‏ [2] حديث أبي هُرَيْرَةَ: "واللَّه إِنِّي لأَسْتَغْفرُ الله، وَأَتُوبُ إِليْه، إلى حديث أبي حمزة "للَّهُ أَفْرحُ بتْوبةِ عَبْدِهِ ‏
عدد الزوار : 24316
تاريخ الإضافة : 8 شعبان 1425
MP3 : 5949 kb
PDF : 993 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

حديث أبي هُرَيْرَةَ: واللَّه إِنِّي لأَسْتَغْفرُ الله وَأَتُوبُ إِليْه.. إلى حديث أبي حمزة: لَلَّهُ أَفْرحُ بتْوبةِ عَبْدِهِ..

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب التوبة أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله    -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة))([1])، رواه البخاري.

((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه)) يجمع -صلى الله عليه وسلم- بين الاستغفار والتوبة؛ امتثالاً لأمر الله  -تبارك وتعالى- كما مضى في قوله: {اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ} [هود: 52] فيجمع العبد بين الاستغفار والتوبة، فيطلب مغفرة الله -تبارك وتعالى- له بستر العيوب، والذنوب، وبالتجاوز عن السيئات، وهذا حقيقة الغَفْر، ويتوب إلى الله -تبارك وتعالى- مع هذا الاستغفار، وقد مضى في عدد من المناسبات أن الاستغفار وحده قد يكون توبة، وذلك إذا واطأه القلب، يعني يكون القلب مواطئاً للسان مع ما يُطلب من شروط التوبة، وأما إذا كان ذلك يجري على اللسان من غير مواطأة القلب -لا يقصد به التوبة- فإنه لا يكون توبة، وإذا جمع العبد بين الاستغفار والتوبة فإن ذلك أدعى إلى التوفيق، وأدعى إلى قبول التوبة، وأن يوفقه الله -عز وجل- لها، وأن يتقبلها منه، فإن العبد بحاجة إلى هذا وهذا، يعني: أن يسأل ربه -تبارك وتعالى- أن يستره، وأن يقيه شؤم الذنب، وما يترتب عليه، وما يتسبب عن المعصية، وتوبة العبد إلى الله -تبارك وتعالى- تعني ندمه وعزمه أن لا يعود إلى هذا الذنب مرة ثانية، فهذا أيضاً من أسباب مغفرة الله -عز وجل- للذنوب؛ فإن الله يغفر الذنوب بأسباب متعددة من أعظمها التوبة، فإنها تجبّ ما قبلها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك يقول: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)).

((أكثر من سبعين مرة)) يبينه حديث الأغر بن يسار المزني -رضي الله عنه- وهو الذي بعده، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة))([2]). رواه مسلم، فأكثر من سبعين مرة: يبينها هذا الحديث أنه كان يتوب مائة مرة، فهذا مَن غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فالذي لم يكن له هذا الضمان عند الله -تبارك وتعالى-، وذنوبه كثيرة، ذنوب القلب، وذنوب اللسان، وذنوب الجوارح، ومع ذلك لو نظر الواحد منا في حاله، وفي توبته، وفي استغفاره أيضاً -ولو من غير مواطأة القلب- لوجد ذلك يسيراً قليلاً، وهذا لا شك أنه من أعظم صور الغفلة، وهو من أعظم أسبابها في الوقت نفسه، فالإنسان إذا تاب إلى الله -تبارك وتعالى- واستغفر انجلى قلبه، وذهبت عنه سحب الغفلة، إذا كان ذلك مع مواطأة القلب، فالعبد بحاجة إلى الاستغفار والتوبة، وإلا فإن الذنوب تسبب له مزيداً من الغفلة، والغفلة تعمي بصيرة العبد، ومن ثَمّ فإنه يبقى على هذه المخالفات والمعاصي والذنوب ولا يرعوي، ولا يشعر بألم المعصية والتقصير، تفوته الصلاة ولا يتألم، ينام عنها مع التفريط ولا يتألم، ينظر إلى الحرام ولا يتألم، يأخذ الحرام ويأكل الحرام ولا يتألم، وهذا يعني أن قلبه قد رانت عليه هذه الذنوب، وأن الغفلة قد غلبت على هذا القلب وعلى صاحبه فلا يتأثر، كالجسد المريض إذا كان مرضه شديداً فإنه قد لا يتأثر بما يقع عليه، كأن يكون الإنسان مصاباً بالسكر، فتنخلع نعله -أعزكم الله- وهو لا يشعر بها، وقد يصيبه شيء يؤذيه وهو لا يشعر؛ لأنه لا يحس، ولأن هذا العضو الذي أصابه الأذى مريض، فإذا اكتملت صحته وعافيته فإن إحساسه يعظم، وهكذا هذا القلب، فإذا كان حياً نابضاً بالإيمان كان مشرقاً بطاعة الله -عز وجل-، وبأنوار الهداية، يتأثر بأدنى تقصير، فالإنسان بحاجة إلى أن يراجع نفسه، وأن يصقل قلبه دائماً بالاستغفار والتوبة، إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل هذا في اليوم مائة مرة، فنحن كم نحتاج أن نفعل ذلك في اليوم والليلة؟!.

