من قوله تعالى: " إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم"
عدد الزوار : 8334
تاريخ الإضافة : 15 محرّم 1433
MP3 : 27767 kb
PDF : 176 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

تأملات في سورة الأحزاب (2)

من قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ}

 

القرآن يصور الحال التي كان عليها المؤمنون، كما في قوله سبحانه: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ سورة الأحزاب:10، فالمشركون نزلوا، قريش نزلوا في مجمع الأسيال هناك، وجاءت غطفان ومن معهم ونزلوا قريباً من أُحد، فالله -عز وجل- يقول: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ من فوقكم يعني غطفان وهوازن ومن معهم من أعلى الوادي من الجهة الشرقية كما قاله بعض السلف، مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وليس معناه: أن هؤلاء جاءوا من الجنوب وهؤلاء جاءوا من الشمال، وإنما مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ  يعني: غرب الوادي وشرق الوادي، فبعضهم بينه وبين المدينة الوادي، وبعضهم ليس بينه وبين المدينة شيء، فغطفان ومن معهم نزلوا بذنب نَقمى إلى جانب أحد، والذين جاءوا من أسفل هم قريش نزلوا بمجمع الأسيال بين الجرف والغابة -هكذا ضبطه بعضهم، والمشهور زغابة بالزاي- بعشرة آلاف، وهذا الذي ذهب إليه كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- وهو قول مجاهد، أعني: أن قريش نزلت من أسفل المسلمين.

قال: وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ومعنى الزيغ هو الميل، زاغ فلان: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا سورة آل عمران:8 الزيغ هو الميل، فإذا زاغ البصر بمعنى أنه انحرف عن الاستواء، بمعنى: أنه لا يرى ما يتوجه إليه البصر، يعني: حينما تُوجه البصر ليرى شيئاً هو لشدة الدهشة ما يراه، البصر مائل من شدة الخوف، لا يستطيع أن يصوب بصره إلى ما يريد أن ينظر إليه من شدة الخوف، يطيش البصر، زَاغَتْ الْأَبْصَارُ يعني: مالت، فلا يستطيع صاحبها أن يتحكم بها من شدة الهلع والدهشة، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ والحناجر جمع حنجرة بالفتح، وهي منتهى الحلقوم.

بعض العلماء يقول: هذا حقيقة، قالوا: إن العرب يقولون ذلك لمن اشتد خوفه، كما تجدون في قصة بدر، ماذا قال أبو جهل؟ قال: "انتفخ سحر فلان" يعني الرئة، فيقولون: إنها من شدة الخوف تنتفخ، فيرتفع القلب، تحمل القلب معها، وقال بعض أهل العلم: إن الارتفاع حقيقي وإن الرئة رفعته حينما انتفخت، وأكثرهم يقولون: هذا تعبر به العرب كناية عن شدة الخوف، فمن شدة الخوف يكاد القلب ينخلع من محله ليخرج، بلغت الحناجر كأنها تريد الخروج من أماكنها من شدة الخوف، وإذا الإنسان خاف ازداد النبض عنده، فإذا وصل الخوف غايته فإن القلب يكاد أن ينخلع.

وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، تفرقت ظنونهم بالله، فأهل الإيمان قالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُسورة الأحزاب:22، وهذا منتهى الثبات، وسيأتي إيضاح المراد بذلك.

والمنافقون قالوا: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا سورة الأحزاب:12 فتفرقت ظنونهم بالله -عز وجل- وساءت هذه الظنون، ونجم نفاق المنافقين، وتكلموا بما لا يليق، وقالوا: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا سورة الأحزاب:13 وبدءوا يتسللون من الموقع.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلا زال الحديث متصلاً بهذه الآيات التي يذكر الله -عز وجل- فيها وقعة الأحزاب، وهنا يقول الله -تبارك وتعالى-: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا لما ذكر الله -جل جلاله- الحال الواقعة في تلك الغزوة من شدة الخوف، وما وقع لأهل الإيمان من الزلزلة الشديدة، كما قال الله -عز وجل-: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وبهذه الزلزلة وما حصل معها من الخوف الذي بلغت معه القلوب الحناجر لشدته يتمحص الصف، ويتميز الناس، وتذهب تلك المجاملات والتصنع وما قد يظهره الإنسان لغيره مما لا يبطنه في قلبه، ففي الشدائد يحصل التمايز بين الناس؛ ولهذا يقول الله -تبارك وتعالى- في السورة المُقَشْقِشة وهي سورة براءة سورة التوبة التي محصت الناس وميزت بين أصنافهم وفضحت المنافقين يقول: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً سورة التوبة:16 فلا بد من هذا الابتلاء ومن هذا التمحيص، فهو وعد ثابت من الله -جل جلاله- لابد أن يقع وأن يتحقق، ولا يختص ذلك بوقعة الأحزاب بل في كل شدة واقعة يحصل هذا التمحيص، وتُعرف حقائق الأشياء وتنكشف المخبآت فتظهر لكل ذي عينين، ويراها الناس ويبصرونها وتتميز المواقف، ويظهر المؤمن من المنافق والصادق من الكاذب.

