سورة المسد كاملة
عدد الزوار : 3420
تاريخ الإضافة : 13 محرّم 1435
MP3 : 23299 kb
PDF : 2688 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة المسد

 

تفسير سورة تبت، وهي مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ المسد:1-5.

هذه السورة: "سورة تبت".

ويقال لها أيضًا: "سورة المسد" هذا أشهر ما سميت به.

وبعضهم يسميها بـ"سورة أبي لهب".

وبعضهم يسميها بـ"سورة اللهب".

والموضوع الذي تتحدث عنه هو موضوع واحد، وذلك هو ذم أبي لهب وامرأته، تتحدث عن هذا، وهي مكية اتفاقًا، وذكر أنها نزلت في السنة الرابعة من بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

والموضوع الذي تتحدث عنه هو موضوع واحد، وذلك هو ذم أبي لهب وامرأته، تتحدث عن هذا، وهي مكية اتفاقًا، وذكر أنها نزلت في السنة الرابعة من بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

روى البخاري عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: (يا صباحاه) فاجتمعت إليه قريش، فقال: (أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني؟) قالوا: نعم، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك، فأنزل الله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ إلى آخرها([1]).

وفي رواية: فقام ينفض يديه، وهو يقول: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ.

الأول: دعاء عليه.

والثاني: خبر عنه.

فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته: أبو عتيبة، وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والبِغْضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه.

قوله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ كأنه لقب له، بناء على هيئته الظاهرة، يعني أن وجهه كان به وضاءة، فكأنه يتلهب في إشراق، كأنه لهب، فقيل له ذلك، كُني بهذا، فهذه الكنية ليس لولد له بهذا الاسم، وإنما نظرًا لمعنى، أو لهيئة، أو لصفة كانت فيه، فهي أشبه باللقب.

روى الإمام أحمد عن أبي الزناد قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد من بني الدِّيْل، وكان جاهليًّا فأسلم، قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية في سوق ذي المجاز، وهو يقول: (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا)([2]) والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه أحول، ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فقالوا: هذا عمه أبو لهب.

-"ذو غديرتين" يعني ضفيرتين، شعر الرأس.

ثم رواه عن سريج عن ابن أبي الزناد عن أبيه فذكره، قال أبو الزناد: قلت لربيعة كنت يومئذ صغيرا؟ قال: لا والله، إني يومئذ لأعقِل أني أزْفِر القربة" تفرد به أحمد([3]).

"لأعقِل أني أزْفِر القربة" هو يخبر عن نفسه، يقول: "أني لأزفر القربة" يعني أحمل القربة لأهلي، الذي يحمل القربة يكون قد اشتد عوده، فهو فتى يافع يعقل.

ما معنى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ؟

ابن كثير -رحمه الله- يقول: الأول دعاء عليه، والثاني: خبر عنه.

يعني حينما يقال للبعيد: تبًّا لفلان، تبًّا له، هذا دعاء عليه.

دعاء عليه بماذا؟

دعاء عليه بالخسران، فإن معنى: تَبَّتْ يعني هلكت، عبارات المفسرين متقاربة في ذلك.

"خسرت" كما يقول ابن جرير.

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ بمعنى أنه أضاف ذلك إلى يديه؛ لأنه يكتسب بهما.

إذًا تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ قال ابن جرير: يعني تب عمله تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ هذا معنى قول من قال: "خسرت" أو "هلكت".

وهكذا قول من قال: "خابت".

وقول من قال كعطاء: "ضلت" فإن الضلال يعني الذهاب والاضمحلال في أصل معناه.

