[4] من قوله تعالى"الذي جعل لكم الأرض مهدا" الآية53 إلى قوله تعالى" آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى" الآية70
عدد الزوار : 5479
تاريخ الإضافة : 25 ربيع الآخر 1429
MP3 : 10686 kb
PDF : 165 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة طه رقم: (4)

 

من قوله تعالى"الذي جعل لكم الأرض مهدا" الآية 53 إلى قوله تعالى" آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى" الآية 70

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المصنف -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى * وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى} [سورة طه: (53-56)] هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه -عز وجل- حين سأله فرعون عنه، فقال: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[سورة طه: (50)] ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا} وفي قراءة بعضهم: {مِهَاداً}، أي: قراراً تستقرون عليها، وتقومون وتنامون عليها، وتسافرون على ظهرها، {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً}، أي: جعل لكم طرقاً تمشون في مناكبها كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [سورة الأنبياء: (31)] {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى}، أي: من أنواع النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو ومر وسائر الأنواع، {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ}، أي: شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضراً ويبساً، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ}، أي: لدلالات وحججاً وبراهين {لِأُولِي النُّهَى}، أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة على أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه، {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}، أي: من الأرض مبدؤكم، فإنّ أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ}، أي: وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} [سورة الإسراء: (52)] وهذه الآية كقوله تعالى: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [سورة الأعراف: (25)].

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى} يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه -عز وجل- حين سأله فرعون عنه فقال: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ} فيما سبق لما سأل فرعونُ موسى -عليه الصلاة والسلام- فقال: {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى} [سورة طه: (49)] قال: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، بحسب كلام المؤلف: جاء كلام معترض وهو قوله: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} [سورة طه: (51-52)] ثم قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا}، وهذا القول: وهو إن هذا من تمام كلام موسى -عليه الصلاة والسلام- يرد عليه إشكال وهو أنه قال: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى}، إذا كان هذا من كلام موسى -عليه الصلاة والسلام- فموسى يقول: إن هذا الرب الذي ندعوك إلى عبادته هو {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء}، فكان الأصل أن يقول: فأخرج به أزواجاً من نباتٍ شتى، لكنه قال: {فأخرجنا} فكيف جاء بضمير المتكلم: {أخرجنا}؟ فالذين يقولون بأن هذا من تمام كلام موسى -عليه الصلاة والسلام- يقولون: هذا التفات من الغائب إلى المتكلم،   -ولا إشكال أنه التفات-، بل هو حتى على القول الآخر التفات، ومعنى الالتفات: هو التحول في الكلام من الغائب إلى المخاطب أو العكس أو الغائب إلى المتكلم ونحو ذلك كما هنا، ونحو: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [سورة الفاتحة: (2-4)] هذا كله بالغائب، {إياك} هذا للمخاطب، وهذا الالتفات له حِكَم: تنشيط السامع، تجديد في الكلام، وهناك معانٍ أخرى يذكرونها في كل موضع بحسبه، مثلاً في سورة الفاتحة يقول: لما ذكر أوصافه فكأنه حضر بين يديه فخاطبه، والشاهد أن الذين يقولون بأن هذا من كلام موسى -عليه الصلاة والسلام- يقولون: حصل هذا الالتفات إلى ضمير المتكلم، للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة، ولكن هذا الجواب لا يخرج من الإشكال، فإنه إذا كان موسى -عليه الصلاة والسلام- يحكي ذلك عن الله -عز وجل- ويذكر صفته فكيف يقول: {فَأَخْرَجْنَا}؟ وإنما يكون ذلك من كلام الله -تبارك وتعالى-، ولهذا قال جماعة من أهل العلم بأن هذا من كلام الله، وليس من كلام موسى -عليه الصلاة والسلام-، وهذا القول هو الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله-، واختاره من المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وعلى هذا يكون هذا الكلام من قبيل الموصول لفظاً المفصول معنى، فآخر الكلام كان كلام موسى -عليه الصلاة والسلام- {قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} وفي القراءة الأخرى: {مِهَادًا} والمهاد: هو ما يوطَّأ للصبي من فراش ونحوه، يقول: {وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا}، أي: جعل لكم طرقاً تمشون في مناكبها، وأصل السلك: إدخال الشيء في الشيء، والمراد هنا -والله تعالى أعلم- أنه أدخل في الأرض لأجلكم طرقاً ومسالك تسلكونها، يقول: كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [سورة الأنبياء: (31)]،  يقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى}، أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة، والنُّهى: هي العقول الكاملة أو العقول الراجحة، جمع نُهية قيل: سميت بهذا؛ لأنها تنهى صاحبها عما لا يليق، أو لأن أصحابها -وهم أولو النهى- ينهون الناس عما لا يليق ويأمرونهم بما يجمل ويحسن، أو لأنه يُنْتهى إلى رأيهم، يقول: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}، يقول: وهذه الآية كقوله تعالى: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}.

وقوله: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى} [سورة طه: (56)]، يعني: فرعون أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات، وعاين ذلك وأبصره، فكذب بها وأباها كفراً وعناداً وبغياً، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [سورة النمل: (14)] الآية.

المراد بهذه الآيات المشار إليها هنا {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} هي الآيات التسع كما يبينه قوله -تبارك وتعالى-: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [سورة الإسراء: (101)] فهذه هي الآيات التي جاء بها موسى  -عليه الصلاة والسلام- على اختلاف في المراد بهذه الآيات وتعيينها، وقد سبق الكلام على هذا في سورة الإسراء.