لا بد من هذا الابتلاء ومن هذا التمحيص، فهو وعد ثابت من الله -جل جلاله- لابد أن يقع وأن يتحقق، ولا يختص ذلك بوقعة الأحزاب بل في كل شدة واقعة يحصل هذا التمحيص، وتُعرف حقائق الأشياء وتنكشف المخبآت فتظهر لكل ذي عينين، ويراها الناس ويبصرونها وتتميز المواقف، ويظهر المؤمن من المنافق والصادق من الكاذب.

 

فلما وقعت الأحزاب وقع التباين بين الناس آنذاك، فذكر الله مواقفهم: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ، أي: واذكر: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا سواء كان القائل لذلك هو شخص بعينه كطعمة بن أبيرق أو معتب بن قشير، المقصود أن تلك المقالة صدرت من المنافقين، كما نسبها الله -عز وجل- إليهم، والأسماء المبهمات لا حاجة إليها في مثل هذا المقام، وإنما المقصود الاعتبار، فيكفي أن يبين هنا موقف أهل النفاق في هذه الشدة، فأهل النفاق ظهر منهم التكذيب والشك بل التهكم والسخرية والاستهزاء مع التخذيل والتعويق لأهل الإيمان، والانسحاب من أرض المعركة، فهنا يشكّون في وعد الله -عز وجل-: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ، وأما الذين في قلوبهم مرض فمن أهل العلم من يقول: هو وصف آخر لأهل النفاق، فهذا من باب عطف الأوصاف، صفة تعطف على صفة، فهم منافقون ومن صفتهم أنهم في قلوبهم مرض، كقوله -تبارك وتعالى-: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * والذي قدر فهدى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى سورة الأعلى:1-4 كل هذا في موصوف واحد، تارة بحذف حرف العطف وتارة مع ذكره، والأصل أن العطف يقتضي المغايرة ولكن ينزل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات، فهنا يحتمل أن يكون المقصود طائفة واحدة وصفوا بالنفاق ووصفوا بمرض القلب، ومرض القلب هنا يكون بمعنى النفاق، ويحتمل أن يكون ذلك صدر من طائفتين وهم أهل النفاق ومرضى القلوب، ويكون المقصود بمرضى القلوب هم أولائك الذين قد ضعف إيمانهم إلى حد يمكن أن يتزعزع أو يحصل لهم التشكيك إذا عرضت الشبهات أو الشدائد أو لاحت لهم الشهوات، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن كثيراً من المسلمين من ضعفاء الإيمان لو عرضت لهم شبهة أو تشكيك أو شدة فإن هؤلاء لربما حصل لهم نوع نفاق، وتحول الإنسان أحياناً من مؤمن إلى منافق؛ ولهذا لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الفتن التي تكون في آخر الزمان قال: (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)([1])؛ وذلك لأن دينه لا يساوي شيئاً عنده فهو ضعيف الإيمان، فهؤلاء الذين في قلوبهم مرض يمكن أن يراد بهم ضعفاء الإيمان، وقد جاء هذا في مواضع من كتاب الله -عز وجل-، وجاء أيضاً بمعنى الميل المحرم إلى النساء وهو عائد إلى ضعف الإيمان، كما قال الله -تبارك وتعالى-: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ فهنا ليس المراد به النفاق وإنما الميل المحرم إلى النساء، وهذا الميل المحرم إلى النساء إنما يكون مع ضعف الإيمان.

