سمات العلم النافع
عدد الزوار : 10806
تاريخ الإضافة : 18 محرّم 1424
MP3 : 95356 kb
PDF : 454 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

سمات العلم النافع

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فنسأل الله –عز وجل- أن يجعل اجتماعنا وإياكم اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا، ولا معنا شقيًّا، ولا محروماً.

العلم صفة شريفة، يدلك على شرفها أن أحداً من الناس لا يرضى بحال من الأحوال أن يوصف بأضدادها، فلو قلت لأحد من الناس مهما كان جهله متجذراً، لو قلت له: يا جاهل، لغضب، ولن يرضى بهذا الوصف الذي نسبته إليه، فدل ذلك على أن الجهل لا يرضاه أحد لنفسه، ولو لم يكن متحققاً بالعلم.

فهذا يدل على مكانة العلم، ومنزلته، وهو أدنى الأدلة التي يُستدل بها على شرفه، ويكفيك من مطلوبٍ شريف أن يكون بهذه المثابة، أن يكون أدنى الأدلة التي يُستدل بها على منزلته، وشرفه بهذه المثابة من القوة في الحجة.

ومن أدنى الأدلة التي يمكن أن يستدل بها على شرفه أن الحيوان يشرُف به، فضلاً عن الإنسان.

ألم يقل الله -عز وجل-: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ؟ المائدة: 4، فهذه الجوارح من الحيوانات، والطيور، إذا اصطادت للإنسان، وكانت معلمة فإنه يحل ما صادته، وإن كانت غير معلمة فإنه يحرم، وله حكم الميتة، هذا الحيوان الكلب وما في معناه يكون بهذه المرتبة إذا تعلم، يحل صيده، فإن بقى من غير تعليم لم يحل ما اصطاده.

وأما الأدلة الواضحة المشهورة التي تدل على منزلة العلم فهي كثيرة جدًّا، ذكرها الله –عز وجل- في كتابه، وذكرها النبي-صلى الله عليه وسلم- في سنته، وهي معلومة لنا جميعاً.

ألم يقل الله -عز وجل- مبيناً تفاضل أهل الإيمان، وتفاوت رتبتهم، ألم يقل: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ؟ المجادلة:11، فدل ذلك على أن مراتب العالِمين من أهل الإيمان فوق مراتب سائر المؤمنين، فهم فوقهم، وكلنا يريد أن يحصّل المراتب العالية عند الله -عز وجل.

الإنسان إذا تعلم تهذبت نفسه، وارتفع عن غلظ الجهل، وعن دركاته، وسما، وارتفع، تعلو منزلته عند الله -عز وجل- وترتفع، ويحصّل المنازل العالية من الجنة، وليس حديثنا عن شرف العلم، وإنما حديثنا عن ذلك العلم النافع، الذي نريد أن نحدد معالمه؛ كي نتحلى به.

وذلك أن العلم تارة يكون شريفاً، حميداً، له هذه الفضائل، والشمائل، وتارة يكون مذموماً، لا يزيد صاحبه إلا انحطاطاً، وبعداً عن الله –عز وجل-، وانحرافاً عن الصراط المستقيم.

ونحن إذا تتبعنا النصوص الواردة في الكتاب، والسنة التي يذكر الله –عز وجل- فيها العلم، نجد أنها تارة تذكر العلم على سبيل المدح، وتارة تذكره على سبيل الذم.

فمِن ذكره على سبيل المدح قول الله -عز وجل-: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الزمر:9، وهذا استفهام، وهذا النوع من الاستفهام في مثل هذا المقام يكون مضمناً معنى النفي.

ومعنى الآية: "لا يستوي الذين يعلمون، والذين لا يعلمون"، والقاعدة في هذا الباب: أن نفي الاستواء في مثل هذه المقامات يُحمل على أعم معانيه، وأحواله، فإذا قال: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ أي: لا يستوون.

كما قال الله –عز وجل- في مواضع أخرى في نفي الاستواء: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَالحشر:20، فيقال في ذلك: لا يستوون في محياهم، ولا يستوون في عملهم، ولا يستوون في مماتهم، ولا يستوون في حال بعثهم، ونشورهم، ولا يستوون في سيرهم على الصراط، ولا يستوون في حال الحساب، ولا يستوون في المنازل عند الله -عز وجل- في دار كرامته، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الزمر:9.

لا يستوون من كل وجه، وشتان بين العالم، والجاهل.

والمقصود بهذا العلم الذي لا يستوي أصحابه مع غيرهم هو العلم النافع الذي يقرب إلى الله –عز وجل- كما سيأتي، ومما يدل على ذلك أن الله -تبارك وتعالى- جعل شهادة أهله بمنزلة، وذلك شرف كبير لا يدانيه شرف، ألم يقل الله –عز وجل- في شهادة عظيمة على أعظم مشهود به: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ؟ آل عمران:18، فذكر شهادته، وشهادة الملائكة، وذكر شهادة الذين أوتوا العلم على أعظم مشهود به، وهو قضية التوحيد، أن الله واحد لا شريك له.

وهذا الاقتران يدل على منزلة العالِمين، وعظم مكانتهم، كما أن الله –عز وجل- جعل أهله هم أهل الخشية: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فاطر:28، فجاء به بأسلوب الحصر إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ كأنه يقول: لا يخشى الله سوى العلماء، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، كما جعله سببا لتفضيل آدم -صلى الله عليه وسلم- على الملائكة.

ومعلوم أن الشرف الذي يلحق الآباء يلحق الأبناء إن كانوا على طريقتهم، وقد اتصفوا بصفتهم، فالله -عز وجل- علم آدم الأسماء، حيث قال: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَالبقرة:31-33، فدل ذلك على شرف آدم -صلى الله عليه وسلم- ورفعة مرتبته، وهو يدل على شرف الآدميين أيضاً، ومنزلتهم من بين سائر الخلائق، ولا أقصد بذلك أن جنس بني آدم أفضل من الملائكة، فهذا أمر لا طائل تحته، وبحث لا حاجة لمناقشته، ومذاكرته، إذ إنه لا يترتب عليه عمل، ولا ينبني عليه نفع يحتاج إليه العبد في دنياه، أو في آخرته.

هذا العلم النافع الذي اجتمعنا لنرسم صورته، هذا العلم هو الذي طلبه موسى-صلى الله عليه وسلم-، وهو الكليم الذي اصطفاه الله –عز وجل- على الناس برسالاته، وبكلامه، وعلّمه من العلوم ما لا يُقادَر قدره، ثم مع ذلك يخرج مع غلامه إلى شاطئ البحر، ويقول: لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًاالكهف:60، فلما لقي الخضر قال له بأسلوب تلطف فيه غاية التلطف: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًاالكهف:66، فخرج موسى-صلى الله عليه وسلم- طالباً لهذا العلم.

وهذا العلم النافع هو الذي سأله نبينا -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث جابر بإسناد حسن، أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً)([1])، وهذا تعليم للأمة أن يسألوا ربهم أن يعلمهم ما ينفعهم.

وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو ربه: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا)([2]).

وهو -صلى الله عليه وسلم- أرشد أمته إلى سؤاله، كما في حديث جابر -الذي سبق- في بعض رواياته: (سلوا الله علماً نافعاً)([3])، فنسأل الله –عز وجل- أن يرزقنا وإياكم علماً نافعاً يقودنا إلى مرضاته، ومحابه -جل جلاله.

وتارة يذكر العلم في الكتاب، والسنة على سبيل الذم، وذلك الأمور متعددة:

أولها: أن يكون العلم في نفسه نافعاً، ولكن صاحبه لم ينتفع به، فصار ذلك وزراً عليه، وحملاً يرهقه، ويثقل كاهله، ويكون شهادة عليه عند الله –عز وجل.

وإذا نظرتم في القرآن، والأمثال التي ذكرها الله –عز وجل- فيه، تجدون أنه لا يوجد أمثال في الشدة كالأمثال التي ذكرت في أهل العلم الذين لا يعملون بعلمهم، أسوأ مثل يصور حالة الإنسان هي تلك الأمثال التي ضربها الله -عز وجل- لأهل العلم الذين لا يعملون بما علموا.

فالله -عز وجل- وصف بذلك أمة من الأمم، ووصف به رجلاً من الناس، أما الأمة فهم بنو إسرائيل اليهود حينما تخلوا عن الأمانة التي حمَّلهم الله –عز وجل- إياها، وكتموا ما عندهم من العلم الذي كان يجب عليهم أن يُدْلوا بمقتضاه بشهادةٍ يشهدون بها على صدق ما جاء به النبي-صلى الله عليه وسلم-، فكتموا ذلك حسداً من عند أنفسهم، فقال الله –عز وجل-: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا الجمعة:5، مثّلهم بهذا المثل الحمار-، وإذا تأملت هذا المثل تجد فيه من صور الشدة، والبشاعة التي يلحقهم شنآنها شيئًا كثيرًا من وجوه متعددة، الحمار هو أبلد أنواع الحيوان، وأسمجه، وأذله، وأحطه، فشبههم الله –عز وجل- بالحمار، في حاله حينما يحمل كتباً عظيمة فوق ظهره، وهو لا يدري عنها شيئاً، ولا يفهم منها شيئاً، ولا ينتفع بها، وليس له من هذا العلم، أو من هذه الأسفار إلا التعب، فهي ترهقه، وتثقل كاهله، من غير طائل.

كالعِيسِ في البيداء يقتلها الظَّما *** والماءُ فوق ظهورها محمولُ([4]).

فهكذا صورهم الله –عز وجل-.

وأما المثل الآخر فهو ذلك الإسرائيلي أيضاً، وكان من علماء بني إسرائيل حيث ضرب الله -عز وجل- به المثل بالكلب في أسوأ حالاته، حينما يخرج لسانه يلهث، وذلك لا شك أنه مشهد في غاية القبح، ويوجب للنفس نفرة، وكراهية، لا تخفى على كل ذي ذوق صحيح، يقول الله -عز وجل-: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ الأعراف:175-176.

يعني: إن تابعته، وطاردته، وطردته يلهث، وقد يكون معذوراً في هذه الحالة لأنك حملت عليه، أي تابعته، وطردته، وزجرته، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ فهو يلهث في كل أحواله، هذا مثله.

وقال الله –عز وجل- في ذكر هذا العلم الذي لا ينفع: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ الجاثية:23، والشاهد هو قوله -تبارك وتعالى-: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ، فعلى أحد التفسيرين المشهورين في الآية: أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ منه بالضلال، كان عارفاً بالهدى، وعالماً به، ومع ذلك ضل عن علم، فلم يكن ضلاله بسبب جهله، وعدم وضوح الحق له([5])، فلا شك أن هذا العلم وإن كان نافعاً لكن صاحبه لم ينتفع به فهو مذموم بلا ريب.

والثاني: من الأحوال التي يُذم بها العلم في كتاب الله –عز وجل-: هو أن يكون العلم في نفسه مذموماً لكونه من العلوم الضارة، أو العلوم التي يغلب عليها الضرر، كما قال الله –عز وجل- عن اليهود، حينما اشتغلوا بالسحر، وبتعلمه، وأعرضوا عن كتاب الله –عز وجل-، وعن العمل بالتوراة، فقال الله –تبارك وتعالى- عنهم: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ البقرة:102، إلى أن قال الله -عز وجل-: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْالبقرة:102 الآية.