{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}[سورة طه: (57-59)]، يقول تعالى مخبراً عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه، فصارت ثعباناً عظيماً، ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء، فقال: هذا سحر جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك، وتكاثرنا بهم، ولا يتم هذا معك، فإن عندنا سحراً مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه، {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً}، أي: يوماً نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان معين، ووقت معين، فعند ذلك {قَالَ} لهم موسى: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزّينَةِ} وهو يوم عيدهم ونوروزهم وتفرغهم من أعمالهم، واجتماع جميعهم؛ ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية، ولهذا قال: {وَأَن يُحْشَرَ النّاسُ}، أي: جميعهم {ضُحًى}، أي: ضحوة من النهار؛ ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بيِّن واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولهذا لم يقل: ليلاً، ولكن نهاراً ضحى، قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء، وقال السدي وقتادة وابن زيد: كان يوم عيدهم، وقال سعيد بن جبير: كان يوم سوقهم، ولا منافاة، قلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده، كما ثبت في الصحيح، وقال          عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {مَكَانًا سُوًى} مستوٍ بين الناس، وما فيه لا يكون صَوَب ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض، مستوٍ حين يُرى.

قوله -تبارك وتعالى-: {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى}، يقول: أي يوماً نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان ووقت معين، فعند ذلك قال لهم موسى -عليه الصلاة والسلام-: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}، فرعون يقول: {اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى} الأقرب -والله أعلم- في تفسيره أنه مكان مستوٍ، يعني: في أبعاده وموقعه بحيث يكون مكاناً متوسطاً يسهل مجيء الناس إليه من الأطراف والنواحي المختلفة، ولا يكون مكاناً متطرفاً في محل ناءٍ لا يصل إليه إلا بعض الناس أو يصل الناس إليه بمشقة أو نحو ذلك، هكذا فسره بعض أهل العلم، وبعضهم قال: سوى، أي: مكاناً متوسطاً بيننا وبينك، أي: بين موسى -عليه الصلاة والسلام- وبين فرعون، لكن هذا قد لا يكون بالقوي، والسبب أن موسى -عليه الصلاة والسلام- حينما أراد أن يُبيّن هذا هل المقصود أن يكون مكاناً متوسطاً بين قصر فرعون وبين المكان الذي يسكن فيه موسى     -عليه الصلاة والسلام- من البلدة نفسها، وهل هذا هو المراد؟ هذا فيه بعد، وأحسن من هذا قول من قال: إنه مكان مستوٍ، بمعنى أنه لا يوجد فيه من التضاريس ما يحول دون الرؤية والمشاهدة حيث يكون مكاناً مستوياً تماماً، وكذلك يكون الموعد في وقتٍ الناسُ فيه قد تفرغوا من أشغالهم، {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَة} بعضهم يقول: يوم الزينة أي: يوم السوق الذي يخرجون فيه إلى سوقهم، وبعضهم يقول: يوم الزينة هو يوم العيد، وقول ابن كثير -رحمه الله-: "ولا منافاة" كأنه أراد: أنهم لعلهم يخرجون إلى سوقهم في يوم عيدهم، والمشهور أنه يوم عيد بالنسبة لهم، فيجتمع هؤلاء الناس ويتيسر حضورهم وقد تخففوا من أشغالهم وتفرغوا من أعمالهم، فيمكنهم الحضور والمجيء بل يُحْضَرون كما قال: {وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}، ومعنى: {أَن يُحْشَرَ النَّاسُ} يجمعون، والضحى هو أول النهار فإن الشمس إذا ارتفعت بعد الطلوع كان ذلك هو الضحى، وهذا الضحى له أول وأوسط وآخر، وما ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا ظاهر، وهو أن هذا الوقت هو أوضح ما يكون في الرؤية بحيث لا يكون هناك خفاء ولا لبس، فلا أحد يقول: رأيت أو ما رأيت، وذكر بعض أهل العلم أيضاً علة أخرى وهي غير منافية لما ذكر: أن هذا الوقت في أول النهار فقد تطول تلك الجولة مما يستدعي وقتاً أطول فيكون المبتدأ من أول اليوم.

{فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} [سورة طه: (60-64)] يقول تعالى مخبراً عن فرعون أنه لما تواعد هو وموسى -عليه السلام- إلى وقت ومكان معلومين تولى، أي: شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ينسب إلى السحر في ذلك الزمان، وقد كان السحر فيهم كثيراً نافقاً جداً، كما قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} [سورة يونس: (79)]  {ثُمَّ أَتَى}: أي اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة، وأقبل موسى -عليه الصلاة والسلام- متوكئاً على عصاه ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفاً، وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه، وهو يعدهم ويمنيهم، يقولون {أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [سورة الشعراء: (41-42)] {قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً}، أي: لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها وأنها مخلوقة، وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ}، أي: يهلككم بعقوبة هلاكاً لا بقية له {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} قيل: معناه أنهم تشاجروا فيما بينهم، فقائل يقول: ليس هذا بكلام ساحر إنما هذا كلام نبي، وقائل يقول: بل هو ساحر، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