وهكذا قول من فسره بعبارات مقاربة لهذا، فلما كان أكثر العمل إنما يزاول باليدين، ويصدر عنهما أضيف ذلك إلى اليدين: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ فضل عمله، وخاب سعيه، ولهذا فإن البعض يقول: إن المقصود باليدين يعني نفسه تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ يعني تب أبو لهب، يعني خسر، فهذا لا يخرج عما سبق؛ لأن الأولين قالوا: أضاف إلى اليدين باعتبار أنهما جارحتان للاكتساب، وقد يعبر باليدين عن الشخص: بما قدمت يداك، كما يقال هنا: يعني بما عملت، وما صدر عنك، فأضافه إلى اليدين، مع أن الاكتساب في الأعمال التي يحاسب الإنسان عليها قد يكون باليدين، وقد يكون بغيرهما، لكن عادة عمل الإنسان يضاف إلى يديه، يقال: هذا الذي جنت يداك، كسبت يداك، وما أشبه ذلك، وهذا كله لا إشكال فيه.

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ فيكون هذا كما قال ابن كثير: من قبيل الدعاء عليه، والآخر: من قبيل الخبر وَتَبَّ يعني خسر، وهلك.

وهذا القول: إن الأول: دعاء، والثاني: إخبار، قال به جماعة، وممن قال به من أصحاب المعاني الفراء، كما يقال: أهلكه الله، وقد هلك.

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ يعني دعاء عليه بالخسارة، وقد خسر، وضل سعيه.

في قراءة ابن مسعود -وكما سبق أن قراءة الآحاد تفسر القراءة المتواترة-: "وقد تب" هذا واضح في أن الثاني من قبيل الإخبار، مع أن بعض أهل العلم يقول: حتى الأول من قبيل الإخبار، يخبر عنه بذلك، يقول عنه: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ صار هذا من قبيل التكرار، لكن مثل هؤلاء لا يعجزون عن الجواب، يقولون: أضاف الأول إلى اليدين، والثاني: إلى نفسه، وكأن الثاني من قبيل عطف العام على الخاص، والعلماء يقولون: إن الأوصاف إذا تعددت صح عطف بعضها على بعض.

وبعضهم يقول: كلاهما دعاء عليه، دعا عليه: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ فيكون مثل قول من قال: إن ذلك فيما يتصل أولاً بيديه، بما كسبت يداه، والثاني: بما يضاف إليه هو، فدعا على ما تكسبه يداه بالخسران: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ودعا عليه هو أيضًا بذلك.

وبعضهم يقول: كل هذا دعاء.

فسواء قيل: كلاهما إخبار، أو كلاهما دعاء، فيكون من قبيل عطف العام على الخاص؛ لأنه إذا تبّ هو، فقد تبت يداه، وتب كل شيء يتصل به، ويرجع إليه.

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ هو الوحيد المذكور بكنيته في القرآن.

المعروف أن العرب تذكر الكنية للتكريم، إذا أرادت أن تكرم أحدًا ذكرت الكنية، والعرب يكرهون اللقب، يعني أن يُدعى إنسان باللقب فالمراتب عندهم ثلاث: الأولى: أن يُدعى بالكنية، فهذا هو التكريم.

الثاني: أن يدعى باسمه، وهذا هو التوسط.

والثالث: وهو المكروه عند العرب، أن يدعى باللقب.

وهذا معروف ومشهور.

والعجيب أن الشناقطة عندهم اللقب تكريم، ولذلك تجد العلماء الكبار عندهم يُدعون بالألقاب، ولا تكاد تجد عالمًا إلا وله لقب، وهذه الألقاب عجيبة وغريبة في ألفاظها، وقد لا يكون لها معانٍ أصلاً في بعض الأحيان، انظر إلى ألقاب العلماء من المعاصرين مثلاً: "أبَّاه، أبُّوه، عَدُّود" وقد سألت أحد علماء الشناقطة: ما هذه الألقاب والعرب تكره اللقب؟

قال: نحن عندنا اللقب هذا تشريف وتكريم، فيُذكر.

قلت: ما معنى أبُّوه وأبَّاه وأبَّه؟

يتعارفون بهذا يعني هم يميزون فلانًا عن فلان؛ لأن أسماءهم في الغالب كثير هكذا: محمد الأمين، محمد سيدي، محمد المختار، وما أشبه ذلك، فيميزون بهذا، أبَّاه، أبَّه، أبُّوه، وما أشبه هذا.