فهؤلاء كانوا يتعلمون ما يضرهم، ولا ينفعهم، فدل ذلك على أن بعض العلوم مذمومة، وأنها ضارة، وأن تعلمها يحطّ من أمر صاحبها، ويهوي به في الدركات وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ أي: السحر مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ أي: ليس له في الآخرة من نصيب، ويدخل في هذه العلوم الضارة سائر العلوم التي لا خير فيها، ولا نفع، أو أن الضرر غالب عليها، كعلم النجوم الذي يُراد به التأثير لا التسيير؛ لأن علم النجوم منه ما يتعلق بالتأثير، وهو من العلوم الباطلة التي يتعلمها المنجمون، والسحرة، ويعتقدون فيها اعتقادات: أن النجوم في أحوالها، وأشكالها، وتنقلاتها لها تأثيرات في الأحوال الأرضية، ومجريات الأمور من نصر، وهزيمة، ورزق، وحبس للمطر، وما إلى ذلك مما يقع للخلق!، فلا شك أن هذا علم باطل، وأن هذه النجوم لا علاقة لها بذلك، وإنما يستفاد منها ثلاث فوائد: فهي زينة للسماء، ويهتدي بها الناس في أسفارهم، ويعرفون بها الشهور، والعِدد، ويعرفون بها أوقات الصوم، والحج، وما إلى ذلك، كما أنها رجوم للشياطين، فهذه ثلاثة أمور تستفاد من النجوم، وينتفع بها، وما عدا ذلك لا يجوز التوسع فيه.

فإنْ تعلمها الإنسان للمعنى الذي ذكرته أولاً، وهو أن يتعرف بها على مجريات الأمور التي يقدرها الله –عز وجل- فلا شك أن هذا علم باطل، ولا حقيقة له، وهو مبني على أساس هارٍ، وهو من العلوم الكفرية؛ علم التأثير، وهكذا سائر العلوم الضارة، كعلوم الموسيقى، والألحان، وعلوم الرقص، وعلوم الخدع التخييلية، التي يخيل صاحبها للناس أنه من السحرة مثلاً لمعرفته بخواص المواد، أو خفة الحركة، أو غير ذلك مما يستهوي به الآخرين.

وإذا نظرتم إلى بعض الكتب التي تذكر العلوم، ككتاب: مفتاح السعادة لطاش زادة، وجدتم علومًا كثيرة تفوق الحصر، لا يخطر ببالك علم من العلوم إلا وتجد مؤلفات قد أُلفت فيه، ولا شك أن لكل ساقطة لاقطة، والله -عز وجل- يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فالحاصل أن هذا من العلوم الضارة.

إذا نظرتم إلى بعض الكتب التي تذكر العلوم، ككتاب: مفتاح السعادة لطاش زادة، وجدتم علومًا كثيرة تفوق الحصر، لا يخطر ببالك علم من العلوم إلا وتجد مؤلفات قد أُلفت فيه، ولا شك أن لكل ساقطة لاقطة، والله -عز وجل- يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فالحاصل أن هذا من العلوم الضارة.

 

وكذلك أيضاً ما حدث في الأمة من العلوم الكلامية، والمناهج الفلسفية التي كانت نتيجة لترجمة كتب اليونان، وغيرهم من الأمم المنحرفة، ذات الحضارات المنحلة، فترجمت تلك الكتابات، فانكفأ كثير من الناس عليها يدرسونها، ويتعلمونها، حتى قال الغزالي مستفزاً للعلماء الذين عاصروه، والذين جاءوا بعده.

يقول: "كل من لا يتحقق بالعلوم الكلامية فإنه لا يوثق بعلمه، واجتهاده"([6])، فكان ذلك سبيلاً لانهماك العلماء في هذه العلوم، حتى إن الواحد منهم صار إذا ألف كتاباً صار يخلط هذه العلوم بهذا الفن، وإن كان لا يمت إليها بصلة؛ ليثبت تحصيله لتلك المراتب العالية، مراتب المجتهدين كما زعم الغزالي، وليطرد عن نفسه الجهل، ولا يُتهم أنه لم يبلغ تلك المراتب، فصارت تلك العلوم تُخلط في العقائد -وهذه هي الخطورة-، فصارت كتب العقيدة عند كثير من هؤلاء المنحرفين، صارت كتب كلام، وجدل، وشكوك، وشبهات، وحجج متهافتة يضرب بعضها بعضًا، وينقض بعضها بعضًا، ولا تورث علماً، ولا تورث خيراً، لا تورث يقيناً، وإنما تورث شكوكاً، وطعوناً في أصول الاعتقاد، كما قال بعضهم مصوراً الحال التي وصل إليها بعدما خاض ذلك البحر الخضم، وترك علوم أهل الإسلام، يقول:

نهايةُ إقدامِ العقول عِقالُ *** وغايةُ سعيِ العالمين ضلالُ

ولم نستفد من بحثنا طولَ عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وكم مِن جبال قد علا شُرفاتِها *** رجالٌ فزالوا والجبالُ جبالُ([7]).

فهو لا يصور حال المطمئنين بالإيمان، والراسخين بالعلم، ممن عرفوا حقيقة ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإنما يصور حال أولئك المُتهوِّكين الذين أعرضوا عن الكتاب، والسنة، واشتغلوا بهذه العلوم الضارة، وفي كل عصر يخرج للناس قرنٌ يبدو لهم بصوره تستهويهم، فيتكالبون عليه، ويشتغلون به، ويعرضون عن العلوم النافعة، ويظنون أن ذلك يزيدهم قرباً عند الله –عز وجل-، ورفعة، ولا يستبينون ما فيه إلا بعد فوات الأوان، وانصرام القرون، وهلاك أمم ممن تشاغلوا به عمّا هم بصدده، وعمّا يجلي لهم الطريق التي أمرهم الله –عز وجل- بسلوكها،فهذه العلوم الكلامية، والمناهج الفلسفية، والقواعد العقلية تُرد بها النصوص؛ لأنها بزعمهم تعارض هذه القواعد!، وأن هذه القواعد موازين يوزن بها الوحي، والنص، وأن كل نص عارضها، أو ناقضها فهو مردود، مع أننا نعلم علماً جازماً أن الوحي لا يمكن أن يعارض العقل الصحيح، وأن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- جاءوا بمَحارات العقول، ولم يأتوا بمُحالات العقول.

نعم يأتون بأشياء لا تدركها العقول، ولا تصل إليها، وتتوقف فيها، لكن لا يمكن أن يأتي الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بأمر تنكره العقول.  

وقد قيل لأعرابي على فطرته وسجيته آمن بالرسول-صلى الله عليه وسلم-، فقيل له: بأي شيء عرفت أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟، فقال على البديهة: "ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه، وما نهى عن شيء، فقال العقل: ليته أمر به"([8])، فهل بلغ أولئك من المشتغلين بتلك العلوم، هل بلغوا مبلغ هذا الأعرابي بهداية الله -عز وجل- له، وما وصل إليه من هذه النتيجة التي تعبوا في الوصول إليها.

ولذلك كان الواحد من هؤلاء ممن منّ الله –عز وجل- عليه بالتوبة بعد طواف طويل في دراسة تلك المناهج كان يقول: أموت على عقيدة العجائز، أموت على عقيدة أمي، وعلى عقيدة عجائز نيسابور([9]).

المقصود: أن العجائز على الفطرة، فهي لا تعرف شيئًا عن تلك العلوم.

ولا زلت أذكر قول تلك المرأة التي رأت الرازي، وهو الفخر المعروف، رأته يمر، ومعه كوكبة عظيمة جدًّا من تلامذته، فتعجبت من هذا المشهد، وقالت: من هذا؟ فالتفت إليها واحد منهم، وقال: هذا الذي يعرف على وجود الله ألف دليل!، وجود الله –عز وجل- يحتاج إلى ألف دليل؟!، هذا الذي يعرف على وجود الله ألف دليل، أتعب نفسه في أمر مقرر في الفطر، فقالت هذه المرأة على البديهة: لو لم يكن في قلبه ألف شك لما عرف على وجود الله ألف دليل، وصدقت.

الجارية الأعجمية التي كانت ترعى تلك الغنم عند أُحد لما ضربها سيدها، وجاء إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- متندماً على تلك اللطمة التي صكها بها، وأراد أن يعتقها، وأوقفها بين يدي الرسول-صلى الله عليه وسلم- فقال لها الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أين الله)؟ فأشارت بيدها، وقال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله، جارية أعجمية ترعى الغنم، فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: (أعتقها فإنها مؤمنة)([10])، فكم يتعب هؤلاء أنفسهم وراء سراب لا طائل تحته!.

ولهذا يقول الإمام أحمد -رحمه الله-: "لا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا تجهّم"([11]).

والعلوم السيئة الفاسدة والضارة كثيرة جدًّا، ومن ذلك العلوم التي دونها الصوفية من التفسيرات الإشارية فإن عامتها ضلال، وانحراف، وكثير منها كفر محض.

وكذلك أيضاً تلك العلوم، والمصنفات التي صنفها طوائف الباطنية، فإن التشاغل بها صد عن سبيل الله –عز وجل-، وعمىً في البصائر، وإزاغة للقلوب.

ومن العلوم الضارة أيضاً التي وصفتُ ما يقع لبعض طلاب العلم الذين لم يهتدوا إلى لباب العلوم، وما ينفع منها، فيشتغلوا بتحصيله، فيكون الواحد كالذباب يقع على المواضع القذرة، فتجد هذا الإنسان لا يقع في الكتب أو في كلام أهل العلم إلا على مواطن الزلل، والأخطاء، والعورات، فيتصيد ذلك.

ثم أيضاً لربما كان هذا الإنسان يحفظ كلام أهل العلم في بعضهم، فإن أهل العلم لربما وقع بينهم شيء من المغايرة، ولربما وقعت بينهم منافرات عبر القرون، فيجد مثالاً هاهنا، ومثالاً هاهنا، ومثالاً هاهنا.

فهذا العالم يقول في أخيه كذا، وكذا من العبارات التي لا تليق، والآخر يرد عليه بالمثل، ولربما كان ذلك عنواناً لكتاب، فيبحث عن هذا الكتاب، ويتشاغل بجمع هذه الأشياء، ويحفظها، ويوردها في المجالس، فهذا لم يوفق، لا يعرف من العلم إلا هذا، وقد جاء ذم ذلك عن جماعة من السلف كالإمام مالك، وابن عبد البر، وطائفة، فمن لم يحفظ من أخبارهم إلا ما بدر من بعضهم في بعض المواقف بسبب حسد، أو غضب، أو شهوة، دون العناية بفضائلهم، ومناقبهم، وعلومهم النافعة، فإنه يُحرم التوفيق، ويحيد بهذا عن الطريق، كما قال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله.

ومن هذه العلوم التي تضر في الغالب: تلك الإسرائيليات الجديدة التي وردت على هذه الأمة في القرون المتأخرة، في وقت الانبهار بالحضارة الغربية، فصار الناشئ في بعض الأحيان يتتلمذ على كتب مترجمة تتحدث عن التربية، والأخلاق، وتوصِّف النفس الإنسانية بعللها، وأدوائها، وعلاجها، وأنّى لهؤلاء أن يعرفوا حقيقة النفس، والله –عز وجل- هو الذي خلقها، ويعلم خفاياها.

