيل، ويقول: إني لأرجو أن يغفر الله لأهل هذا الجمع لولا أني فيهم. يحتقر نفسَه، انظر إلى أمثال هؤلاء: كالفُضيل بن عياض، وسفيان الثوري، وابن المبارك، وغيرهم من الكبار، ما هي مواقفهم في هذه المناسك والمشاعر؟ فأين نحن من هذا -أيها الأحبة-؟

كما أنَّه حينما يقول: "لبيك اللهم لبيك" تتضمن الإخلاص، فكأنَّه يقول: أنا مجيبٌ لك دونما سواك. ثم يُعيد: "لبيك لا شريكَ لك لبيك"، فهو حينما يقول: "لبيك" فإنَّ ذلك باعتبار أنَّ هذه اللفظة مأخوذةٌ من اللّب الذي هو خالص الشيء، فهي تتضمن الإخلاص: أنا يا ربّ مُخْلِصٌ لك.

إذن ما في داعي أن يلتفت إلى معانٍ أُخرى: من الرِّياء والسُّمعة ورؤية النفس، وأنا -ما شاء الله- هذه الحجّة رقم كذا، لطالما مشطت هذه المشاعر طولاً وعرضًا. هكذا يكون حال المخلص؟!

كما أنَّ قوله: "لبيك لا شريكَ لك" لا يكون فيه التفاتٌ للنفس، فهو مخلصٌ، فلا يكون فيه التفاتٌ للمخلوقين أن يُثنوا عليه، وأن يُطروه ويمدحوه، وأن يقولوا: إنَّه باذلٌ ومُنْفِقٌ وقويٌّ ونشيطٌ ومُبادرٌ وسريعٌ في العبادة، ولا يكلّ، ولا يملّ، ولا يتعب، كل سنة يحجّ بلا توقفٍ، ما شاء الله، مات وقد حجَّ خمسين حجّة. هل هذا هو الهدف؟

حينما يقوم ويقعد، ويبذل ويُساعد هؤلاء الناس، ويضع الطعام، ويحمل الطعام، ويُنفق على مَن معه، ويبذُل من ماله، ماذا يُريد؟

"لبيك لا شريك لك" هو يُخلص لله ، ويُعيدها ثانيةً: "إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك، لا شريكَ لك"، كل هذا من أوله إلى آخره توحيدٌ وإخلاصٌ.

أمَّا أن يدعو غير الله، ويتوجّه إلى غير الله، وأن يعبد غير الله، وأن يعتقد أنَّ النفعَ والضّر عند أحدٍ من الأحياء أو الأموات، فهذا يُنافي هذه الدَّعوة الكبيرة التي ادَّعاها من أنَّه مخلصٌ لله ربِّ العالمين.

ثم أيضًا -أيها الأحبة- حينما يقول: "لبيك اللهم لبيك" هذا يتضمن التَّقرب إلى الله -تبارك وتعالى-؛ وذلك باعتبار أنَّ هذه اللَّفظة تُفسَّر أنها من الإلباب، وهو التَّقرب: أنا مُتقربٌ إليك يا ربّ بهذا العمل، وأُريد ما عندك. فهل نستشعر هذا المعنى؟

وهكذا أيضًا لاحظ هذه التَّلبية التي هي شعار التوحيد، الذي هو ملّة إبراهيم ﷺ، وروح الحجّ، والمقصود الأعظم منه، وروح سائر العبادات، فكانت هذه التَّلبيةُ مفتاحَ هذه العبادة التي يدخل إليها بها، يفتتح بقوله: "لبيك اللهم لبيك" قبل أن يطوف، وقبل أي شيءٍ آخر، ثم كما يفتتح المصلِّي بقوله: "الله أكبر"، وفي انتقالاته وتنقُّلاته وتحوّلاته بين المناسك يُلبي، فذلك كتكبيرات الانتقال التي في الصَّلاة، وإذا انتقل من مكانٍ إلى مكانٍ لبَّى، وهكذا.

فهذا كلّه يُذكِّره بالتوحيد في كل انتقالٍ، وفي كل تحولٍ، منذ أن يبدأ بالإحرام إلى أن يبدأ بالطَّواف على القول بأنَّ التلبية تنقطع حينما يشرع بالطَّواف.

فهذا فصلٌ في التلبية، إذن السَّير من أوله مبناه على الإخلاص، ثم إذا أراد أن ينتقل من مكانٍ إلى آخر، يبدأ الحجَّ إذا كان متمتعًا في اليوم الثامن يُلبي، ويبدأ بهذا التوحيد، ثم بعد ذلك إذا كان يُريد أن ينتقل إلى عرفة يُلبي، أو ينتقل إلى مُزدلفة يُلبي، أو ينتقل إلى منى يُلبي، فهو يتذكر هذا المعنى ويُردده، ألا يكون لذلك أثرٌ في نفسه؟! كيف نغفل عن هذه المعاني العظيمة مع كثرة ما نُردد من هذه الألفاظ؟!

فالنبي ﷺ كان يُلبي حتى يشرع بالطَّواف، ثم يقطع التَّلبية، ثم إذا سار لبَّى حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يُلبي حتى يقف بمُزدلفة فيقطعها، ثم يُلبي حتى يرمي جمرة العقبة، فهذا أعظم من حال العبد في الصَّلاة، حال العبد في الصلاة لمدة كم؟ ثلاث دقائق، أو أربع دقائق، أو خمس، لكن هذا لأيامٍ وهو مُتلبِّسٌ بالإحرام، وقد افتتح هذه العبادة بهذا المفتاح العظيم: "لبيك اللهم لبيك"، فحركاته وتنقلاته ومُزاولاته كلّها عبادة: فمشيه عبادة، وجلوسه عبادة، ونومه عبادة، وهو مُحْرِم، فهو مُتلبِّسٌ بالعبادة، فهل يليق أن يصدر منه شيءٌ من توجهٍ إلى غير الله من نيَّاتٍ فاسدة، أو أن يصدر منه مخالفات ومعاصٍ لمن هو مُعلنٌ له الخضوع والذلّ والإخلاص والتَّوحيد والتَّقرب والإقامة على طاعته -تبارك وتعالى-؟!

أتوقف عند هذا القدر، وفي الغد -إن شاء الله تعالى- نكمل الكلام على التَّلبية، ولا تستكثروا هذا، فهي تستحقّ ذلك، كما قلتُ: ليكن هذا من قبيل المثال لما ذكرتُه قبلُ من أنَّ هذه الأذكار تتضمن معانٍ كبيرة، لو استحضرناها لتغيرت حياتنا من أولها إلى آخرها، في الحجِّ وغير الحجِّ.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإيَّاكم هُداةً مُهتدين.

وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه ابنُ ماجه: كتاب المناسك، باب رفع الصوت بالتلبية، برقم (2915)، والترمذي: كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنَّحر، برقم (757)، وصححه الألباني.
  2. "مقاييس اللغة" لابن فارس (5/ 199)، و"الصِّحاح" للجوهري (1/ 238).
  3. "مقاييس اللغة" لابن فارس (5/ 199)، و"الفائق في غريب الحديث" لجار الله الزمخشري (3/ 295).
  4. "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" (1/ 353).

مواد ذات صلة