فذكر لي أن هذه في العادة في الغالب تكون كلمة نطق بها صبي، طفل صغير، فاستملح فكان مثلاً يقول لأبيه: عبد الودود: "عَدُّود" فلقب بهذا "عَدُّود" يدعو أباه: "أبُّوه" فلقب هذا العالم بهذا اللقب، وهكذا، فهذا على خلاف العادة التي كانت عليها العرب، والله المستعان.

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ هنا ليس للتكريم، لكن لأنه لا يكاد يعرف إلا بهذا، لأنه لو قيل: عبد العزى فإنه لا يكاد يعرف.

لماذا يذكر؟

يقال: الله عليم حكيم، ولكن العلماء ذكروا توجيهًا لذكره في القرآن، أن هذه الكنية التي هي أشبه باللقب، أنها مناسبة لما ذكر معها من العقوبة والعذاب: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وكما قيل: "لكل مسمى له من اسمه نصيب" إما على المطابقة، وإما على الضد، فهو أبو لهب سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ.

وإذا قلت: "لكل مسمى له من اسمه نصيب" إما على المطابقة، أو الضد، ما بقي شيء، هذا ينقل عن ابن القيم -رحمه الله.

وقوله تعالى: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ قال ابن عباس وغيره: وَمَا كَسَبَ يعني ولده.

وروي عن عائشة ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين مثله.

وذكر عن ابن مسعود: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما دعا قومه إلى الإيمان، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقًّا فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب الأليم بمالي وولدي، فأنزل الله -تعالى-: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ.

مَا أَغْنَى عَنْهُ الغَنَاء بمعنى الدفع والنفع، تقول: فلان ليس به غَنَاء، يعني ليس به نفع ولا دفع، والغِنى بالكسر والقصر- قصر الألف- هو كثرة العَرض، كثرة المال، والغَناء أيضًا يقال: كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ يونس:24 يعني هو الإقامة والمكث في المكان، غَنِينا بهذا المكان، يعني أقمنا به، ويقال: الغِناء هو المطرب المذموم، المعروف، غِناء، غنّى يغنّي.

مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ يعني ما نفعه، وما دفع عنه ما نزل به، وحل به من الخسار والتباب والعذاب هذا المال الذي جمعه، وما كسب.

وَمَا كَسَبَ بعضهم يقول: يعني من الجاه والوجاهة، والمكانة والرئاسة في قريش، ما أغنى عنه شيئًا.

وبعضهم يفسر: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ المال الذي ورثه، وَمَا كَسَبَ من المال الذي حصله بكسبه هو، بيده، بعمله، وهذا فيه بعد، ولكن الأشهر هو ما قاله مجاهد، وما ذكره الحافظ ابن كثير هنا ونقله عن ابن عباس   -رضي الله عنهما- المال معروف، والكسب هنا: وَمَا كَسَبَ يعني بالولد، من أجل أن لا يكون هناك تكرار، والتأسيس مقدم على التوكيد، يعني معنى جديد أولى من أن يقال: هذا كله من قبيل التكرار.

وهذا القول: أي وَمَا كَسَبَ يفسر بالولد، هذا الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله-: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ما أغنى عنه ماله وولده، وهذا يرد في القرآن ويتكرر بنفي الانتفاع، وأن الإنسان لا ينفعه ماله ولا أولاده عند الله -تبارك وتعالى.

و "ما" هذه في مَا أَغْنَى عَنْهُ نافية، وبعضهم يقول: إنها استفهامية.

والأقرب أنها نافية، ينفي عنه مَا أَغْنَى عَنْهُ.

لكن من فسرها بأنها استفهامية يكون المعنى: مَا أَغْنَى عَنْهُ ماذا أغنى عنه ماله؟ وكذلك: وَمَا كَسَبَ أي: وأيّ شيء حصل له من الكسب؟.

ويمكن أن تكون مصدرية: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ يعني ما أغنى عنه ماله وكسبه.

وتفسير الأولى بأنها نافية أقرب، وأن الثانية موصولة، ويحتمل أن تكون مصدرية، إن قلنا موصولة: وَمَا كَسَبَ لم يغنِ عنه ماله والذي كسبه، أو إذا قلت مصدرية: وَمَا كَسَبَ لم يغنِ عنه ماله وكسبه، والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ أي: ذات لهب وشرر وإحراق شديد.