نعم، قوله -تبارك وتعالى-: {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى}، فتولى هذا كقوله: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى} [سورة النازعات: (22)]، قال: {فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى} هذا الكيد هو ما يعارض به هذه المعجزة وهذه الآية، وإنما عارضها بأفعال السحرة، ولهذا قال الله -عز وجل-: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ} [سورة طه: (69)]، فهو جمع كيده الذي هو السحر، كما فسره قوله: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ}، {ثُمَّ أَتَى} {قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ} وفي القراءة الأخرى بفتح الياء، وهي لغة أهل الحجاز، وأما هذه فيقولون: إنها لغة تميم، {فيُسْحِتَكُمْ}، يعني الاستئصال والإهلاك، {بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} هذه الكلمة صدرت من موسى -عليه الصلاة والسلام- حينما رأى هؤلاء قد جدوا واجتهدوا وشمروا عن ساعد الجد، وجمعوا ما استطاعوا جمعه من السحرة، وجاء هؤلاء السحرة بما معهم من حبال وعِصِي، وتضافرت جهودهم وتكالبت من أجل إبطال هذه الآية والمعجزة، ومعارضة ما جاء به نبي الله -عليه الصلاة والسلام- {قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} فهذه الكلمة وصلت إلى الأعماق، وأثرت فيهم غاية التأثير فتنازعوا عند ذلك، والفاء تدل على التعليل كما أنها تدل على التعقيب المباشر، فلما قال هذه الكلمة كانت سبباً للتنازع، وهذا يفيد في بيان المراد بهذا التنازع؛ لأن من المفسرين من يقول: إن التنازع بينهم هو ما حصل من الكلام فيما بينهم في العائدة التي تعود عليهم، والأجر الذي يحصلون عليه والجائزة، لكن هذا بعيد، فتنازعوا بعدما سمعوا هذه الكلمة من موسى -عليه الصلاة والسلام- {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} بعضهم يقول: إن التنازع الذي حصل بينهم هو الكلام الذي جرى من أنه إن كان نبياً اتبعناه، وإن كان ساحراً غلبناه، وهذا ليس بتنازع، التنازع فيه تدافع وتجاذب فحصل بسبب هذه الكلمة التي قالها موسى -عليه الصلاة والسلام- شيء من الانشقاق في داخلهم، في داخل هذا الصف؛ لأنهم أرادوا أن يتشجعوا كما قال الله -تبارك وتعالى- إنهم حث بعضهم بعضاً أن يأتوا: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} فأرادوا أن يظهروا بمظهر المتماسك القوي، وهم في الواقع حصل بينهم تفكك واختلاف وتنازع، والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن بعضهم كأنه أراد أن يتراجع أو خاف وهاب من هذه المواجهة والمعارضة لِمَا جاء به موسى -عليه الصلاة والسلام-، وأما الإسرائيليات فلا يعَوَّل على شيء منها، والمفسرون يذكرون أشياء من هذا، فبعضهم يقول: إنهم طلبوا من فرعون أن يريهم موسى -صلى الله عليه وسلم- وهو نائم، فلما نظروا إليه وجدوا أن العصا تحرسه، فعرفوا أن هذا ليس من السحرة، هكذا قالوا، ولا حاجة لشيء من هذا، هذه الكلمة التي صدرت من موسى -صلى الله عليه وسلم- لا تصدر من السحرة، الساحر ما يقف ويعظ الناس عند المواجهة والتحدي ويقول لهم: {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ}، وهو سينكشف بعد قليل، فهذا ليس من السحرة، السحرة لا يفعلون هذا، بل هم من أخبث الناس نفساً، وكلما أوغل الإنسان في هذا بخبث النفس وفساد الطوية، والإمعان في السوء ظاهراً وباطناً كان أمكن في السحر، وهؤلاء الذين جيء بهم ليسوا مجرد سحرة، وإنما هم من عتاة السحرة، ولهذا لما قال الله -عز وجل-: {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى} هذا الكيد هو الذي أخبر الله -عز وجل- عنه في مواضع أخرى، لما قال له الملأ كما في آية الأعراف: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ} [سورة الأعراف: (111-112)]، وفي الموضع الآخر: {سَحَّارٍ} [سورة الشعراء: (37)] فهو لم يطلب مجرد سحرة، وإنما طلب السحرة العلماء بالسحر، كل ساحر عليم، وأيضاً صيغة {سَحَّارٍ} صيغة مبالغة، سحار على وزن فعّال، أي إنسان متمرس تماماً في السحر، وجيء بهم من أطراف مملكته، ولهذا أرسل في المدائن حاشرين، والحاشر هو الذي يحشر الناس، فيأتون بهم قهراً، ويحملونهم على المجيء وترك ما هم فيه من الأشغال من أجل تحقيق مقصوده ومطلوبه، فهذا أمر، فلما قال لهم هذا الكلام عرفوا أن هذا ليس بساحر {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ}، قال: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} النجوى: هو الكلام الذي يكون بين طرفين يقصد به الانفراد والإخفاء عن الآخرين، ولا يكون على سبيل العلانية، قال بعضهم أصله من النجوة، وهي المكان المرتفع، فكأن هذا الكلام ينقل من حال العلانية إلى حال الخفاء،  {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} بمعنى أنهم أرادوا ألا يظهر ذلك النزاع والشقاق أمام خصمهم موسى -عليه الصلاة والسلام-؛ لئلا يتقوّى عليهم بذلك، فهم أمام مواجهة، ويريدون أن يحافظوا على معنوياتهم وألا يستفيد موسى -عليه الصلاة والسلام- شيئاً مما جرى ووقع بينهم، {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم} بعدما حصل الاختلاف والتنازع أرادوا أن يأتوا بصفة موحدة وصيغة متفق عليها، بعضهم كان يقول: هذا ما يمكن أن يكون ساحراً، وبعضهم قال: لا، لابد أن نخرج بصيغة موحدة، وكلام متفق عليه يردده الجميع، الجواب يكون واحداً، والوصف يكون متحداً، {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى}.

وقوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى}، أي: تناجوا فيما بينهم، {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} وهذه لغة لبعض العرب، جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ {إنْ هذين لساحران} وهذه اللغة المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه، والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم: تعلمون أن هذا الرجل وأخاه -يعنون موسى وهارون عليهما السلام- ساحران عالمان، خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس، وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده، فينصرا عليه، ويخرجاكم من أرضكم.

في قوله -تبارك وتعالى-: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} هذا الموضع من كتاب الله -تبارك وتعالى- فيه قراءات متعددة، وبعض هذه القراءات فيه إشكال معروف عند العلماء، وقد أطالوا في الجواب عنه، حتى إن بعضهم قد ألف فيه مؤلفات مستقلة، وهناك عدد من الرسائل المخطوطة في الكلام على هذا الموضع من كتاب الله -تبارك وتعالى-، فقد قرأه ابن كثير وعاصم في رواية حفص وهي قراءة الزهري والخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو {إنْ هذان} باعتبار أن إن نافية، وهذه لا إشكال فيها،

إنْ هو مستولياً على أحد *** إلا على أضعفِ المجانين

إن هو، يعني ما هو، {إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ} [سورة فاطر: (23)] يعني ما أنت إلا نذير، فهذه لا إشكال فيها، وهكذا قراءة ابن كثير من السبعة {إنْ هذانِّ} بتشديد النون فإنْ هذه نافية أيضاً لا إشكال فيها بنفس معنى القراءة السابقة، وقرأه المدنيون والكوفيون وابن عامر {إنّ هذان} ومعلوم أن "إنّ" ناصبة، وأن "هذان" يعرب إعراب المثنى، والمشهور أن المثنى يرفع بالألف، وينصب ويجر بالياء، فعلى المشهور وعلى هذه القراءة يقال: {إنّ هذين لساحران}، فهنا قال: {إنّ هذان} فهذه هي القراءة التي تكلم عليها أهل العلم، يذكرون أجوبة كثيرة في توجيه ذلك، لماذا قال: إنَّ هذان؟ لمَ لمْ يقل: إنّ هذين؟ ومن أحسن هذه الأجوبة -وهو الذي ذكره سيبويه وجماعة من المحققين كالأخفش والكسائي والفراء-: أن ذلك على لغة بعض العرب، فبعضهم يقول: هذه لغة بني الحارث بن كعب، وبعضهم يقول: خثعم، وبعضهم يقول: كنانة، الشاهد أنها لغة عربية فصيحة لبعض العرب وهو إلزام المثنى الألف في الحالات كلها، رفعاً ونصباً وجراً.

إنّ أباها وأبا أباها *** قد بلغا في المجد غايتاها

وهذا من شواهد النحو المعروفة، "قد بلغا في المجد غايتاها"، ولم يقل: "قد بلغا في المجد غايتيها"، وهكذا أيضاً في قول الشاعر:

تزوّدَ منا بين أذناه ضربةً

كان الأصل أن يقول على اللغة المشهورة: بين أذنيه، ولكن قال: بين أذناه، فهذه القراءة تخرج بهذا التخريج، وبعضهم يقول: إن "إنّ" هنا بمعنى "نعم"، {إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}: نعم هذان لساحران، وهذا قال به أئمة من أهل اللغة كالزجاج والأخفش، قالوا بذلك، وهذا أيضاً معروف في كلام العرب ويوجد له من الشواهد في كلامهم ما يدل على ثبوته وصحته، لكن من أسهل الأجوبة هو ما ذكرته أولاً، وتوجد أجوبة أخرى، على كل حال لا حاجة للإطالة في هذا، يقول: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} وهذه لغة لبعض العرب، جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ {إنّ هذين} وهذه القراءة على الوجه الإعرابي المشهور، ولا إشكال فيها من الناحية الإعرابية، ولكنها مخالفة لخط المصحف، وبها قرأ أبوعمرو، وهي منقولة عن عثمان بن عفان      -رضي الله عنه- وعائشة والحسن وسعيد بن جبير.

وقوله: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى}، أي: ويستبدا بهذه الطريقة وهي السحر، فإنهم كانوا معظَّمين بسببها، لهم أموال وأرزاق عليها، يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض، وتفردا بذلك، وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم، وقال عبد الرحمن بن زيد: بطريقتكم المثلى: بالذي أنتم عليه.

{بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} يقول: يستبدا بهذه الطريقة وهي السحر، يعني أن هذا من كلام السحرة، خافوا أن يتغلب عليهم موسى -عليه الصلاة والسلام- وعندئذ يستأثر بالغنيمة دونهم، ولهذا قال بعضهم كابن جرير -رحمه الله-: {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى}، أي: يستوليا على سادتكم وأشرافكم، وهذا المعنى إذا تأملته تجد أنه غير مخالف لما سبق، فيستأثرا بطريقتكم المثلى، بمعنى أنهما يستوليان على الأشراف والسادة والكبراء، فيحصل لهما الاستحواذ على المكاسب والعوائد والمغانم، ويمكن أن يفسر هذا بأنهم يرون أنهم على خير حال، على الأقل بحسب زعمهم ودعواهم فإن المبطل لا يقول عن نفسه إنه مبطل، وإنما يقول: أنا على الطريقة الصحيحة والمثلى، وهذا جاء ليغير الدين ويفسد في الأرض، كما قال فرعون: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [سورة غافر: (26)]، فهم -سواء فرعون أو السحرة- كلهم يرون أن الحال التي هم عليها -على الأقل زعماً منهم- هي خير حال، وأن موسى -عليه الصلاة والسلام- يفسد، ويريد أن يخرجهم من أرضهم بهذا السحر.

{فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا}، أي: اجتمعوا كلكم صفاً واحداً، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة؛ لتبهروا الأبصار، وتغلبوا هذا وأخاه.

{فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} يعني: أحكموا كيدكم واعزموا عليه، تقول: أجمع على كذا أي: عزم، وفي قراءة أخرى متواترة -قراءة أبي عمرو- {فَاجْمَعُوا كَيْدَكُمْ}، اجمَعوا كيدكم من الجمع الذي هو بمعنى الضم، {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا}، أي: اجتمعوا، إلى آخره.

{وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى}، أي: منا ومنه، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة.

{قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [سورة طه: (70)] يقول تعالى مخبراً عن السحرة حين توافقوا هم وموسى -عليه السلام-، أنهم قالوا لموسى: {إِمّا أَن تُلْقِيَ}، أي: أنت أولاً {وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا}، أي: أنتم أولاً لنرى ماذا تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم، {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيّهُمْ يُخَيّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنّهَا تَسْعَىَ} وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا {وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [سورة الشعراء: (44)]، وقال تعالى: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [سورة الأعراف: (116)] وقال هاهنا: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} وكانوا جماً غفيراً، وجمعاً كثيراً، فألقى كل منهم عصاً وحبلاً حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضاً.

قوله: {قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ} قوله: {بَلْ أَلْقُوا} لا يرد هنا أن يقول قائل: كيف أمرهم بالإلقاء وهذا سحر، فكيف أمرهم بالسحر وهو منكر؟ فهم جاءوا بهذا لإبطال ما عنده، وجاء هو لإظهار المعجزة، فهم لا يقولون له: نلقي أو لا نلقي؟ إنما يقولون: من يبدأ؟، فقال لهم: ابدءوا، وهذا أظهر في المعجزة من جهة أن علوق الأذهان إنما يكون بما يكون آخراً، والأمر الثاني: أنهم إذا جاءوا بهذا فإن كل ما جاءوا به من هذه الأمور والأباطيل هذه الحية ستلتهمه، فقال لهم: {بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} وهذا يدل على أن السحر الذي جاءوا به هو سحر التخييل، ويدل على هذا أيضاً في الآية الأخرى {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} فهذا سحر التخييل، فالسحر أنواع، ولا يقال كما تقول المعتزلة بأن السحر إنما هو من هذا القبيل وما شابهه، مثل معرفة خواص المواد، فهذه أنواع من السحر، وإلا فالسحر أنواع منه ما هو سحر حقيقي ليس تخييلا ولا معرفة خواص المواد، وهذا قد يمرض وقد يقتل بإذن الله، وما شابه ذلك وهذا هو السحر الحقيقي، ومنه ما يكون من قبيل سحر التخييل كما وقع هذا {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ} يصير الناس يخيل إليهم أن هذا الإنسان تخرج من فمه نار، أو أن هذا السيف يدخل في جوفه، ويخرج من الجهة الأخرى، وليس كذلك، لكن يسحر أعين الناس، ومنه نوع يعتمد على خفة اليد، فيظن من لا خبرة له بأن هذا الشيء الذي فعله هذا الإنسان سحرٌ، وهو ليس بسحر، إنما هو يعتمد على خفة اليد والمهارة في بعض الحركات، وهذا لا يجوز، لكنه ليس بكفر مخرج من الملة، -أعني هذا النوع الأخير الذي يعتمد على خفة اليد-، فهي خدع، ولذلك للأسف تجد في بعض محلات الألعاب والعجائب والتسالي ما هو كثير من هذا القبيل، أشياء يتعلمها الطفل ويتحيل بها، ولربما يتعلم الأطفال بعض الحركات، بل ربما بعض الكبار يأتون بذلك فاصلا بين دوراتهم المهارية –للأسف-، ففي دورة في بعض المهارات يأتي المدرب بفاصل فيه حركات تعتمد على خفة اليد، هي من قبيل هذا النوع من السحر الذي يعتمد على خفة اليد، ومثل هذا يختلف فيه العلماء منهم من يرى أنه كفر؛ لعموم ما ورد في قوله      -تبارك وتعالى-: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} [سورة البقرة: (102)]، وقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [سورة البقرة: (102)]، فأطلق على السحر أنه كفر، والأقرب أن هذا النوع الذي يعتمد على خفة اليد حرام ولا يصل إلى درجة الكفر المخرج من الملة، إنما الكفر المخرج من الملة هو ما كان مثل السحر الذي يكون فيه مخاطبة النجوم، والتقرب إلى الشياطين وما أشبه ذلك من النفث في العُقد، والذي لا يكون إلا عن طريق الشياطين، والإشراك بالله -عز وجل- فهذا هو الكفر المخرج من الملة، وهو الذي يُقتل صاحبه حداً، وأما النوع الذي يعتمد على خفة اليد فهذا لا يقتل صاحبه على الأرجح، لكن يعزر بما يردعه، ولهذا مثل هذه الألعاب المفروض أنها تمنع، وأن الهيئة أو غير الهيئة لا يسمحون ببيعها، والنوع الآخر هو ما يعتمد على معرفة خواص المواد، ولهذا بعضهم يقول: إن هذه العصيّ وكذا هي أشياء كانت محشوة بالزئبق، فتحركت بناء على ذلك، لكن الله -عز وجل- يقول: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ} فدل على أن السحر هو سحر تخييل، أما معرفة خواص المواد فقد ذكرته في درس الأوهام، وإتباع الأوهام مثل الذي يأتي بمادة مخدرة ويأتي للناس بحمامة ويضغط رقبتها فتدوخ ويغمى عليها من المادة المخدرة، ثم يرميها، ويظنونها ماتت، فيأخذها وينفضها فتفيق ثم يلقيها في الهواء وتطير، ويزعم أنه أحياها بمعرفة خواص المواد، وهكذا ذلك الرجل الذي كان يأتي بعصا، ويأتي بمادة تشبه السكر ويقول: إنها سكر، إذا وضع في رأس العصا مادة مقابلة لها يحصل الاشتعال، فيأتي ويقربها منها ويقول: انظروا كيف أشعل السكر، فهذه معرفة خواص المواد، وهكذا الذي جاء وصنع جهازاً ليوضع على قبة رجلٍ يعظمه اليهود، فيصدر صوتاً مثل صوت صغار طائرٍ يقال له: البراصل، فإذا صوّت هذا الصغير جاءت الكبار من الطيور وألقت عليه الزيتون، فجعل الجهاز إذا هبت الريح أصدر صوتاً مثل صوت هذا الطير، فتأتي الطيور من هذا النوع وتلقي الزيتون، فوضعه على فتحة في قبة على قبر معظم عندهم، وأظهر النسك، وسأل: متى مات هذا الحبر؟ فقالوا: في الوقت الفلاني، فصار يفتح هذه في يوم مولده وتلقى الطيور الزيتون ويسقط على القبر، فقالوا هذه كرامة، ففتنوا بذلك، فهذا أيضاً من معرفة خواص المواد، فعلى كل حال السحر أنواع، والسحر الذي جاءوا به هو سحر تخييل، وهنا قال الله تعالى: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [سورة الأعراف: (116)]، فكيف كان هذا السحر عظيماً وهو سحر تخييل؟، وصفه الله بأنه عظيم، والواقع أنه عظيم باعتبار أنهم جاءوا بكميات هائلة من العصيّ والحبال فصارت أمام الناس كأنها حيات، فكأن المكان امتلأ بالحيات، فهو عظيم بهذا الاعتبار، وإلا فهو من قبيل سحر التخييل، فهذا الجمع بين هذه الآية والآية الأخرى، والله تعالى أعلم.