ولربما كان الواحد منا لا يحفظ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثاً واحداً، ولم يقرأ كتاباً واحداً في العلم، ولم يثنِ ركبته في مجلس واحد، وإذا سمعته لربما يتفلسف: يقول فلان، ويقول فلان من الأعاجم، ممن أعطاهم الله عجمة القلب، وعجمة اللسان، فننقل كلامهم، ونستشهد به، لا في مقام الإلزام لقومهم أننا ندينهم من ألسنتهم، ومن أقوال مفكريهم، وإنما في باب الاحتجاج، وتقرير قضايا الآداب، والأخلاق، وما إلى ذلك من الأمور المتعلقة بإصلاح المجتمع، أو إصلاح النفس، وإصلاح العمل، نتحدث، وننقل أقوالهم، وعباراتهم من غير روية، ولا تفكير، الإسرائيليات القديمة بيّن العلماء حكمها، وضبط النبي-صلى الله عليه وسلم- ما يُقبل منها، وما لا يُقبل منها، فهي على ثلاثة أقسام: ما وافق ما عندنا قبلناه، وما خالفه كذبناه، ومالم يأتِ معه ما يصدقه، أو يكذبه نتوقف، وأما هذه الإسرائيليات الجديدة فكثير منها يلتبس على الناس، ويتعلمها أناس ليس لهم قدم راسخة في العلوم الشرعية، تؤهلهم لأن يميزوا الدخيل من الأصيل، فيلتبس الأمر، وتقع اللوثات في هذه الدراسات التي تُدرس، وتُتلقى عن أولئك المنحرفين الضالين المضلين، مع أن الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها.

لكن إذا كان تخبطهم في عماية، ويرجمون بالغيب من مكان بعيد، فما حاجتنا إلى كلامهم، والاستشهاد بعبارات في قضايا جلاها الله –عز وجل-، وجلاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعبارات السلف فيها قوية، وواضحة، وكثيرة؟.  

الثالث من هذه العلوم التي ذمها الله –عز وجل- في القرآن: هي العلوم الدنيوية التي تورث صاحبها نشوة، ورفعة، وعلوًّا، وتكبراً على ما جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام-، العلوم الدنيوية مطلوبة، وتقوم بها عمارة الحياة مع التزام شرع الله –عز وجل-، ولا يمكن للأمة أن تقوم وتقوى إلا بالأخذ بأسباب القوة المادية فتستطيع أن تعارك الأمم، وأن تزاحمها بالأكتاف، وأن تتفوق عليها، أما الإخلاد إلى الجهل -وإن كان الناس يتدينون في ظاهرهم- فلا شك أنه مخالف لأمر الله –عز وجل-؛ لأن الله أمر بالأخذ بأسباب القوة بنوعيها كما قال الله –عز وجل-: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْالنساء:102، فيعلمهم الصلاة في الجماعة في حال التحام الصفوف، والمواجهة العسكرية، يعلمهم الصلاة في جماعة، والارتباط بالله –تبارك وتعالى- مع الأخذ بالسلاح، والحذر، لا يتكل على أنهم من أولياء الله –عز وجل-، وأنهم أهل طاعته، وأنهم في تقرب إليه في أعلى حالات التقرب وصوره، وهو السجود، تقف طائفة أخرى تحرس هؤلاء الساجدين.

وكذلك في قوله –تبارك وتعالى-: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْالأنفال: 60.

فالأخذ بأسباب القوة المادية مطلوب، ولا ينكره من يعرف ما يخرج من رأسه.

 لكن الذي ذمه الله –عز وجل- هو تلك العلوم الدنيوية التي لم تدل أصحابها على الله –عز وجل-، واتباع الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، بل أورثتهم انتفاشةً، وغروراً، وعُجباً، واكتفاءً بما عندهم من هذه العلوم كما قال الله –عز وجل-: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَغافر:83.

وكذلك في قوله –تبارك وتعالى- عنهم: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونالروم: 7، فهذا ذكره في موضع الذم لهؤلاء الناس الذين عرفوا ظاهراً من الحياة الدنيا.

وهذا العلم الضار السيئ هو الذي استعاذ منه النبي-صلى الله عليه وسلم- كما في حديث زيد بن الأرقم، كما أخرج مسلم في صحيحه: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع)([12]).

وفي حديث جابر الذي مضى شطره: (وأعوذ بك من علم لا ينفع)([13])، وفي لفظٍ على سبيل الأمر لهذه الأمة: (وتعوذوا من علم لا ينفع)([14]).

والرابع مما يذم به العلم في كتاب الله –عز وجل-: أن ذلك يكون في حال التعمق الزائد فيه، والخروج عن الحد الذي ينبغي أن يوقف عنده، فإذا أفضى بالناس إلى أمور من المبالغة، والتعمق في أمور لا حاجة لهم بها فإن ذلك يكون مذموماً، ومن ذلك دراسة علم النجوم، أعني: الشق الآخر غير الذي ذكرتُ أولاً، علم التسيير معرفة الجهات، وما إلى ذلك، هذا علم صحيح، ولكن التعمق في دراسة علم النجوم أمر مذموم، وقد ذمه السلف -رضي الله عنهم-، وهكذا التوسع في بعض العلوم، زيادة على القدر المحتاج إليه، كأن يتعمق الإنسان في دراسة علوم النسب على القدر الذي يُحتاج إليه، فيشتغل به عما هو أولى منه، فينقطع في دراسة مثل هذه الأشياء، فهذه أمور إنما يحتاج إلى قدرٍ منها، أما التعمق الزائد بذلك فلا حاجة إليه.

وقد كره الإمام أحمد أيضاً التعمق الزائد في معرفة دقائق العربية، وغريب كلام العرب، أقول: القدر الزائد في ذلك، والتعمق فيه، وكان ينهى أبا عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله- عن ذلك، والسبب فيه أنه يشغله عما هو أهم من المطلوبات التي هو بحاجة إلى تحصيلها.

وإذا عرفنا أن من العلوم ما هو ضار، وما هو نافع، فنقول: أفضل العلوم النافعة هي تلك العلوم التي جاءت في الكتاب، والسنة، العلم بالله –عز وجل- بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، الذي يورث العبد تعظيماً للمعبود، وإجلالاً، وخشية، وتقى، كما سيأتي.

والعلم بمعاني كتاب الله –عز وجل- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك يُستشرح به الطريق التي تُسلك إلى الله –عز وجل-، وهي طريق مبناها على العلم، ولا يمكن للجاهل أن يسلك فيها؛ لأن الله –عز وجل- لا يعبد إلا بما شرع فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًاالكهف:110، فالجاهل يتخبط خبط عشواء، ويفنى عمره، ويتعب، ويشقى في بدع وضلالات لا تزيده من الله -عز وجل- إلا بُعداً، فلابد من دراسة علوم الكتاب والسنة، وبها تعرف الدار التي يصل إليها العبد، وما فيها من النعيم المقيم، أو العذاب الأليم، فيكون ذلك حثًّا له على سلوك هذا الطريق، وترغيباً فيه، وتنشيطاً للسالكين، وهكذا علوم الحلال، والحرام، والأمر، والنهي، والفقه الذي يُبنى عليه العمل، وكذا ما جاء عن السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم-؛ لأننا إنما نفهم الكتاب، والسنة بضابط واضح جلي، وهو أن نفهمها على فهم السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم-، وأن نعرف مواطن الإجماع، ومواطن الخلاف؛ لئلا نقع في أمور قبيحة؛ كخرق الإجماع، ومخالفته، ولذلك لا يمكن لأحد أن يكون متحققاً بالعلم إلا بعد أن يعرف مواطن الإجماع، ومواطن الخلاف؛ لئلا يأتي بالعجائب، ولئلا يقول قولاً لم يسبق إليه، فالنظر في كلام السلف -رضي الله تعالى عنهم- مطلوب، ولهذا يقول الأوزاعي-رحمه الله-: "العلم ما جاء به أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، فما كان غير ذلك فليس بعلم"([15])،

وكذا قال الإمام أحمد -رحمه الله-.

إذن هذه هي العلوم التي تنفع العبد، وهي رأس العلوم، وهي التي تورثه الخشية كما قال الله –عز وجل-: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُفاطر:28، وليس المراد بذلك العلماء بالعلوم الطبيعية، فإن هذه العلوم لا تورث خشية، وإنما المقصود به: العلماء بالله -عز وجل-، العلماء بأمره، ونهيه، وشرائعه حلاله، وحرامه، وحدوده، والعلماء بالدار التي يصير إليها الخلق، وما فيها من النعيم المقيم، والعذاب الأليم، فإن ذلك لا شك أنه يحدوهم حدواً إلى الإيمان بالله –تبارك وتعالى-، والخوف منه، وتعظيمه، وإجلاله، ومراقبة حدوده، فمن جمع هذه العلوم فهو من العلماء الربانيين، العلماء بالله، العلماء بأمره، وهم أكمل ممن قصر علمه على العلم بالله دون العلم بأمره، وبالعكس؛ لأن الإنسان قد يكون عالماً بالله، يعرف من صفات الكمال والجلال ما يورثه هيبة، وخشية، وتعظيماً لربه، ومليكه -جل جلاله-، ولكن إذا سألته عن الحلال، والحرام فهو بمنأى عنه.

وطائفة أخرى تحفظ الأدلة، وتعرف الأحكام، وتجيد الفتيا، وتدرك الحلال من الحرام، ولكنها لا تعرف الله  -عز وجل- المعرفة الصحيحة، إما لأنهم أعرضوا عن هذا أصلاً، اشتغلوا بعلوم الحلال، والحرام فحسب، وإما لأنهم لم يسلكوا الطريق التي توصلهم إلى تعظيم الله –عز وجل-، فاشتغلوا بدراسة هذه الأمور التي يمكن أن توصل إلى تعظيم الله، اشتغلوا بها من منحىً آخر، كالذي يدرس الأسماء، والصفات فقط ليناقش فيها أقوال الفرق، والرد على هذه الفرقة، ومناقشتها، وحججها، وأدلتها، فمثل هذا لاشك أنه يُحتاج إليه لبيان الحق، وإقراره، ورد الباطل، ولكن لا يجوز بحال من الأحوال أن نقف عنده، هذا يُحتاج إليه لطائفة من الأمة تقوم بهذا الفرض، وهو الذب عن العقيدة، ونصرتها، وكسر خصومها، ولكن أن يبقى هذا هو منهج الدراسة فإذا جاء باب الأسماء والصفات بدأنا نشتغل بدراسة الفرق، وأقوال الطوائف من أهل التأويل، والتمثيل، والتكييف، والتعطيل، ثم لا نتحدث عن سمات هذه الأسماء والصفات، وعن مدلولاتها، وعن آثارها، فإن ذلك لاشك أنه جناية عظمى على هذه النصوص، وتفريط عظيم، حيث إن الله –عز وجل- إنما أخبرنا عن أسمائه، وصفاته من أجل أن نتقرب إليه، وأن نتعبده بها.

فالعلماء إما أن يكون الواحد منهم عالماً بالله، أو عالمًا بأمر الله، أو عالمًا بالأمرين، والكمال أن يكون العبد عالمًا بالله، وعالمًا بأمر الله –عز وجل- هذا مع مراعاة بعض الأمور التي يجب أن تراعي؛ كالاقتصار على القدر الذي يُحتاج إليه دون التعمق.

ومن هذه العلوم قلنا مثلاً: العلم بأمر الله -عز وجل-، والعلم بالحلال، والحرام، نحن نتعلم معانيَ الصفات، والأسماء، وآثار هذه الأسماء والصفات.