إن الله -تبارك وتعالى- كريم، ويُقبل على عبده المنيب والتائب، كما في حديث أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري -رضي الله عنه وأرضاه- خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لَلَّهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة))([3]) ((سقط عليه)) يعني: وجده، ((وقد أضله في أرض فلاة)) أي: أرض مهلكة، لا يجد فيها مخرجاً، ولا يستطيع فيها خلاصاً؛ لطولها وسعتها، وفي رواية لمسلم: ((للهُ أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح))([4]) فهذا فقد الراحلة التي توصله، وعليها الطعام والشراب، ولو فقد الطعام والشراب وحده لكانت مصيبة، فلم يبقَ له من الأمل شيء، ووصل إلى مرحلة اليأس، فذهب واستسلم للموت؛ لأنه لم يترك حيلة في البحث عنها إلا وقد سلكها، حتى انسدت الطرق في وجهه، وضاقت به الحيل، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، ينتظر الموافاة.

أيها الأحبة، قد يفقد الإنسان شيئاً، قد يفقد حقيبته، وفيها بطاقات، أو أرقام مهمة، أو معلومات، أو عناوين، أو فيها التذكرة، أو الجواز، أو الأوراق التي يحتاج إليها، أو يكون في سفر، أو في مطار من المطارات، ثم يلتفت فلا يجد حقيبته، ماذا يفعل؟ يبحث عنها، يذهب إلى شرطة المطار، وإلى محل المفقودات، فلا يجدها، يخرج ليبحث عنها خارج المكان الذي فقدها فيه لعله يجد أوراقه منثورة، وحقيبته مكسورة، فإذا يئس منها، وصار في حالة يرثى لها جلس في مكان ما فوجد هذه الحقيبة بكاملها بجواره، لم يتغير منها شيء، كيف تكون فرحته؟ هذا وهو في مطار في عاصمة من أكبر العواصم، ويستطيع أن يجد حلاً لهذه المشكلة، لكن هذا في فلاة، لا توجد سفارة، ولا توجد حوالات، ولا توجد اتصالات، ولا يوجد شيء، ينتظر الموت، هو لا يجد حتى من يصلي عليه، ولا من يدفنه، ثم ينام وإذا بهذه الراحلة عند رأسه تشمشمه، كيف يكون حال هذا الإنسان؟

لا شك أنه سيفرح فرحاً عظيماً، ولا أدل على هذا من هذه الصورة، ماذا قال؟ قال: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) من شدة الذهول لا يستطيع أن يركّب العقل الجمل والكلمات بصورة صحيحة، هذا الفرح المفرط الذي لا يؤاخذ عليه الإنسان، يصير إلى حال مثل السكران، فهباته، وعطاياه، وطلاقه كل ذلك لا يؤاخذ عليه؛ لأنه لا يعقل، ولهذا ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن هبات مثل هذا الإنسان الذي في شدة الفرح أنها من الورع أن لا تؤخذ، قد يعطي سيارته، وقد يخلع ثوبه بما فيه ويعطيه من شدة الفرح، ثم إذا رجعت إليه قواه العقلية يتندم، فالمقصود أن هذا الرجل وجدها ((فأخذ بخطامها)) يعني استوثق منها، ((ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك)) والإنسان في مثل هذه المواقف قد لا يصدق، يشعر أنه في خيال، وأنه في حلم، ويظن أن هذه الراحلة ليست حقيقية، هل هذا فعلاً تحقق؟ ففرحة الله بتوبة العبد أشد من هذا، هل هناك صورة أعظم من هذا في الفرح؟ إذا بشر بمولود، أو بنجاح، أو بتخرج، أو بمال كل هذا لا يساوي شيئاً؛ لأنه هنا ذهب عنه المال، وذهبت النفس، وذهب كل شيء، سيموت في مكان لا يدري به أحد، سيكون قبره في بطون السباع، وحواصل الطير؛ وعندما يجد راحلته في هذه الحالة يفرح، فهذه فرحة لا تعادلها فرحة، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد وهو أغنى الأغنياء -تبارك وتعالى-، غني عنا وعن توبتنا، فهذا يدعو العبد، ويفتح له باب الأمل ليقبل على الله -تبارك وتعالى- بكليته، ويعرف سعة رحمة الله -عز وجل- وفضله، وليس ذلك بأن يكثر الإنسان من المعاصي ولا يتوب ويقول: الله غفور رحيم، لا، الله يحب التائبين، يحب من كان بهذه الصفة، يفرح بتوبته، أما ذاك الذي يبارزه بالخطايا والذنوب والمعاصي ولا يرعوي فقد جاءت فيه نصوص الوعيد، والله المستعان.

أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يرزقنا وإياكم توبة نصوحاً، وأن يهدي قلوبنا، وأن يسدد ألسنتنا، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيراً من دنيانا، ربنا اغفر لنا ولوالدينا وإخواننا المسلمين.


 

[1] - أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب استغفار النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليوم الليلة (8/ 67) برقم (6307).

[2] - أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه (4/ 2075) برقم (2702).

[3] - أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب التوبة (8/ 68) برقم (6309).

[4] - أخرج مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها (4/ 2104) برقم (2747)

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about