وقوله: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مّوسَىَ}، أي: خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم، ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة: أن ألقِ ما في يمينك.

قيل: يحتمل أن يكون خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم، وقيل: يحتمل أنه خاف أن يلتبس على الناس باعتبار أنهم جاوءا بعصيّ، وآيته كانت العصا، وهذا أبعد، ويمكن أنه لما رأى هذا المشهد من تحول الوادي إلى حيات يركب بعضها بعضاً، وهي كثيرة جداً، وعددها هائل، ولهذا قال الله -عز وجل-: {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ}، والرهبة: الخوف الشديد، فقد يكون موسى -عليه الصلاة والسلام- حصل له الخوف لما رآها فثبته الله -عز وجل-، فموسى -عليه الصلاة والسلام- حينما رأى العصا تنقلب إلى حية في البداية خاف، وقال الله -عز وجل-: {وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [سورة القصص: (31)]، حتى قال الله -عز وجل- له: {أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ} وقال له: {إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} فكان هذا تطميناً له، وكان مشاهدة هذه قبل أن يذهب إلى فرعون أشبه ما يكون بالترويض والتطبيق العملي قبل المواجهة، فيكون قد عرف هذه العصا وكيف يتعامل معها في هذه الحال، فإذا جاء إلى المواجهة مع فرعون يكون قد تهيأ وأعد نفسه، فلا يكون الموقف مفاجئا له، فتنقلب حية قبل أن يشاهدها، فيخاف منها موسى -عليه الصلاة والسلام-، فلو أرسله الله وقال: سنظهر لك آية، فصارت العصا حية عظيمة، لكان موسى -عليه الصلاة والسلام- خاف منها كما خاف فرعون، ومثل هذا لا يكون بذلك التأثير إذا اشترك معه في الخوف منها.

فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألقِ ما في يمينك، يعني عصاك، فإذا هي تلقف ما صنعوا، وذلك أنها صارت تنيناً عظيماً هائلاً ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس.

يبقى كونها ذات قوائم وعنق يحتاج إلى دليل، وهذا مأخوذ من الإسرائيليات وهؤلاء أكذب الناس، فالله أخبر أنها حية، أما كون لها قوائم وعنق وأضراس فهذا يحتاج إلى دليل، فإذا قيل: حية فنحن نعرف الحية ما هي.

فجعلت تتبع تلك الحبال والعصيّ حتى لم تُبق منها شيئاً إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عياناً جهرة نهاراً ضحوة، فقامت المعجزة واتضح البرهان، ووقع الحق وبطل السحر، ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}، فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء: كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجداً لله وقالوا: {آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [سورة الأعراف: (121-122)]، ولهذا قال ابن عباس   -رضي الله تعالى عنهما- وعبيد بن عمير: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة.

وهؤلاء السحرة اختُلف في عددهم اختلافاً كثيراً، وسيأتي ذكر هذه المسألة.

وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: كانت السحرة سبعين رجلاً، أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء، وروى ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: لما خر السحرة سجداً رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها، قال: وعن سعيد بن جبير قوله: {فَأُلْقِيَ السّحَرَةُ سُجّداً} قال: رأوا منازلهم تبين لهم في سجودهم، وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة.