لكن هناك أمور يجب أن نقف عندها؛ لأن العقول لا تدرك ذلك، ولم يتعبدنا الله –عز وجل- به، هل يخلو العرش من الله –عز وجل- إذا نزل إلى السماء الدنيا، أو لا يخلو؟ من كلفنا بذلك؟، ومن طالبنا به؟، ومن سألنا عنه؟، ومن أذن لنا أن نبحث هذا البحث؟، فنقول: نؤمن أن الله –عز وجل- ينزل كما يليق بجلاله، وعظمته، ولكن نقف عند هذا الحد، فنتحرى في ثلث الليل الآخر تلك الساعة بالدعاء، والابتهال إلى الله -عز وجل-، والتضرع إليه، هذا هو المطلوب، أما أن نترك هذه القضية التي أخبرنا عنها الشارع، ونشتغل هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟، فالشارع لم يخبرنا عن هذا النزول؛ من أجل أن نشتغل بهذه القضية التي لا تعنينا، و(من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)([16]).

هذا بالإضافة إلى الاقتصار على بيان الحق بأقرب طريق دون التعمّق، والتكلف، والتمحّل بالعبارات العسيرة الصعبة، والمصطلحات الغامضة، والأساليب المنطقية، التي يقرر بها كثيرون علومهم التي دونوها سواء في مصطلح الحديث، أو في علوم اللغة العربية، أو في أصول الفقه، أو حتى في شروح الحديث، أو حتى في تفسير القرآن، ويقررون هذه الأمور بطرق عسيرة، غثة، كلحم جمل غث على جبل وعر، ليس سهلاً فيُرتقي، ولا ممهداً فينتقل عنه".

فالمقصود أن هذه أمور لا حاجة إليها، وإنما يقرب العلم للناس كما كان السلف -رضي الله عنهم- بعبارة قريبة، سهلة، واضحة، تجلي الحق من غير تعقيد، أما ما يلجأ إليه كثيرون فإن هذا لا شك أنه أورث العلم كدراً، وصار في نظر كثير من الناس بعيد المنال صعباً، مع أن العلم ليس كذلك، يحتاج إلى همّة، وصبر، وصفاء ذهن، ومع الليالي والأيام يحصله الإنسان، ومن بذل وقته في مطلوب حصله ولو بعد حين بإذن الله –عز وجل-.

 فالمقصود أن هؤلاء يصعّبون العلوم، أعطيكم مثلاً على ذلك، الشاطبي-رحمه الله- يذكر صوراً مستهجنة من صنيعهم في العلم، إذا سئل الواحد منهم عن القمر، القمر معروف، ولا يخفى على أحد، فيكفي أن يقال: إن القمر هو هذا الذي نشاهده ليلاً، فيقولون: هو ذلك الجِرم المحوي، في الجِرم الحاوي([17])، ثم يذكرون من صفاته أنه صقيل عاكس للضوء، ومستدير، وما إلى ذلك من أوصافه التي يذكرون.

إذا قلت: إن القمر هذا الذي نشاهده في الليل كفى، وحصل المقصود، وإذا قلت: الهواء هو هذا الذي نستنشقه كفى، وإذا قلت: الماء هو هذا الذي نشربه كفى، ولا حاجة لتعريفها بأمور لا تزيدها إلا تعقيداً، وغموضاً، ولا شك أن هذا نقص، وقصور، وإن ظن أصحابه أنه من الكمالات.

وليس العلم بكثرة الكلام، وكثرة الرواية، وكثرة المحفوظات، إنما العلم هو ما وقر في قلب الإنسان من المعارف الصحيحة التي تورثه يقيناً، وعملاً، وخشية من الله –عز وجل-، وتعظيماً له، قد يكون الإنسان كثير الكلام، لكن كلامه ليس تحته طائل، أحياناً لربما تسمع الخطبة، أو المحاضرة كاملة، طويلة جدًّا، وتستطيع أن تختصرها بأسطر، ليس تحتها كثير من العلم، فمثل هذا لاشك أنه مذموم.

وأما العلم الصحيح فإنه لُبابٌ يصعب عليك أن تحذف جملة واحدة منه، فهو لبن خالص سائغ للشاربين.

وقد أُعطي النبي-صلى الله عليه وسلم- جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصاراً، وكانت خطبه قصداً، وكان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه.

وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (الحياء، والعِي شعبتان من الإيمان)([18])

العِيّ يعني: ضعف الإبانة في الكلام، شعبتان من الإيمان، "والبذاء، والبيان شعبتان من النفاق" الذي يلوك بلسانه، ويتخلل كما تتخلل البقرة، هذا لا شك أنه مذموم، والله –عز وجل- لا يحب هذه الصفة.

فيتكلم الإنسان بكلام جزل واضح يحصل به المطلوب، ويبين به الحق من غير تعقيد، ولا لجوء إلى العبارات التي تحتاج إلى فك بمراجعة كتب المصطلحات الفلسفية، وغيرها، ودون أن يحتاج الإنسان إلى الرجوع إلى القواميس؛ لأن هذا الإنسان يعبر بالعبارات النادرة، والألفاظ الشاذة المهجورة التي لا يعرفها السامع.

المقصود: هو إيصال المعنى، فالمفترض أن تعبر بالعبارات التي يفهمها الناس، أمّا أن تحوج القارئ أو السامع إلى أن يصطحب معه قاموساً؛ من أجل أن يفسر هذه الكلمات المحشودة بين قوسين فمثل ذلك لا شك أنه خلاف المقصود، ولهذا يقول عون بن عبد الله -رحمه الله-: "ثلاث من الإيمان، الحياء، والعفاف، والعِيّ -عِيّ اللسان، لا عيّ القلب، ولا عي العمل-، وهن مما يزدن في الآخرة، وينقصن من الدنيا".([19])، وكان بعض السلف يقول: "إنْ كان الرجل ليجلس إلى القوم فيرون أن به عِيًّا، وما به عِي، إنه لفقيه مسلم"([20])، يعني: أن كلامه قليل إذا جلس في المجلس، فهو أقل الناس تكلفاً، وأقلهم كلاماً، والآخر يستهويهم بلسانه الأخّاذ، وفصاحته، وبلاغته، لكن من غير طائل، وإنما العبرة بالمعاني.

ولذلك لا يمكن أن يُحكم على علم العالم بالكثرة، أو القلة؛ نظراً لكثرة كلامه، وإنما يُحكم عليه بما عنده من معرفة حقائق الأمور، والعلم الثابت الراسخ المبني على الأدلة الصحيحة، هذا هو العلم.

فهو نور يقذفه الله -عز وجل- بالقلب يورثه بصيرة أعظم من بصر العين، فإن البصيرة هي عين القلب، فيميز بين الأمور، وإذا وقعت الفتن كان على محجة واضحة، وطريق يسلكه لا يختلط عليه الحق بالباطل.

والشاطبي-رحمه الله تعالى- يقسم العلم من هذه الحيثية إلى ثلاثة أقسام، نحن نتحدث عن العلم النافع، الشاطبي يقول: "العلم ثلاثة أقسام: قسم هو من صلب العلم، وهذا لا شك أنه من أجلّ العلم، كالعلم بالله وأسمائه، وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره، وشره، وكذلك الحلال، والحرام، وكذلك ما يتعلق بتهذيب الأخلاق، وتزكية النفوس، وما إلى ذلك، فهذا من صلب العلم.

وقسم آخر هو من مُلح العلم، وليس من صلبه، يُستفاد منه ولكن العلم لا يتوقف عليه([21])، وذلك ككثير من الأشعار الرائقة اللطيفة، ذات المعاني الجميلة، والألفاظ المستعذبة، التي يوردها المحاضر والمتكلم أثناء كلامه، فهذه لا يُبنى عليها حكم، وإنما تذكر من باب الإفادة، وزيادة النفع، وتكثيره فقط.

وكذلك أيضاً إيراد أقوال السلف -رضي الله تعالى عنهم- في الأمور التي لا يُبنى عليها حكم من مجرد كلامهم، فيها أدلة من الكتاب، والسنة، ولكن يورد في تلك أقوال السلف لتنشيط النفوس، وحثها على العمل بطاعة الله –عز وجل- مثلاً، فهذا كله من مُلح العلم.

هكذا أيضاً تكثير الأسانيد، والطرق للحديث الواحد إذا كان هذا الحديث قد جاوز القنطرة، حديث لا مطعن فيه، وهو ثابت في الصحيحين، فما الحاجة لجمع طرقه، والتكثر بذلك؟، فهذا من مُلح العلم.

وكذلك ما يتناقله العلماء، أو الرواة في كثير من الأحيان، حينما يروى الحديث، يقول: وقبض على لحيته، ثم الآخر يروى عنه الحديث، ويقبض على لحيته، فتجد الحديث مسلسلاً بعمل يعمله الرواة، فتتبع مثل هذه الأمور لا حاجة إليه، ولا ينبني عليه عمل، وإنما هو من مُلح العلم.

وكذلك أيضاً الحِكم التي لم يصرح الله –عز وجل- بها، والتي مبناها على الظن، والتخمين، ما الحكمة من رمي الجمار؟ ما الحكمة من الوقوف بعرفة؟ ما الحكمة من ذبح الهدي؟ فهناك أمور دل عليها الشارع، فهذا لا إشكال، لكن تتبع هذه الأمور، لماذا الصلاة بهذه الهيئة؟ الأمور التي لم يدل عليها دليل -أعني: حكمتها-،

 لماذا الركوع بهذه الهيئة؟ ما الحكمة؟ لماذا نصلي العصر أربع ركعات؟ ونصلي الفجر ركعتين؟ فتجد العلماء يتلمسون حِكماً، وهذه الحِكم مبنية على الظن، فهذا من مُلح العلم إذا كان هذا الظن له وجه، وأما إن كان ذلك من قبيل التكلفات فهو من العلم المذموم.  

وأما ما كان من القسم الثالث وهو ما كان خارجاً عن صلب العلم، وعن مُلح العلم([22])، فهذا ما لا ينبني عليه عمل من سائر العلوم، أحياناً تقرأ في بعض كتب الأصول، فتتعب في دراسة مسألة، وقراءة الكلام فيها بأسلوب في غاية العسر أحياناً، ثم إذا أصابك الصداع في جمع أطراف هذه المسألة وجدت أن المؤلف يصرح في النهاية أن هذه المسألة لا ينبني عليها عمل، وإنما المقصود -كما يقولون- شحذ الأذهان فقط، بعد هذا الطريق الطويل ثم يقول: المقصود شحذ الذهن!، وهذا في كثير من العلوم التي تذكر فيها بعض المسائل التي لا ينبني عليها عمل، ومن ذلك تكليف الكفار بفروع الشريعة، هل هم مخاطبون بفروع الشريعة، أو لا؟ عند من يقول: إنه لا يترتب عليه أثر في الدنيا، فعند هذا القائل يكون ذلك ليس من صلب العلم، ولا من مُلحه، وكذلك الكلام في أصل اللغات، هل اللغات في أصلها توقيفية، أو غير توقيفية؟ ما الحاجة إلى هذا؟، وما الذي يترتب عليه؟ ما الذي ينبني عليه؟ لا شيء.

المفاضلات، من الأفضل، الصالحون من البشر، أم الملائكة -عليهم الصلاة والسلام-؟، فتجد كلاماً، وخلافاً لا ينبني على دليل واضح، والله لم يكلفنا بذلك، ولا يترتب عليه عمل، فهذا ليس من مُلح العلم، وليس من صلبه.