فالمقصود: أن هؤلاء سواء كانوا من ضعفاء الإيمان أو كانوا من المنافقين، ظهر منهم هذا القول: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ويحتمل أنهم أظهروا ذلك للناس؛ ولهذا لا زالوا يحاولون الإبقاء على خط رجعة فقالوا: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وإلا فهم لا يؤمنون بالرسول -صلى الله عليه وسلم-، لكن قالوه من باب أنهم لا زالوا يُحسبون على أهل الإيمان، فأرادوا أن يعبروا لهم بعبارة يظهرون فيها نوع موافقة، وإن كانوا قالوا ذلك فيما بينهم أو في أنفسهم فإن ذلك يمكن أن يكون على سبيل التهكم وإلا فهم لا يؤمنون بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، قالوا: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، ولعل من أحسن ما يفسر بالشيء الذي وعدهم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والله تعالى أعلم- هو ما وقع للنبي -صلى الله عليه وسلم- حينما كان يحفر الخندق مع أصحابه، وكان قد قسّم ذلك عليهم، فكل جماعة من أصحابه يحفرون ناحية من الخندق، فعرضت كُدْية -صخرة- لم تعمل فيها المعاول، فدعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فضربها -صلى الله عليه وسلم- بالمعول فانقدحت شرارة، فكبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فكبر أهل الخندق، ثم ضرب الثانية واندق ثلثها، وانقدحت شرارة فكبر، فكبر أهل الخندق فانقدح الثلث الآخر، ثم ضربها الثالثة بالمعول فعادت كثيباً أهيلَ، يعني: تفتت، فكبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وكبر أهل الخندق، والشاهد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعلمهم أنه رأى قصور الشام ورأى قصور فارس ورأى قصور اليمن، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد وعدهم أن يفتح الله عليهم ذلك، فكان المنافقون يتهكمون يقولون: الواحد منا لا يستطيع أن ينصرف ليقضي حاجته من شدة الخوف ثم يعدنا بأن نفتح قصور الشام وقصور فارس وقصور اليمن، وهذه الممالك الثلاث هي الممكّنة آنذاك، والعرب لا يخطر في بالهم أن يصاولوهم أو أن يطاولوهم أو أن يقتربوا منهم أو أن يحدثوا أنفسهم بغزوهم، بل غاية ما هنالك لربما يتشرف الواحد منهم إذا استطاع أن يزور تلك البلاد ويرى ما فيها فكيف بفتحها؟، فبلاد الشام هي مملكة الرومان وفيها هرقل، وبلاد فارس هي مملكة الفرس، المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي، وقصور اليمن كانت تابعة لفارس، والباقي يعيشون في صحراء أو في جبال ليس فيها ما يُطمع فيه ولا تلتفت إليه أنظار الناس من هذه المطامع الدنيوية، أشتات وقبائل يأكلون الحشرات ولربما الفئران في الصحراء، لا يُعبأ بهم، وكان الفرس يسمون العرب بذباب الصحراء، فتحركت نفوس المنافقين هنا وتنفسوا بهذا النفَس فقالوا: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا.

والغرور هو كل شيء لا حقيقة له، حينما تصور الأمور الصعبة أو السيئة أو الشديدة بصورة الأمور المرغوبة يقال هذا غرور: فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ سورة فاطر:5 وهو الشيطان؛ لأنه يغر الناس كثيراً ويصرفهم عن طاعة الله -عز وجل-.