قوله: " كانت السحرة سبعين رجلاً" هذا ليس محل اتفاق وهذا كله مما تُلُقي عن بني إسرائيل، فبعضهم يقول: كانوا اثنين وسبعين، وبعضهم يقول: كانوا ثمانين، وبعضهم يقول: هم أربعمائة، وبعضهم يقول: اثنا عشر ألفا، وبعضهم يقول: أربعة عشر ألفاً، وبعضهم يقول: ثمانون ألفا، وبعضهم يقول: تسعمائة ساحر، انظر إلى هذه الأعداد ما بين سبعين فرداً إلى ثمانين ألفا، فلا يقال: الذين رأوهم قدروهم أنهم سبعون، أو اثنان وسبعون إلى ثمانين شخصاً، فهذا من سبعين فردا إلى ثمانين ألفاً! فهذا رقم لا يمكن أن يلتبس، إلا أن هؤلاء الكذابين النفّاجين يختلقون مثل هذه الأشياء، فالله تعالى أعلم بعدد هؤلاء السحرة، وكُتبُ بني إسرائيل حافلة بهذه الأكاذيب.

وقوله -تبارك وتعالى-: {فَأُلْقِيَ السّحَرَةُ سُجّداً} سماهم سحرة وهم قد تابوا من السحر وآمنوا، هذا باعتبار ما كان، كقوله -تبارك وتعالى-: {وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [سورة النساء: (2)]، متى يعطى اليتيم؟ كما قال الله -عز وجل-: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [سورة النساء: (6)] فإنما يعطى إذا تحقق فيه شرطان: البلوغ، مع حسن التصرف في المال، فسماهم يتامى، وقد فارقوا حال اليتم، فصاروا رجالاً، فهنا ألقي السحرة: باعتبار ما سبق وإلا فهم لم يبقوا سحرة.

قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى-: وقوله: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} يدل على أن الموعد في الآية اسم زمان.

لأن بعضهم يقول: إن الموعد الذي وعدهم مكان، فيوم الزينة يعني: السوق مثلاً هذا مكان، وفي أي وقت؟ وبعضهم يقول: لا، هذا زمان، يوم عيد، وفي أي مكان إذن؟ فبعض أهل العلم يقول: لا منافاة بين هذا وهذا، فيوم الزينة هو يوم العيد، والمكان الذي يجتمعون فيه سوقُهم، فيكون حدد الزمان والمكان بهذه العبارة.

فإن قلنا إن الموعد في الآية مصدر أشكل على ذلك ذكر المكان في قوله: {مَكَاناً سُوَىً}، والزمان في قوله: {يَوْمُ الزِّينَةِ} وإن قلنا: إن الموعد اسم مكان أشكل عليه قوله {لا نُخْلِفُهُ} لأن نفس المكان لا يخلف وإنما يخلف الوعد، وأشكل عليه أيضاً قوله: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ}، وإن قلنا: إن الموعد اسم زمان أشكل عليه أيضاً قوله: {لا نُخْلِفُهُ}، وقوله {مَكَاناً سُوَىً}: هذه هي أوجه الإشكال في هذه الآية الكريمة. وللعلماء عن هذا أجوبة منها ما ذكره الزمخشري في الكشاف قال: لا يخلو الموعد في قوله {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً} ...

هذه الإشكالات التي ذكرها في {اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى} إذا قيل: إنه الزمان فكيف قال: مكاناً؟ وإذا قيل: إنه مكان، فكيف قال: لا نخلفه؟ وهذه قد تمر على كثير من الناس، يقرأ هذه الآيات ولا يقف عند هذا، ولا يخطر له في بال، ولا يدور في خيال، فمثل هذه الأشياء تأتي بالتدبر، ولذلك شتان ما بين قراءة وقراءة.

قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهرُ ما أُجيب به عما ذكرنا من الإشكال عندي في هذه الآية الكريمة: أن فرعون طلب من موسى تعيين مكان الموعد، وأنه يكون مكاناً سُوًى، أي وسطاً بين أطراف البلد كما بيَّنا، وأن موسى وافق على ذلك وعين زمان الوعد وأنه يوم الزينة ضُحى؛ لأن الوعد لابد له من مكان وزمان، فإذا علمت ذلك فاعلم أن الذي يترجح عندي المصير إليه هو قول من قال في قوله: {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً} إنه اسم مكان أي مكان الوعد، وقوله {مَكَاناً} بدل من قوله موعداً؛ لأن الموعد إذا كان اسم مكان صار هو نفس المكان، فاتضح كون {مَكَاناً} بدلا، ولا إشكال في ضمير {نُخْلِفُهُ} على هذا، ووجه إزالة الإشكال عنه أن المعروف في فن الصرف: أن اسم المكان مشتق من المصدر كاشتقاق الفعل منه، فاسم المكان ينحل عن مصدر ومكان، فالمنزل مثلاً مكان النزول، والمجلس مكان الجلوس، والموعد مكان الوعد، فإذا اتضح لك أن المصدر كامنٌ في مفهوم اسم المكان فالضمير في قوله {لا نُخْلِفُهُ} راجع إلى المصدر الكامن في مفهوم اسم المكان، كرجوعه للمصدر الكامن في مفهوم الفعل في قوله: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [سورة المائدة: (8)] فقوله {هُوَ} أي: العدل المفهوم من {اعْدِلُوا} وكذلك قوله تعالى: {لا نُخْلِفُهُ}، أي: الوعد الكامن في مفهوم اسم المكان الذي هو الموعد؛ لأنه مكان الوعد، فمعناه مركب إضافي وآخر جزأيه لفظ الوعد، وهو مرجع الضمير في {لا نُخْلِفُهُ}.