وبهذا الاعتبار يمكن القول بأن كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليلٌ شرعي، كما يقول الشاطبي في الموافقات، وبذلك نعرف أن العلم النافع ما رجع إلى القسمين السابقين: ما كان من صلب العلم، وما كان من ملُح العلم، وأعلاه مكانة ما كان من صلب العلم، فلا ينبغي الاشتغال بمُلح العلم إذا كان ذلك يقطع العمر عن تحصيل لُب العلم، وصلبه، والعمر معلوم أنه قصير([23]).

بعد ذلك أدخل في الكلام على سمات هذا العلم الذي حددنا زاويته، وبيّنا أطرافه، وأنه العلم الذي ينبني عليه عمل، أو يورث خشية، وتعظيماً لله –عز وجل.

فأقول: سمات هذا العلم كثيرة جدًّا، أكتفي بأشهرها، وأوضحها، وأهمها:

فأول ذلك: أنه يورث الخشية: إذا أردت أن تعرف أن هذا العلم نافع، أو غير نافع، فانظر إلى هذه القضية؛ أنه يورث خشية الله –عز وجل-، والله يقول قولاً فصلاً: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُفاطر:28.

 وابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- يقول: " كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار به جهلاً"([24]).

ويقول مسروق بن الأجدع: " كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يُعجب بعمله"([25]).

وكان بعض السلف يقول: " ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية"([26]).

وآخر يقول: "من خشي الله فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل"([27]).

كيف لا، والله –تبارك وتعالى- يقول: مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ الأنعام: 54، فالذي يعمل السيئات، ويعصى الله –عز وجل- يوصف بالجهل، ولو كان أعظم الناس تحصيلاً، ومن أكثرهم حفظاً، ورواية؛ والسبب في ذلك هو أن العلم النافع يدل على أمرين اثنين:

الأول: أنه يدل صاحبه على المعبود، فيعرف ربه، وما يستحقه هذا الرب –تبارك وتعالى- من الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، والأفعال الباهرة، وذلك يستلزم إجلاله، وإعظامه، وخشيته، ومهابته، ومحبته، ورجاءه، والتوكل عليه، والرضى بقضائه، والصبر على بلائه، كما أنه يورثه أمراً آخر يدل عليه وهو المعرفة بما يحبه هذا الرب -جل جلاله-، وما يكرهه، ويسخطه من الاعتقادات، والأعمال الظاهرة، والباطنة، والأقوال، فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة، والمبادرة إلى تحصيل محابّ الرب -جل جلاله-والسعي في مرضاته، والتقرب إليه، فيسهر ليله، ويضني نهاره في تحصيل هذه المطلوبات التي جهلها كثير من الخلق، وأعرضوا عنها، وإلا ما قيمة العلم إذا كان العامة أعظم خشية لله –عز وجل- من هذا العالم، أو من طالب العلم هذا؟ ما الفائدة من هذا العلم، وما الخير فيه؟.

فأقول: إذن، يجب أن يكون هذا العلم مورثًا ذلا، وانكساراً للنفس، وتواضعاً لله –عز وجل-، وهيبة له، وخشية، وتعظيماً، وقد أحسن من قال:

العلمُ ما أكسب خشيةَ العليم *** ومن خلا منها فجاهل مُليم

لأنه ميراث الأنبياء *** ولم ينله غير الأتقياء

لذاك قيل العلم يدعو العملَ *** إنْ يُلفه قرّ وإلا ارتحلَ

فهو كما قال الحسن البصري -رحمه الله-: "العلم علمان، علم اللسان، فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع"([28])، ثم قال: "فالعلم النافع هو ما باشر القلب، فأوقر فيه معرفة الله، وعظمته، وخشيته، وإجلاله، وتعظيمه، ومحبته، ومتى سكنت هذه الأشياء في القلب خشع، فخشعت الجوارح تبعاً له.

قيل لمعروف الكرخي -وهو من العبّاد الصالحين-: "ما الذي هيّجك إلى الانقطاع والعبادة -وذُكر له الموت والبرزخ والجنَّة والنار-؟ ما الذي استفزك إلى هذا التشمير في طاعة الله –عز وجل-؟

فقال معروف: "إنَّ ملِكاً هذا كله بيده إنْ كانت بينك وبينه معرفةٌ كفاك جميع هذا"([29]).

فالعلم هو الذي يعرفك بهذا المعبود -سبحانه وتعالى-، فتأنس به، وتستحي منه، وتلتذ بمناجاته، وإذا خلوت الدهر يوماً فلا تجترئ على معصيته –تبارك وتعالى-، ولا يكون هذا الرب –تبارك وتعالى- هو أهون الناظرين إليك، الإنسان قد يستحي من الناس، أو يهاب الناس، فلا يفعل ما يشين أمام ناظريهم، ولكنه إذا اختلى فعل أموراً قبيحة لا تليق بأحد عرف أن الله يراه، وأنه يراقبه.

ولهذا قالت طائفة من الصحابة -رضي الله عنهم-: "إن أول علم يُرفع من الناس الخشوع"([30]).

ويقول ابن مسعود:" إن أقواماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع"([31]).

فالشأن كله في أن العبد يستدل بالعلم على ربه فيعرفه، فإن لم يورثه ذلك فلا حاجة لهذا العلم، ولا لقطع الزمان فيه، ولهذا يقول سفيان الثوري -رحمه الله-: "كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بالله عالم بأمر الله يخشى الله، فذاك العالم الكامل، وعالم بأمر الله ليس بالعالم بالله لا يخشى الله، فذاك العالم الفاجر"([32])، وقد سبق ما يشير إلى هذا المعنى.

وكان معروف الكرخي فيما نقل عنه الإمام أحمد -رحمه الله- يقول: "أصل العلم خشية الله –عز وجل".([33])

هذا أصل العلم، ومن فاته هذا العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي-صلى الله عليه وسلم-، وصار علمه وبالا، وحجة عليه، فلم ينتفع به؛ لأنه لم يخشع قلبه، ولم تشبع نفسه من الدنيا، بل ازداد عليها حرصاً، ولها طلباً، ولم يُسمع دعاؤه لعدم امتثاله لأوامر الله –تبارك وتعالى-؛ ولأنه لم يجتنب مساخط الرب -جل جلاله-.

ويكفي أن الله –عز وجل- ذم أهل الكتاب بسبب قسوة قلوبهم، ونهانا أن نتشبه بهم في ذلك، فقال: وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَالحديد: 16، وبين سبب هذه القسوة التي وقعت لهؤلاء، وذلك بقوله: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِالمائدة: 13، فأخبر أن سبب قسوة القلوب كان عقوبة لهم جزاء وفاقاً على نقض الميثاق، وتحريف الكلم عن مواضعه، سواء كان هذا التحريف بتحريف الألفاظ، أو كان بتحريف المعاني، فالذي يغير، ويبدل، ويضلل الناس بالفُتيا، ويصور لهم الباطل حقًّا، ويصور لهم الحق باطلاً، ويدلّس عليهم، ويكتم الحق الذي أوجب الله –عز وجل- عليه أن يشهد به، ويكون أصم أبكم في حال تكون الأمة أحوج ما تكون إليه فيها، هذا علمه لم ينفعه، وعلمه حجة عليه، إلا أن يتداركه الله –عز وجل- برحمة منه، وتوبة، ومثل هؤلاء كما يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "يذمون من رزقه الله –عز وجل- علماً يخشع به قلبه، وتدمع به عينه"، ولربما عابوه، وانتقصوه، ولمزوه بأنه من القصّاص، والوعّاظ، وهم أهل الحقائق، والمعارف، والعلوم الراسخة، فالذي يرق، ويزهد في الدنيا، ويخشع، وينكسر عندهم هذا واعظ، وليس بعالم، وما علموا أن قسوة القلب صفة من صفات بني إسرائيل التي أوجبت لهم اللعن والطرد من رحمة الله –تبارك وتعالى-، وقد صدق عبد الأعلى التميمي-رحمه الله- بقوله:" من أوتي من العلم ما لا يبكيه فخليق أن لا يكون أوتي علماً ينفعه؛ لأن الله –عز وجل- نعت العلماء، وقرأ: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا([34]الإسراء: 107 - 109.

وكان مطر الورّاق يقول في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًاالبقرة: 269: "بلغنا أن الحكمة خشية الله، والعلم به"([35])، وكذا قال يحيى بن كثير-رحمه الله-: العالم من خشي الله، وخشية الله الورع"([36]).

فإذن، أول سمة من سماته أنه يورث الخشية، والتعظيم للمعبود -جل جلاله- بخلاف غير النافع، فإنه يكسب صاحبه زهواً، وفخراً، وخيلاء، وطلباً للعلو، والرفعة في الدنيا، والتنافس على حطامها، ويزيده مباهاة للعلماء، ومماراة للسفهاء، ويطلب وجوه الناس، وأن تنصرف إليه، فهذا لا شك أنه بخلاف ما وصف الله –عز وجل- من صفة العالمين العلوم النافعة.

يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "من طلب العلم لأربع دخل النار؛ ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، أو ليأخذ به من الأمراء"([37]).

وكان يقال: تعلموا العلم، وانتفعوا به، لا تعلموه لتتجملوا به، فإنه يوشك إن طال بكم عمر أن يتجمل ذو العلم بعلمه، كما يتجمل ذو البَزّة ببزته"([38])، أي: لا يعمل هو بالعلم، ولا يدرِّس، لا ينفع الناس، ولكن اتخذ هذا العلم حلية يتزين بها في صدور المجالس، وفي المناسبات، فيُقدّم، ويبجّل، ويُجل، ويعظمّ، فيحصل له بذلك من تحصيل رغباته شيء كثير لو بُذلت به الأموال لكان غير مكافئ لها، صار العلم بَزّة، وزينة، وحلية عند كثير من هؤلاء الناس، والناس لا ينتفعون من علمه بشيء.

الثاني من سمات هذا العلم النافع: أنه يورث العمل، هل يراد العلم إلا للعمل؟، كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: " تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا"([39]).

وكان الشعبي يقول: "إنما كان يُطلب هذا العلم مِن قِبل من اجتمعت فيه خصلتان: العقل، والنسك -يعني: العبادة-، عاقل، وعنده تعبد، فإن كان ناسكًا، ولم يكن عاقلا قال: هذا أمر لا يناله إلا العقلاء، فلم يطلبه، وإن كان عاقلاً، ولم يكن ناسكاً قال: هذا أمر لا يناله إلا النسّاك، فلم يطلبه، يقول الشعبي: "ولقد رهبتُ أن يكون يطلبه اليوم من ليست فيه واحدة منهما، لا عقل، ولا نسك"([40])، نسأل الله العافية.

والحسن يقول: كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يُرى ذلك في بصره، وتخشعه، ولسانه، ويده، وصلاته، وزهده، يظهر أثر هذا العلم عليه.

ولهذا كانوا إذا جاء الراوي، أو العالم ينظرون إلى صلاته أولاً، فإن وجدوها صلاة يتبع فيها السنة، ويقيم أركانها، وشروطها، وواجباتها، قبلوا منه، واستمعوا إليه، وإن وجدوه يصلي صلاة كيفما اتفق، لم يأخذوا عنه، ولم يستمعوا إلى كلامه، فالعلم إن كان من غير عمل لا خير فيه، العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، يقول الزهري: "إن للعلم غوائل، فمن غوائله أن يُترك العمل به حتى يذهب، ويكون ذلك سبباً لنسيانه".