سَيَصْلَى نحن ذكرنا في مناسبات متعددة فيما سبق أن هذه المادة تفسر بدخول النار، ومقاساة حر النار، وهذا الذي فسرها به شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، بالمعنيين، يعني تجد المفسرين: يفسرها بعضهم بهذا: يصلى: يدخل.

وبعضهم يقول: يحترق.

وهذه اللفظة تأتي لهذا وهذا، يعني كل ذلك داخل في معناها سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ.

وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ "الواو" هنا في قوله: وَامْرَأَتُهُ بعض أهل العلم يقول: إنها عاطفة، وتكون امرأته معطوفة على الضمير في سَيَصْلَى يعني "هو"، فيكون المعنى على هذا: سيصلى وامرأتُه نارًا ذات لهب، سيدخل ويحترق أبو لهب وامرأته في نار ذات لهب، تكون عاطفة على الضمير في قوله: سَيَصْلَى يعني هو، يعني وتصلى امرأته نارًا ذات لهب، على هذه القراءة كما سيأتي إيضاحه -إن شاء الله.

وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وكانت زوجته من سادات نساء قريش وهي أم جَميل، واسمها: أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان، وكانت عونًا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فلهذا تكون يوم القيامة عونًا عليه في عذابه في نار جهنم، ولهذا قال تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ يعني تحمل الحطب فتلقي على زوجها ليزداد على ما هو فيه، وهي مهيأة لذلك، مستعدة له.

فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ قال مجاهد وعروة: من مسد النار.

وقال العوفي عن ابن عباس وعطية الجدلي-عطية الجدلي هو عطية العوفي- والضحاك وابن زيد وبه قال الربيع وهو اختيار ابن جرير: كانت تضع الشوك في طرق النبي -صلى الله عليه وسلم.

قال: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقال الجوهري: المسد: الليف.

والمسد أيضا حبل من ليف أو خوص.

وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها، ومسَدتُ الحبلَ أمسده مسْدًا إذا أجدتُ فتله.

عندنا أمران: الأول: وهو معنى كون امرأته حمالة الحطب حَمَّالَةَ يعني كثيرة الحمل، فيبقى النظر في هذا أولاً: هل هذا صفة لها في شيء كانت تزاوله في الدنيا؟ أو أن هذا في الآخرة، في نار جهنم؟.

الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ذكر أن هذا في نار جهنم، أنها تحمل الحطب في النار، وتلقيه على زوجها ليزيد احتراقًا.

بهذه الصيغة، بهذا التفسير قد لا تجد من قال به من المفسرين قبل ابن كثير -رحمه الله-، أن هذا في النار تلقي الحطب على زوجها ليزيد احتراقًا، مع أن اللفظ يحتمله.

وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ هل هو في الدنيا أو في الآخرة؟

هذا يحتمل.

وعبارات السلف تجد فيها عبارات لا تؤدي إلى هذا المعنى الذي ذكره ابن كثير، لكن في العطف أنها معطوفة: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ يعني أنه: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وأنها تكون معه؛ لأنها كانت عونًا له على الكفر والأذى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بهذا الاعتبار، لكن أن يكون هذا بمعنى أنها تضع الحطب عليه في نار جهنم، بهذا التفسير، لا تكاد تجد من ذكر هذا قبل ابن كثير -رحمه الله.

والذي اختاره ابن جرير، وذهب إليه جمع من السلف: أن المقصود أنها كانت تضع الشوك في طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا وردت فيه روايات، ولكن هذه الروايات قد لا يصح شيء منها، ولكنها من قبيل الروايات الضعيفة، أو المراسيل، ونحو ذلك.