فإذا عرفت معنى هذا الكلام الذي أخبر الله أن فرعون قاله لموسى، فاعلم أن قوله عن موسى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} يدل على أنه وافق على طلب فرعون ضمناً، وزاد تعيين زمان الوعد بقوله: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} ولا إشكال في ذلك. هذا هو الذي ظهر لنا صوابه، وأقرب الأوجه التي ذكرها العلماء بعد هذا عندي قول من قال: إن الموعد في الآية مصدر وعليه فـ {لا نُخْلِفُهُ} راجع للمصدر، و{مَكَاناً} منصوب بفعل دل عليه الموعد، أي: عِدْنا مكاناً سوى، ونصْبُ المكان بأنه مفعول المصدر الذي هو {مَوْعِداً} أو أحد مفعولي {اجْعَلْ} غير صواب -فيما يظهر لي- والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مكاناً سوىً}، قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة: {سُوى} بضم السين والباقون بكسرها، ومعنى القراءتين واحد كما تقدم.

{اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا} الموعد باعتبار أنه مكان الوعد، لكن اسم المكان كما قال كامنٌ فيه معنى المصدر، فهو مكان الوعد {اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ} ليس بإخلاف المكان، وإنما لا نخلف الوعد، وهو المصدر الكامن في اسم المكان، فالوعد هو المصدر، والموعد اسم مكان، ولهذا قال بعده: {لَّا نُخْلِفُهُ} يعني الوعد الكامن في اسم المكان –الموعد-، ويكون بهذا قد جمع بين هذا وهذا.

 

تنبيه: في قوله -تبارك وتعالى-: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [سورة طه: (18)]، ذكرت قبل يومين قراءة: {أهس}، قلت هذه قراءة ابن كثير أو ابن عامر أو نافع، أخطأت، وليست قراءة متواترة بل منسوبة إلى النخعي، وعكرمة.

 

فائدة: هل خُير موسى -عليه السلام- في صغره بين تمرة وجمرة؟

حديث الفتون الطويل عن ابن عباس -رضي الله عنهما- متلقًى عن بني إسرائيل، وإن وجدت بعض الجمل جاءت في بعض الأحاديث الصحيحة، لكن ورد فيه: أنه خير بين جمرتين ولؤلؤتين، وذلك أن فرعون همّ به، فقالت امرأته: ما الذي حملك على ذلك؟ ماذا رأيت من هذا الصغير؟ قال: أما رأيتِه يصرعني ويعلوني؟، فذكرت أن هذا طفل ولا يفهم، وعرضت عليه أن يخيره بين لؤلؤتين وجمرتين، وقالت: إن اختار الجمرتين فهو بريء، وإن اختار اللؤلؤتين فهو يفهم، فأراد أن يأخذ الجمرتين، فمنعه من ذلك؛ لئلا يحترق.

هذا الذي في حديث الفتون، لكن جاء عن بعض التابعين: أنه خير بين تمرة وجمرة، وهذا كأنه متلقًى عن بني إسرائيل، بمعنى أنه لا يثبت في هذا شيء يعتمد عليه، وما عندنا شيء نستطيع أن نستند إليه فنقول: إن هذا هو الذي حصل، وهذه الأخبار لا يعول عليها، والله أعلم.

سؤال: هذه النقلة لهؤلاء السحرة، كانوا سحرة ثم بعد ذلك {فاقض ما أنت قاض} لن نلتفت إليه، وهذا الإيمان...؟

هذا موضع يستوقف الإنسان كثيراً، وهؤلاء عتاة وسحرة، والسحرة هم من أقذر الناس نفساً، وأخبثهم طوية، ويأتون ويتحولون بهذه اللحظة بعدما كانوا يرجون عائدة فرعون ويؤكدون هذا ويسألونه: {أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين} مباشرة يسجدون، ثم يهددهم، ويتوعدهم بالصلب، وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، ثم يقفون أمامه بكل ثبات ويقولون له: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [سورة طه: (73)]، ثم عندهم من المفاهيم الصحيحة والمعلومات {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى} [سورة طه: (74)]، وأما ما ذكر من أنهم سجدوا ورأوا منازلهم في الجنة فهذا يعتمد على الأخبار الإسرائيلية وليس عندنا فيه شيء، فكيف جاءتهم مثل هذه الأشياء؟ أنه يكون في جهنم، ولا يموت فيها ولا يحيا، وأن المؤمن يكون في حال أخرى، له الدرجات العلى، وذكروا الجنة وما فيها من النعيم، قالوا: {وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} يعني: منك ومن ثوابك ومن عذابك ووعدك ووعيدك، فمن أين جاءهم هذا الثبات العظيم أمام فرعون وآثروا الموت، والقتل بهذه الطريقة في سبيل طلب مرضات الله -عز وجل-، والرجل منا ينشأ على الإسلام ونحو ذلك ولا يكون عنده من الثبات ما يداني ثبات هؤلاء السحرة، كيف تحولوا إلى هذه الحال؟! هذا أمر عجيب! وهذا يدل على أن الإيمان يفعل في النفوس شيئاً عظيما، ويحولها ويقلبها ولو كان صاحبها من أخبث الناس نفساً، فما بعد السحرة شيء، فقد تربوا على السحر، على أقذر الأشياء، ولك أن تتصور هذه الكلمة إلى أين تبحر معك، أقذر الأشياء من كل وجه، فالساحر يكتب القرآن بدم الحيض، ويضع أوراق المصحف على الأقذار، ويعيش بين الكلاب، وفي الكهوف وفي المقابر، ويعيش بين القذر، ولا يتنزه ولا يتطهر من النجاسات، ويفعل الفواحش بجميع أشكالها، ويتقرب إلى الشياطين ويعبد غير الله -عز وجل-، فهو من أوسخ الناس وأسوئهم ظاهراً وباطناً، ثم يتحول إلى هذا الثبات!، هذا يدل على أن الإيمان يفعل بالنفوس أشياء عجيبة فيحولها إلى شيء آخر وربما في لحظات، فهذا الإيمان الحقيقي المؤثر إذا خالطت بشاشته القلوب.

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about