وهذا أبو قلابة يقول لتلميذه أيوب السختياني:" إذا أحدث الله لك علماً فأحدث له عبادة "، يربون تلاميذهم على هذا، لا الاستكثار من المسائل، وحفظ الأدلة، وإنما العمل بهذا العلم، يقول: "ولا يكون همك أن تحدّث به"([41]). والثوري يُسأل هذا السؤال الذي لطالما سمعناه: كيف نجمع بين العلم والعمل؟ أيهما أحب إليك العلم، أو العمل؟ فقال: "إنما يراد العلم للعمل، فلا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل لطلب العلم"([42]).

اعمل وتعلم، واعمل بما علمت، أمّا أن يكون طالب العلم جافًّا، قليل العمل، معرضاً غافلاً، فهذا أمر لا يليق، فكانوا يتعلمون، ويعملون بما علموا.

ولهذا كان الإمام أحمد -رحمه الله- يقول: "ما كتبتُ حديثاً عن النبي-صلى الله عليه وسلم- إلا وقد عملتُ به، وكم يحفظ الإمام أحمد من الأحاديث!، نحن نحفظ أحاديث قليلة، لكن سل نفسك هل عملت بها جميعا؟ الجواب: لا، إلا من رحم الله –عز وجل-، فهؤلاء يحفظون أعداداً كبيرة من الأحاديث مئات الألوف، ويعملون بها، يقول: "حتى مر بي الحديث أن النبي-صلى الله عليه وسلم- احتجم، وأعطى أبا طيبة الحجام ديناراً، فاحتجمتُ وأعطيت الحجام دينارا".ً([43])، إلى هذا الحد!، بلغه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اختفى في الغار، فاختفى الامام أحمد ثلاثة أيام، وبلغه أن النبي تسرّى، فتسرّى الامام أحمد، وطلب من المروذي أن يشتري له جارية؛ ليقتدي بالنبي-صلى الله عليه وسلم، وما به حب النساء.

وهذا الثوري يقول: "العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شُغلوا، فإذا شُغلوا فُقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طُلبوا هربوا"([44]).

ويقول حبيب القيسي: "كان يقال: ما أحسن الإيمان ويزينه العلم، وما أحسن العلم ويزينه العمل، وما أحسن العمل ويزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم"([45]).

وجاء رجل إلى الإمام أحمد ليلة، فبات عنده، فالإمام أحمد لما رأى هذا من طلاب العلم وضع عنده إناء فيه ماء؛ من أجل أنه إذا قام من الليل يتوضأ، ثم يصلي ما شاء الله له أن يصلي من الليل، فلما جاءه الإمام أحمد في وقت صلاة الفجر وجد أن الرجل نائم، وأن الماء لم يتغير! فتعجب الإمام أحمد، وقال: "سبحان الله!، رجل يطلب العلم، ولا يكون له ورد بالليل!"([46]).

ويقول ابن عيينة: " إذا كان نهاري نهار سفيه، وليلي ليل جاهل، فما أصنع بالعلم الذي كتبت؟"([47]).

قد تجد الإنسان ممن يشتغل بالعلم، أو يدرس في كلية شرعية، وإن نظرت إلى واقعه في النهار وفي الليل فهو في غاية السفه، إما لاشتغاله بالأمور المحرمة، أو لاشتغاله بالأمور المباحة، وعلى وجه مبالغ فيه كإدمان التنزه، والذهاب هنا وهناك من الأمور التي لا تعود عليه بنفع في الدنيا، ولا بنفع في الآخرة.

وما أحسن قول القائل:

اعمل بعلمك تغنمْ أيها الرجلُ *** لا ينفع العلمُ إن لم يَحسُنِ العملُ

والعلمُ زينٌ وتقوى الله زينتُه **** والمتقون لهم في علمهم شغلُ

وحجة الله يا ذا العلم بالغةٌ *** لا المكرُ ينفع فيها لا ولا الحيلُ

تعلم العلم واعمل ما استطعت به *** لا يلهينّك عنه اللهوُ والجدلُ

وعلّم الناس واقصد نفعهم أبداً *** إياك إياك أن يعتادك المللُ

وعظ أخاك برفق عند زلته *** فالرفق يَعطف من يعتاده الزللُ

وإن تكن بين قوم لا خلاق لهم *** فأْمُر عليهم بمعروف إذا جهلوا

فإن عصوك فراجعهم بلا ضجر *** واصبر وصابر ولا يحزنك ما فعلوا

فكل شاة برجليها معلقةٌ *** عليك نفسك إن جاروا وإن عدلوا([48]).    

وكذلك أيضاً الذي لم ينتفع بعلمه من هذه الحيثية تجد أنه قد أعرض عن العمل الذي هو بصدده، وطالبه الشارع به، وكلفه، واشتغل بأمر آخر لا يعود عليه بنفع، اشتغل بالجدل، وبالقيل والقال، والخصومات، يجلس الواحد ليلة كاملة يردد فيها كلاماً مملولاً، ولو جمعته لربما كفى به دقائق أن يُفهم، ولكنهم يتجادلون من غير خلفية علمية، ومن غير معرفة بطرق الاستدلال.

وقد سمعت أن بعض الشباب لربما جلسوا إلى أذان الفجر ليلة كاملة يناقشون هل الاستياك باليد اليسرى، أو اليد اليمنى؟ فهؤلاء ثقُل عليهم العمل، فانشغلوا بالجدل بالقيل والقال، كان الأحرى أن يصلوا ليلهم، وأن يتقربوا إلى الله –عز وجل-، ولكنه لما ثقل عليهم ذلك اشتغلوا بمثل هذه الأمور، تُرى كم تحتاج هذه المسألة من مثل هؤلاء الشباب، وهم طلاب في كلية، كم تحتاج هذه المسألة في عرض أدلتها ومناقشة كلام العلماء فيها؟ عشر دقائق؟، ربع ساعة؟.

وقد ذكرت لكم أن العلم يبين بطريقة قريبة، سهلة، قريبة المأخذ، دون الحاجة إلى تكثير للقول، وتمطيط، وتطويل للكلام، وقد جاء من حديث أبي أمامة مرفوعاً إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ما ضلّ قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل)، ثم قرأ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَالزخرف: 58([49]).

ولهذا يقول بعض السلف، كمعروف الكرخي: "إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًّا أغلق عنه باب العمل، وفتح له باب الجدل"([50]).

وقيل لمالك: الرجل يكون عالماً بالسنن يجادل عنها؟، قال: "لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قُبل منه، وإلا سكت" وكان يقول: "المراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم"، ويقول: "المراء في العلم يقسِّي القلب، ويورث الضغن"([51])، وهذا ابراهيم النخعي -من علماء التابعين- يقول: "ما خاصمت قط"([52]).

 ويقول عبد الكريم الجزري: "ما خاصم ورِعٌ قط"([53]).

ويقول عمر بن عبد العزيز: "إذا سمعتَ المراء فأقصر"([54])، إذا سمعت المراء، يعني: إذا سمعت الجدل العقيم، الذي لا يورث نتيجة، فكل واحد من المتجادليَن يريد أن يقرر قوله، ويحقق رأيه، فهذا لا حاجة لمناقشته، ولا لتضييع الزمان فيه.

ومثل هذا: الإنسان الذي أعرض عن العمل جزاءً وفاقاً؛ لأن من كلفه الله –عز وجل- بشيء، فتركه، فإن الله يورثه أمرًا يشتغل به مما يضره كما قال الله –عز وجل- لبني إسرائيل، حينما أنزل عليهم المن والسلوى قالوا لموسى -صلى الله عليه وسلم-: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌالبقرة: 61 استبدلوا المن والسلوى الذي يخرجه الله –عز وجل- لهم، ويتنزل عليهم من غير كد ولا تعب، وهو من أجود المطعومات استبدلوه بالثوم، والبصل، والبقول، وهكذا حينما يُكلَّف الإنسان بالعمل، فيتشاغل عنه، وينصرف عن العمل بأمور تضره من الجدل، والمِراء، وتضييع الزمان بأمور لا تعود عليه إلا بالضرر، ومن ذلك أنه ينشغل بالأغاليط، والمسائل المتكلفة، ويتتبع ذلك.

قد كان السلف يكرهون هذا أشد الكراهية، الإمام مالك -رحمه الله- جاءه رجل، فسأله عن رجل وطأ على دجاجة ميتة، فخرجت منها بيضة ففقست، فما حكم هذا الفرخ؟! فلم يكلمه الإمام مالك، وما أجابه، فقال: لماذا لم تجبني؟ فقال: "سل عما تنتفع به، ولا تسأل تكلفًا"([55]).

وهذا الحسن البصري -رحمه الله- يقول: "إن شرار عباد الله قوم يحبون شرار المسائل، يُعمُّون بها عباد الله"([56])، يعني: يبحث عن المسائل الغامضة، والشُّبه، والمسائل الصعبة جدًّا التي تكون منغلقة على الفهم، ويعرضها على هذا، والثاني، والثالث، والرابع، ويختبر أذهانهم، وأفهامهم فيها.

ٍخرج عليٌّ -رضي الله عنه- يوماً إلى أصحابه، فقال: "سلوني ما شئتم"، فقال له ابن الكَوَّى: ما هذا السواد الذي في القمر؟ فقال: "أعمى سأل عن عمياء"([57])، كان المفروض أن يسأل عن أشياء تعنيه من الحلال، والحرام، وما إلى ذلك، وسُئل عن مسألة مشابهة، فقال للسائل: "ويلك، سل تفقهاً، ولا تسل تعنتاً"([58]).

وجاء رجل يلح على الإمام أحمد، ويسأله عن بعض المسائل المعقدة الغامضة، فقال له الإمام أحمد: "سل عن الصلاة، والزكاة شيئاً تنتفع به، ما تقول في صائم احتلم؟ فقال الرجل: لا أدري!([59]).

مسائل بسيطة جدًّا مما كلف به لا يعرفه، لكن يعرف المسائل الصعبة، والشُّبه، ويعرضها على هذا، وهذا، وهذا، ويلبس على الناس، هذا من شرار الناس.

الثالث من سمات هذا العلم النافع: أنه يحمل صاحبه على الورع في كل شيء، يورثه خشية الله –عز وجل- كما سبق، ومن ثَمّ فإنه يتحرز من الوقوع في محارم الله –تبارك وتعالى-، وارتكاب المحظورات، أو ترك ما أمره الله –تبارك وتعالى- به، فيحتاط لنفسه، فيترك ما اشتبه عليه أنه حرام، ويتجنبه، ويفعل ما يشك في أنه يجب عليه، وهكذا في مسائل العلم، إذا سُئل لا يتكلم من غير علم، كالكثير من العامة، وممن لم يوفق من طلبة العلم، بل لربما عُلّم في المدارس أنه إذا سأله التلميذ عن مسألة لا يعرفها أنه إذا كان حاذقاً يحسن التخلص في الجواب، لا يقول: لا أدري، ولكن يقول: هذه مسألة مهمة ينبغي عليك أن تبحثها، وأن تأتي لنا بها في الدرس القادم، فيشتغل هذا الطالب المسكين بنفسه، ويبدأ يضرب أخماساً بأسداس، كيف يجمع هذه المسألة،؟ ومن أين يحصّل مصادرها ومراجعها؟، ومن يسأل؟ ومن يرجع إليه؟ وذلك الأستاذ البليد قد فر من قول: لا أدري، بهذه الحيلة، أو أنه يقول: هذه مسألة مهمة، فذكرني بها في آخر المحاضرة، يريد أن ينسى هذا الطالب، وأن يخرج هذا المعلم من هذا المأزق، لماذا لا يقول بملء فيه: لا أعرف وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌيوسف:76، والله –عز وجل- يقول: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء: 36، هذا عبد الرحمن بن أبي ليلى، يقول: " أدركتُ عشرين ومائة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأنصار، ما فيهم من أحد يُسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه، ولا يحدث حديثاً إلا ودّ أن أخاه كفاه"([60]).