وقد ذكرنا أن هذه السورة نازلة بسبب أبي لهب، لما قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "تبًا لك" فهذا لا إشكال فيه، لكن: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ أنها كانت تضع الحطب في طريق النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا مشهور جدًّا في كتب التفسير، وفي السيرة، ولكن من جهة ثبوت ذلك في الرواية قد لا نجد رواية متصلة الإسناد، صحيحة، لا غبار عليها، تدل على هذا، مع شهرته، ولهذا ذهب جماعة من السلف كمجاهد وقتادة والسدي وسفيان الثوري إلى أن المقصود بـحَمَّالَةَ الْحَطَبِ أنها كانت تمشي بين الناس بالنميمة.

تأمل هنا فُسر بأمر معنوي، باعتبار أنها توقد نيران الفتنة، وأن العرب تقول: فلان يَحطِب على فلان، أو على آل فلان، بمعنى أنه يقوم بالنميمة، يفتن، يفسد.

وهذا قال به جماعة من السلف، وهو استعمال معروف عند العرب:

إنّ بني الأدْرمِ حمالو الحطبْ ***  هم الوشاةُ في الرضا وفي الغضبْ

نسأل الله العافية، هم أهل نميمة.

وقول الآخر:

.................... *** ولم تمشِ بين الناسِ بالحَطَبِ الرَّطْبِ

"الحَطب الرطْب" أردأ؛ لأنه إذا أُوقد عليه يكون له دخان، ويؤذي من حوله، بخلاف الحطب اليابس، فإن اشتعاله أسهل.

وبعض السلف كسعيد بن جبير قال: تحمل الحطب يعني أنها تحمل الخطايا والذنوب والأوزار، فعد ذلك تفسيرًا من قولهم: فلان يحتطب على ظهره؛ كما في قوله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ الأنعام:31 وهذا لا يخلو من بعد، -والله أعلم-.

والجمهور قرأوا هذا الموضع بالرفع: "وامرأته حمالةُ الحطب" هكذا بالرفع، فهذا إخبار عنها، امرأته حمالةُ الحطب، فتكون من قبيل الخبر، لكن على ما سبق من عطف وَامْرَأَتُهُ على الضمير في قوله: سَيَصْلَى سيصلى هو وامرأتُه حمالةُ الحطب، فتكون "حمالة" صفة، أو نعتًا لامرأته، سيصلى هو وتصلى امرأتُه حمالةُ الحطب، التي من صفتها أنها حمالة، امرأته الموصوفة بكونها حمالة الحطب، ويمكن أن تكون "حمالة" على قراءة الرفع هذه خبرًا بمبتدأ محذوف، امرأته هي حمالةُ الحطب. 

أما على قراءة عاصم التي نقرأ بها -مع أنه روي عنه الرفع-: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فيكون النصب هنا على الذم، أو على أنه حال من امرأته، حال على كونها موصوفة بهذه الصفة.

فِي جِيدِهَا ما هو الجيد؟ معروف، هو العنق.

وأما المسد فالمشهور أنه الليف فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ أي حبل من ليف، مع أن بعض أصحاب المعاني يقول: حبل من الصوف.

وبعض السلف كالحسن يقول: حبال من شجر نبات باليمن يقال له: المسد.

الحبال قد تكون من ليف، وقد تكون من صوف، وقد تكون من نباتات، أصلا هذه الحبال توجد نباتات في أفريقيا معروفة، اسمها: شجر الحبال، هكذا، مزارع ضخمة هائلة، ينقطع دونها البصر، هذه مزارع الحبال، نباتات يصنع منها الحبال.

فقد تكون هذه الحبال من جلود الإبل، وقد تكون من الأوبار، وبر الإبل.

هذا المسد فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ هل هو في الدنيا أو في الآخرة؟ هي حمالة الحطب هل هذا في الدنيا أو في الآخرة؟ كذلك هنا: فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ بعض السلف كالضحاك وغيره يقولون: هذا في الدنيا.

ما الذي كانت تفعله في الدنيا؟

بعضهم يقول: فِي جِيدِهَا حبل من ليف، أو نحو ذلك تحتطب به، هي شريفة غنية، ما الحاجة أنها تحتطب؟.

قالوا: لا، هي من أجل أن تنقل الشوك لتلقيه في طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وبعضهم يقول: هذا في النار، بل هو أيضًا منقول عن الضحاك، يقول: هو في الدنيا حبل تنقل به الليف، وفي الآخرة حبل من النار تعذب به.

القول بأنه حبل في النار قال به جماعة من السلف كمجاهد وعروة بن الزبير والثوري، قالوا: سلسلة من نار تعذب بها، باعتبار أن السلسلة إذا نظرت إلى هيئتها، إلى شكلها، فهي مجدولة، يعني كفتل الحبل، ومن هنا فسر بعض السلف: الحبل من المسد بالسلسلة، بهذا الاعتبار، نظرًا لصورتها وهيئتها وشكلها.

 

القول بأنه حبل في النار قال به جماعة من السلف كمجاهد وعروة بن الزبير والثوري، قالوا: سلسلة من نار تعذب بها، باعتبار أن السلسلة إذا نظرت إلى هيئتها، إلى شكلها، فهي مجدولة، يعني كفتل الحبل، ومن هنا فسر بعض السلف: الحبل من المسد بالسلسلة، بهذا الاعتبار، نظرًا لصورتها وهيئتها وشكلها.

 

وبعضهم كقتادة يقول: هي قلادة من وَدَع، خرز كما يقول الحسن: كانت في عنقها، يعني هذا في الدنيا صفة لها، هكذا وصفها الله -عز وجل-: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ لكن ما الفائدة من ذكر أنها كانت تلبس قلادة من خرز مثلاً أو تلبس قلادة من وَدَع؟.

وسعيد بن المسيب يقول: كانت تلبس قلادة فاخرة من الجوهر، فإنها أقسمت أن تبيعها، وأن تنفق ذلك في عداوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيكون ذلك عذابًا في جسدها يوم القيامة.

والمسْد هو الفتل، يقال: مسَد الحبلَ يمسُده يعني فتله.

وابن جرير -رحمه الله- جمع بين عامة هذه الأقوال بعبارة عجيبة، فهو يقول: حبل جُمع من أنواع مختلفة من ليف وحديد ولِحاء -لِحاء أي شجر، باعتبار أنه نبت- وجُعل في عنقها كالقلادة من وَدع، من خرز، وهذا غريب في الجمع بين الأقوال.

والله أخبر أن فِي جِيدِهَا يعني في عنقها حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ إما أن يكون الحبل من الليف، ونحوه، حيث كانت تحتطب به لأذى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو أنه حبل في النار تعذب به، أو أنها كانت تفعل ذلك في الدنيا، وتعذب به في الآخرة، جزاء وفاقًا، والجزاء من جنس العمل، والله أعلم.

وقال مجاهد: فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ أي: طوق من حديد، ألا ترى أن العرب يسمون البكَرة مسدًا؟

والبكَرة معروفة التي يوضع فيها الحبل، ويربط به الدلو على فم البئر.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبِي وأبو زرعة قالا: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان حدثنا الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة وفي يدها فِهر، وهي تقول:

مذمَّمًا أبينا، ودينَه قلينا، وأمرَه عصينا

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، لقد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنها لن تراني) وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا الإسراء:45 فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم ترَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا، ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها، قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثرت أم جميل في مِرطها، وهي تطوف بالبيت، فقالت: تعس مُذمَّم، فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني لحَصان فما أُكلَّم، وثَقاف فما أُعلَّم، وكلتانا من بني العم، وقريش بعدُ أعلم([4]).

آخر تفسير السورة، ولله الحمد والمنة.

العلماء -رحمهم الله- حينما يؤلفون في أحكام القرآن فإن الغالب في التأليف أنهم يقتصرون على الآيات الصريحة المسوقة لبيان الأحكام، ولهذا يفسرون عادة خمسمائة آية، كما سمى مقاتل بن سليمان المتوفى سنة 150 للهجرة كتابه في أحكام القرآن، وهو كتاب مطبوع، سماه: "تفسير خمسمائة آية" باعتبار أنها هي الصريحة في الأحكام.