وكان ابن سيرين إذا سُئل عن شيء من الحلال والحرام تغير لونه، وتبدّل، حتى كأنه ليس بالذي كان"([61]).

ويقول عطاء بن السائب: "أدركتُ أقواماً إنْ كان أحدهم ليُسأل عن الشيء، فيتكلم وإنه ليرعد"([62])، ينتفض وهو يتكلم في فُتيا في الحلال، والحرام.

ويقول سفيان: "أدركتُ الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفُتيا" ويقول: "أدركتُ الناس ممن أدركت من العلماء، والفقهاء، وهم يترادُّون المسائل -أي: كل واحد يقول: اسأل غيري-، يكرهون أن يجيبوا فيها، فإذا أُعفوا منها كان ذلك أحبّ إليهم"([63]).

ويقول عمير بن سعيد: "سألتُ علقمة عن مسألة، فقال: ائت عَبيدة -يعني: السلماني- فاسأله، فأتيت عبيدة فقال: ائت علقمة، فقلت: علقمة أرسلني إليك، فقال: ائت مسروقاً –يعني: ابن الأجدع- فاسأله، فأتيت مسروقاً فسألته، فقال: ائت علقمة فاسأله، فقلت: علقمة أرسلني إلى عبيدة، وعبيدة أرسلني إليك، فقال: ائت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فأتيت عبد الرحمن بن أبي ليلى فسألته فكرهه، ثم رجعت إلى علقمة فأخبرته، قال: كان يقال: "أجرأ القوم على الفُتيا أدناهم علماً"([64])، هؤلاء أكابر، جبال في العلم، وكل واحد يقول: اذهب إلى فلان، واسأله، فلماذا يتحمل الإنسان هذا في رقبته، والقضية ليست جلية واضحة بالنسبة إليه؟، هل فكرنا في هذا؟.

ما نشاهده من الجراءة في الحج، في كل خيمة مفتٍ! هل هذا أمر يوافق ما كان عليه السلف -رضي الله تعالى عنهم-، الجراءة على الله -عز وجل-، والتنافس على الفُتيا في الحملات أحياناً هذا يريد أن يكون هو المتصدر للفُتيا، والآخر يريد أن يكون هو المتصدر للفُتيا، ولماذا تتحمل آثام هؤلاء جميعاً؟

 

ما نشاهده من الجراءة في الحج، في كل خيمة مفتٍ! هل هذا أمر يوافق ما كان عليه السلف -رضي الله تعالى عنهم-، الجراءة على الله -عز وجل-، والتنافس على الفُتيا في الحملات أحياناً هذا يريد أن يكون هو المتصدر للفُتيا، والآخر يريد أن يكون هو المتصدر للفُتيا، ولماذا تتحمل آثام هؤلاء جميعاً؟

 

، وكثير من مسائل الحج  الفرعية الجزئية قد لا يوجد فيها أدلة خاصة واضحة صريحة يرتفع بها الخلاف، فماذا تقول للناس؟ هل تنقل لهم كلام أهل العلم الذين يقلدونهم، وإن كنت تعتقد في بعض المسائل خلافه؟، أم ماذا تصنع؟

يقول سفيان الثوري -رحمه الله-: "من أحبّ أن يُسأل فليس بأهل أن يُسأل"([65])، هذه قاعدة.

ويقول ابراهيم النخعي، وهو عالم فقيه في زمان التابعين، يقول:" والله لقد تكلمت، ولو أجد بدًّا ما تكلمت، وإنّ زماناً أكون فيه فقيه أهل الكوفة لزمان سوء"([66])، هذا يقوله ابراهيم النخعي، فماذا يقول غيره؟.

وخرج علي -رضي الله عنه- يوماً على أصحابه، وهو يمسح بطنه، ويقول: " يا بردها على الكبد، سُئلت عما لا أعلم فقلت: لا أعلم"([67]).

ويقول ابن مسعود: "أيها الناس، من علم منكم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فيقول: لا أعلم، والله أعلم، فإن مِن عِلم المرء أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم"([68]).

وقد قال الله تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَص: 86.

وجاء رجل إلى ابن عمر يسأله عن فريضة، فقال: لا أدري، فقام الرجل، فقال بعض أصحاب ابن عمر: ألا أخبرت الرجل؟ فقال: "لا والله ما أدري، عن أي شيء أخبره؟!([69]).

وكان بعضهم إذا سُئل عن المسألة التي ليس فيها نص فاصل، لا يقول: حلال، وحرام، وإنما يقول: أكره، يستحبون كذا، كانوا يكرهون كذا، كما قال إبراهيم بن أدهم: "كانوا يكرهون أشياء، ولا يقولون: حرام"([70]).

وجاء رجل إلى الإمام مالك -رحمه الله- يسأله عن شيء، فقال له مالك: "لا أدري، فقال الرجل: فأذكر عنك أنك لا تدري؟ قال: "نعم، احكِ عني أني لا أدري"([71]).

ونقل الشاطبي، وكذلك ابن عبد البر في "جامع بيان العلم"، ذكر روايات كثيرة جدًّا عن الإمام مالك أنه لربما سئل عن أربعين مسألة، ولا يجيب إلا عن مسألتين، أو ثلاث مسائل، ولربما جاءه رجل من مسافة ستة أشهر ليعرض عليه بعض المسائل، ولا يجيب([72])، جاء ذلك في كثير من الروايات، وهو إمام دار الهجرة.

 وأما الذي لم يتحقق بالعلم النافع فلا نجده كذلك، فهو يتكلف ما لا يعلم، ويتكلم من غير برهان عنده من الله -عز وجل-، يقول الإمام مالك -رحمه الله-: " أدركت أهل هذه البلدة -يعني: المدينة-، وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم"([73])، يريد المسائل.

وكان يعيب كثرة الكلام والفُتيا، ويقول: "يتكلم أحدهم كأنه جملٌ مُغتلِم، يقول: هو كذا، هو كذا، يهدر في كلامه"، يعني: يفتي عن كل مسألة يُسأل عنها من المسائل الواضحة والغامضة.

وكان يكره الجواب في كثرة المسائل، ويقول: قال الله –عز وجل-: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيالإسراء: 85 فلم يأته من ذلك جواب.

الرابع من سمات هذا العلم النافع: أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا، وطلب الرئاسة، والشهرة، فيتجنب ذلك جميعاً، ويخاف من عواقبه، ويخشى أن يكون توقير الناس له، وتعظيمهم له، أن يكون ذلك استدراجاً، وكان الإمام أحمد -رحمه الله- يخاف على نفسه من بُعد الصِّيت، والشهرة، ومعرفة الناس به، بل كان الواحد منهم يدعو ربه أن لا يكون له ذكر، كان ابن محيريز، يقول: "اللهم إني أسألك ذكراً خاملاً"([74]).

ويقول سفيان:" كان رجل من الأنصار يقول: "اللهم ذكراً خاملاً لي، ولبنيّ، ولا تنقصنا ذاك عندك شيئًا"([75])، لا يسأل ربه أن تسلط عليه الأضواء، وأن يكون شهيراً يعرفه القريب والبعيد.

وأما الخليل بن أحمد، الإمام المعروف في اللغة فكان من دعائه: "اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك، واجعلني عند الناس من أوسط خلقك"([76]).

دخل عم الإمام أحمد عليه، وهو في حال من الغم والحزن، وكان هذا هو الغالب على الإمام أحمد -رحمه الله-، فقال له: "ما هذا الحزن؟ ما هذا الغم؟ فرفع رأسه، وقال: "يا عم، طوبى لمن أخمل الله ذكره"([77]).

وكانوا يوصون بذلك، كما أوصى ابن محيريز رجلا سأله في السفر أن يوصيه بوصية قبل أن يفارقه قال: "إن استطعت أن تَعرف، ولا تُعرف، وتَمشي، ولا يُمشى إليك، وتَسأل، ولا تُسأل فافعل"([78]).

وكانوا يكرهون الشهرة غاية الكراهة، حتى قال إبراهيم بن أدهم: "ما صدق الله عبد أحب الشهرة"([79]).

ويقول بشر بن الحارث: "لا أعلم رجلا أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه، وافتضح"([80])، نسأل الله العافية.

ويقول: "لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس"([81]).

والعجيب أن الثوري -رحمه الله-، وهو من هو في العلم، والحفظ، والإمامة، والورع؟، كان يقول: "وجدت قلبي يصلح بمكة، والمدينة مع قوم غرباء، أصحاب بُتوت وعناء"([82])، يعني: عليهم أكسية غليظة، ما يعرفون سفيان الثوري، فإذا جاء معهم يظنونه رجلا من الأعراب، أو من البادية، أو من عوام الناس، فيقول: "قلبي يصلح هناك" أن أجلس معهم، لا تقدير، ولا توقير، ولا تقديم في المجالس، ولا توسيع في الطريق، ولا خدمة، ولا غير ذلك، أعيش كما يعيشون، آكل كسرة، وأجلس على التراب دون أن يعرفني أحد.

يقول: قلبي يصلح هناك، لا يصلح في الأماكن التي إذا شاهدوه فيها قالوا: جاء سفيان، وسعوا له الطريق، وأكرموه، وعظموه، هذه معانٍ تحتاج أن نتأملها.

حتى إن الإمام أحمد -رحمه الله- كان يقول: "أريد أن أكون بشِعب بمكة؛ حتى لا أُعرف، قد بُليت بالشهرة إني أتمنى الموت صباحاً ومساءً"([83]).

وأمّا مُورِّق العجلي، فكان يقول: "ما أحب أن يعرفني بطاعته غيرُه"([84]).

ولما قدم ابن المبارك إلى المصِّيصة، سأل عن رجل يقال له: محمد بن يوسف الأصبهاني، الزاهد، من العبّاد، والزهاد، فما عرفه أحد، فما توصل إليه إلا بصعوبة، فلما لقيه قال: "مِن فضلك أنه لا يعرفك أحد"([85]).

هذه منقبة عند ابن المبارك، وأما أيوب السختياني، الإمام العالم الكبير العابد، فكان يقول: "ما صدق عبد إلا سرّه ألا يُشعر بمكانه"([86])، و كان خالد بن معدان الكلاعي إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة.

وكان أبو العالية إذا جلس إليه جماعة كثيرة أكثر من ثلاثة قام.

وسأل أبو بكر بن عياش الأعمش: كم رأيت أكثر ما رأيت عند إبراهيم النخعي؟ قال: "أربعة، خمسة"([87]).

وكان أبو بكر بن عياش يقول: "ما رأيت عند حبيب بن أبي ثابت ثلاثة قط في دروسهم"([88]).

فهل طالب العلم يستحضر هذا المعنى، ويعطي درساً ولو لم يحضر له إلا واحد؟ لماذا يغضب الإنسان أحياناً إذا لم يحضر له مئات في درس علمي، لماذا؟ هذا الإنسان الواحد ينتفع بك، وينقل علمك، وتذاكر أنت هذا العلم، ولا تنتشر أخطاؤك، ولا يصيبك من العلل، والأدواء، والأمراض، والزهو، والكبر، والرياء ما يعتري مَن تجمهر الناس على حضور دروسه، فهذا أدعى إلى سلامة القلب، وتؤجر أنت على هذا العمل، وتكون من جملة من يبذلون العلم، ويبلغون عن الله -عز وجل-، فالمقصود يحصل مع قلة التبعات، والأضرار، فأي غنيمة أعظم من هذا؟.  