إذًا القصص التي يؤخذ منها الأحكام، الآيات التي ما سيقت لتقرير حكم ابتداءً، لكنه يُفهم منها أحكام، يستنبط منها أحكام، قصة يوسف -عليه السلام- فيها أحكام، ولهذا القرطبي -رحمه الله- لم يقتصر على خمسمائة آية، وإنما فسر القرآن كاملاً، واستنبط من مواضع لا يكاد يترك موضعًا يمكن أن يستنبط منه إلا استنبط، فهنا لو جئنا إلى هذه السورة هي لم تذكر لبيان الأحكام الفقهية، ماذا يمكن أن يستنبط منها من الأحكام؟

- تصحيح أنكحة المشركين، قال: وَامْرَأَتُهُ أضافها إليه، ومثله امرأة فرعون، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصحح أنكحة المشركين بعدما أسلموا، وإنما أقرهم عليها، ما كان يعيد العقد، وصحح أنسابهم، فهنا قال: وَامْرَأَتُهُ فدل على صحة أنكحة المشركين حال شركهم.

- الدعاء بالهلاك على أعداء الدين، هذا مضى أيضًا في: وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا نوح:26.

- صحة تملكهم العقود التي كانوا يجرونها بينهم والمعاملات والمعاوضات، وما أشبه ذلك، ولهذا من أسلم وهو يتعامل بالربا فإنه يقر على مكاسبه السابقة أيضًا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ البقرة:275 لكن لا يأخذ بعد إسلامه شيئًا.

- الولد من كسب أبيه، فيصح له أن يأخذ من ماله من غير إجحاف بماله، ولا ضرر.

- جواز تكنية الكافر، لا على سبيل الإكرام له.

وأخيرا هذا كلام لشيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: "وقوله: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ إن كان مثلا للنميمة؛ لأنها تُضرم الشر، فيكون حطب القلوب، وقد يقال: ذنبها أعظم، وحمل النميمة لا يوصف بالحبل في الجيد، وإن كان وصفًا لحالها في الآخرة كما وُصف بعلُها وهو يصْلى، وهي تحمل الحطب عليه كما أعانته على الكفر، فيكون من حشر الأزواج، وفيه عبرة لكل متعاونيْن على الإثم، أو على إثم ما، أو عدوان ما"([5]).

وكما سبق أن ذكرت أنه لم يسبق إلى هذا التفسير غير ابن كثير من المفسرين، وشيخ الإسلام هنا كلامه موافق لما ذكره ابن كثير، لكنه ذكره على سبيل الاحتمال: "وقد يقال"، لكن من الذي فسره بهذا؟ من قال: هذا هو المعنى؟.

الآية تحتمل هذا المعنى، لكن تأمل كلام ابن تيمية: "ويكون القرآن قد عمم الأقسام الممكنة في الزوجين، وهي أربعة: إما كإبراهيم وامرأته، وإما هذا وامرأته، وإما فرعون وامرأته، وإما نوح وامرأته، ولوط، ويستقيم أن يُفسَّر حمل الحطب بالنميمة بحمل الوقود في الآخرة؛ كقوله: (من كان له لسانان)([6]) إلخ، والله أعلم"([7]) يعني أن الجزاء من جنس العمل.



[1]- رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب} [المسد: 2]، رقم (4972).

[2]- رواه أحمد في المسند، برقم (16023)، وقال محققوه: "صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، عبد الرحمن بن أبي الزناد ينزل عن رتبة الصحيح، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح، أبو الزناد: هو عبد الله بن ذكوان".

[3]- رواه أحمد، رقم (19005) وقال محققو المسند: "صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن".

[4]- رواه الحاكم في المستدرك، (3376) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وابن حبان في صحيحه، رقم (6511)، وصححه الذهبي في تعليقه على تلخيص الحبير، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، رقم (6477).

[5]- مجموع الفتاوى (16/603).

[6]- جزء من حديث رواه أبو يعلي في مسنده، رقم (2772) وتتمة الحديث: (مَنْ كَانَ لَهُ لِسَانَانِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ فِي نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وقال حسين سليم أسد: "إسناده ضعيف" كما في تعليقه على مسند أبي يعلى.

[7]- مجموع الفتاوى (16/603).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about