أيوب السختياني كان يقول لسعيد بن أبي إياس: "إني أخاف ألا تكون المعرفة أبقت عند الله حسنة"([89]).

يقول: أنا صرت إنسانًا معروفاً، أخشى أن تكون هذه المعرفة لم تُبقِ لي عند الله –عز وجل- شيئًا، "إني لأمر بالمجلس فأسلم عليهم وما أرى أن فيهم أحدًا يعرفني فيردون علي، ويسألونني مسألة كأنهم قد عرفوني جميعاً، فأي خير مع هذا؟"([90])، هو يتضايق لمّا يمر ويردون عليه السلام، ويسألونه عن مسألة، وهذا يعني أنهم قد عرفوا أنه أيوب السختياني، وكان إذا مر بمجلس فسلم ردوا ردًّا شديدًا، فكان يقول: "كأن ذلك نقمة، كأن ذلك نقمة".

وخرج في سفر فتبعه ناس كثير، فقال: "لولا أني أعلم أن الله –عز وجل- يعلم من قلبي أني لهذا كاره لخشيت المقت من الله –عز وجل-".

وأما بشر بن الحارث فكان يقول: "إنما يُراد من العلم العمل، اسمع، وتعلّم، واعلم، وعلِّم، واهرب، ألم ترَ إلى سفيان الثوري كيف طلب العلم، فعلِم، وعلّم، وهرب؟"([91]).

وهكذا العلم إنما يدل على الهرب عن الدنيا، ليس على طلبها، لا ترى طالب العلم عند التجار، والكبراء، يغشى مجالسهم، وهو دائم الحضور عندهم.

قال رجل لبشر بن الحارث: "أوصني، قال: أخمل ذكرك، وأطب مطعمك"([92]).

وقال عطاء بن مسلم: "كنت وأبو إسحاق ذات ليلة عند سفيان وهو مضطجع، فرفع رأسه إلى أبي إسحاق فقال: "إياك والشهرة"([93]).

وهؤلاء أصحاب هذه السِّمة لا يرون لأنفسهم حالاً، ولا مقاماً، ويكرهون بقلوبهم المدح، والتزكية، والإطراء، كما قال الحسن: "إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المواظب على عبادة ربه"([94]).

وفي بعض الروايات عنه: "الذي لا يحسد من فوقه، ولا يسخر ممن دونه، ولا يأخذ على علم علّمه الله أجراً"([95]). ويقول الذهبي: "كم من رجل نطق بالحق، وأمر بالمعروف، فيسلط الله عليه من يؤذيه لسوء قصده، وحبه للرئاسة الدينية"([96]).

فهذا داء خفي، فمن طلب العلم للعمل كسره العلم، وبكى على نفسه.

وكان بعض السلف يقول: "ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لربه"([97])، فإنه كلما ازداد علماً بربه، ومعرفة به ازداد منه خشية، ومحبة، وازداد له ذلا وانكساراً.

خرج ابن مسعود ذات يوم من منزله، فاتبعه الناس، فالتفت إليهم، فقال: علامَ تتبعوني؟ والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما تبعني منكم رجلان"([98]).

وكان الحسن يقول: "إنّ خفق النعل خلف الرجل قلّ ما يُلبِّث قلوب الحمقى"([99]).

وخرج ذات يوم فاتبعه قوم، فالتفت إليهم، فقال: "هل لكم من حاجة؟ وإلا فما عسى أن يُبقي هذا من قلب المؤمن؟"([100]).

والأمر كما قيل: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، فنسأل الله –عز وجل- أن يبارك لنا ولكم بما سمعناه، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



[1]- أخرجه النسائي في الكبرى، (7/205)، برقم (7818)، وابن حبان في صحيحه، برقم (82)، وقال محققه الأرناؤوط: "إسناده حسن"، وأخرجه ابن ماجه بلفظ: (سلوا الله علمًا نافعًا، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع)، كتاب الدعاء، باب ما تعوذ منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (3843)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (1511)، وفي صحيح الجامع، برقم (3635(.

[2]- أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب في العفو والعافية، برقم (3599)، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، برقم (3833)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم (247).

[3]- أخرجه ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما تعوذ منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (3843)، والبيهقي في الدعوات الكبير، (1/286)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (1511)، وفي صحيح الجامع، برقم (3635(.

[4]- ديوان عبد الغني النابلسي (1 /1268)، وانظر: حياة الحيوان الكبرى (2/ 232)، وجواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب (1/ 131).

[5]- تفسير ابن كثير (7 /268).

[6]- المستصفى في علم الأصول (2/386).

[7]- درء تعارض العقل والنقل (1/160). 

[8]- تفسير القرآن الكريم (1/288).

[9]- طبقات الشافعية الكبرى (5/191).

[10]- أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، برقم (1227).

[11]- جامع بيان العلم وفضله (2/194).

[12]- أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، برقم (7081).

[13]- أخرجه النسائي في الكبرى، (7/205)، برقم (7818)، وابن حبان، كتاب العلم، باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها، برقم (82)، وقال محققه الأرناؤوط: "إسناده حسن".

[14]- أخرجه ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما تعوذ منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (3843)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم (3100).

[15]- سير أعلام النبلاء (7/120).

[16]- أخرجه الترمذي، كتاب الزهد، برقم (2317)، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، برقم (3976)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم (3211)، وفي صحيح الجامع، برقم (5911).

[17]- الموافقات (1/68).

[18]- أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب العي، برقم (2027)، والبيهقي في الشعب (10/148)، برقم (7307)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والرهيب، برقم (2629).

[19]- مصنف عبد الرزاق (11/142).

[20]- الزهد لأحمد بن حنبل (1/261).

[21]- الموافقات (1/107- 113).

[22]- المصدر نفسه.

[23]- المصدر نفسه.

[24]- المعجم الكبير للطبراني (9/189).

[25]- أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (2/205)، برقم (733).

[26]- جامع بيان العلم وفضله من قول عبدالله بن مسعود (2/58)، وحلية الأولياء (1/131).

[27]- أخرجه الدارمي في سننه، برقم (345)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 823)، برقم (1544).

[28]- أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 661)، برقم (1150)، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم (1686)، وابن أبي شيبة في المصنف، برقم (34361)، وضعفه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح، برقم (270)، وقال بنكارته مرفوعا في السلسلة الضعيفة، برقم (3945).

[29]- جامع العلوم والحكم، لابن رجب (2/ 563)، تحقيق: ماهر الفحل.

[30]- أخرجه الترمذي من قول عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-، أبواب العلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في ذهاب العلم، برقم (2653)، والطبراني في المعجم الكبير من قول شداد بن أوس -رضي الله عنه-، برقم (75)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2576).

[31]- أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب ترتيل القراءة واجتناب الهذّ، وهو الإفراط في السرعة، برقم (1945).

[32]- أخرجه الدارمي في مسنده (1/373)، برقم (375).

[33]- جامع العلوم والحكم (1/ 266).

[34]- مسند الدارمي (1/335)، برقم (299).

[35]- تفسير ابن أبى حاتم (2/533).

[36]- الدر المنثور في التفسير بالمأثور (12/280).

- [37] أخرجه الدارمي في مسنده (1/375)، برقم (379).

[38]- المصدر السابق (1/376)، برقم (381).

[39]- أخرجه الدارمي في سننه، برقم (378)، وقال محققه حسين سليم: "إسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد"، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، برقم (34547)، وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/ 131)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، برقم (1266).

[40]- أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (4/ 323)، والدارمي في سننه، برقم (383)، وقال محققه حسين سليم: "إسناده صحيح".

[41]- أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 654)، برقم (1134).

[42]- حلية الأولياء (7/12).

[43]- سير أعلام النبلاء (11/213).

[44]- أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 235)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 700)، برقم (1249).

[45]- أخرجه ابن المقرئ في معجمه (ص: 341)، برقم (1117).

[46]- سير أعلام النبلاء (11/298).

[47]- حلية الأولياء (7/271).

[48]- رسالة ذم من لا يعمل بعلمه لابن عساكر (1/206).

[49]- أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة الزخرف، برقم (3253)، وابن ماجه، كتاب السنة، باب اتباع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (48)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم (45).

[50]- أخرجه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة الزخرف، برقم (3253)، وابن ماجه، كتاب السنة، باب اتباع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (48)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، برقم (2593).

[51]- جامع العلوم والحكم (1/ 262).

[52]- أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (2/ 524)، برقم (631).

[53]- أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (2/ 525)، برقم (634)، والآجري في الشريعة (1/ 443)، برقم (123)، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم (8129).

[54]- ذم الكلام وأهله للهروي (4/85).

[55]- جامع بيان العلم وفضله (1/225).

[56]- ذم الكلام وأهله للهروي (3/42).

[57]- جامع بيان العلم وفضله (1/224).

[58]- المصدر السابق.

[59]- أخلاق العلماء للآجري (1/110).

[60]- شرح السنة للبغوي (1/305).

[61]- حلية الأولياء (2/264).

[62]- الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/48).

[63]- المصدر السابق (1/348).

[64]- أخلاق العلماء للآجري (1/104).

[65]- جامع بيان العلم وفضله (2/280).

[66]- أخرجه الدارمي في مسنده (1/282)، برقم (202).

[67]- المصدر نفسه (1/274)، برقم (182).

[68]- جامع بيان العلم وفضله (2/111).

[69]- أخلاق العلماء للآجري (1/114).

[70]- جامع العلوم والحكم (1/280).

[71]- أخلاق العلماء للآجري (1/115).

[72]- الموافقات (5/326).

[73]- جامع بيان العلم وفضله (2/280).

[74]- صفة الصفوة (4/207).

[75]- التواضع والخمول لابن أبي الدنيا (1/46).

[76]- المصدر السابق.

[77]- طبقات الحنابلة (1/10).

- [78]سير أعلام النبلاء (3/116).

[79]- حلية الأولياء (8/31).

[80]- المصدر السابق (8/ 343).

[81]- المصدر نفسه.

[82]- التواضع والخمول لابن أبي الدنيا (ص: 47).

[83]- سير أعلام النبلاء (11 /216).

[84]- التواضع والخمول (ص:47).

[85]- حلية الأولياء (8/226).

[86]- صفة الصفوة (3/294).

[87]- التواضع والخمول (ص:73).

[88]- المصدر السابق.

[89]- المصدر السابق (ص: 81)، برقم (56).

[90]- المصدر السابق (ص: 80).

[91]- جامع بيان العلم وفضله (2/19).

[92]- الورع لابن أبي الدنيا (1/88).

[93]- التواضع والخمول (ص:94).

- [94]حلية الأولياء (2/147).

[95]- بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص: 8، بترقيم الشاملة آليا).

[96]- سير أعلام النبلاء (18/192).

[97]- طبقات الحنابلة (2/151).

[98]- أخرجه الدارمي في مسنده (1/451)، رقم (549)، وابن وهب في الجامع (ص: 70)، برقم (29)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (ص: 78)، برقم (52).

[99]- التواضع والخمول (ص: 78).

[100]- المصدر السابق.

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 5
teleqram
trees
about