يقولون: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا أي: وعود لا حقيقة لها، فهي غير صادقة لأن هذا غير ممكن، فنحن في حال من الكرب والشدة لا نستطيع أن نذهب ولا نتحرك من المعسكر حتى لقضاء الحاجة فكيف تُفتح هذه البلاد؟ كيف يبشرنا في هذا المقام بهذه الفتوحات العظيمة؟ فلم تقبل نفوسهم هذه البشرى، ولم يرتقِ بهم الإيمان لتصديق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا يستبعدون ذلك كما يستبعده المنافقون في زماننا، فيقول بعضهم: أهل فلسطين لا يستطيعون أن يصاولوا وأن يقاوموا هذه الجيوش التي لا تقهر، فاليهود جعلوا من جيشهم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، ونحن نعلم أنه لو حصلت مواجهة حقيقة وجهاً لوجه مع أهل الإيمان لفروا كما تفر الفئران، ولهلكوا ولهلك كثير منهم من الخوف، فاليهود هم أجبن الناس، وطبيعي أنهم يكونون جبناء؛ لأنهم لا يرجون لله وقاراً، ولا يعرفونه، ولا يرجون الدار الآخرة، فإذا فاتته الحياة الدنيا فاته كل شيء، أما الآخرة فكما قال سبحانه: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِسورة الممتحنة:13؛ ولذلك فهم في الحرب يدكون بالمدافع ولا يريدون المواجهة، يدكون كل شيء أمامهم ثم يتقدمون من أجل أن يتقدموا في أماكن لا يوجد فيها أحياء، ولا ما يستر الناس عنهم، ولو حصلت مواجهة لانكسرت هذه الأسطورة، ولسُحبوا في الشوارع وانتهت تلك الهالة التي صنعوها عبر أكثر من خمسين سنة أنها القوة التي لا تقهر.

ويقول الله -عز وجل-: وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَاسورة الأحزاب:13-14 وفي القراءة الأخرى: (لأتوها) وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا، وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ سواء كان هذا القائل هو أوس بن قيضي من بني حارثة من الأنصار -وقال به كثير من السلف-، أو كان عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن معه، وهذا قال به السدي، فالمقصود أنه قالت طائفة من المنافقين، ولا حاجة للتحديد والتعيين لهذا المبهم في تسميته؛ لأن المقصود بيان المواقف، وهذه المواقف تتكرر في كل زمان.

يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ففي وقت الشدة تظهر مخبآت النفوس، حتى نسي الاسم الإسلامي، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد سماها بعد هجرته بطيبة وطابة والمدينة، فقال: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ رجع للاسم الجاهلي، ويثرب اسم للمدينة جاهلي نسبة إلى رجل يقال له: يثرب من العمالقة يقال: إنه الحفيد الخامس لإرم بن سام بن نوح، يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا بمعنى: أن هذا المكان الذي ترابطون فيه ليس بمحل إقامة، أو لا مكان لكم هنا، وإنما يريدون منهم أن يرجعوا إلى بيوتهم -قبحهم الله-، وإذا رجعوا إلى بيوتهم ستدخل جيوش الأحزاب إلى المدينة، فهذا يخذل أهل الإيمان والمقاتلين الذين يرابطون أمام الخندق، يقول لهم: لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا فهذه مواقف المنافقين منذ ذلك الحين، وهم يعلمون أن الله يطلع رسوله -صلى الله عليه وسلم- على خباياهم والوحي ينزل فيفضحهم، وأما عمر وأمثال عمر فحضور بين أظهرهم ومع ذلك ما استطاعوا أن يخفوا تلك الأمور التي كانت راسخة في نفوسهم، ما استطاعوا، فكيف في زماننا هذا؟، فمن المتوقع أن يفعلوا كل شيء، بل بعضهم يقول: أنا أتبرع بالدم لليهود ولا أتبرع به للفلسطينيين، كأنه يقول: ما لكم مكان هنا، ما لكم قعود، هنا برد وجوع، ارجعوا إلى بيوتكم، وهذا لا يقوله إنسان عنده نخوة أو شرف فضلاً عن الدين، بحيث يخذل الناس عن الدفاع عن بلدهم، وهذا يدل على أن الشر قديم لا جديد، وإنما فقط تتغير الأسماء والوجوه، وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ أي: يعتذرون، فيقولون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ فهنا فئة تقول: مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، وفئة تخذّل: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا، وفئة تنسحب من أرض المعركة.

والتعبير في قوله: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ بالفعل المضارع يدل على التجدد أن هذا الأمر يتكرر منهم، لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ يلحّون بالاستئذان من أجل أن يتخلصوا من هذا الموقف، من الشدة؛ لأنه قد طارت عقولهم وأصابهم من الهلع والفزع ما لا يُقادَر قدره، فأرادوا أن يفروا من ساحة المعركة، وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ سواء كان هؤلاء من بني حارثة أو هو أوس بن قيضي من بني حارثة، أو هم بنو حارثة وبنو سلمة، أو كان رجلاً يقال له: أبو عرابة بن أوس مع أوس بن قيضي، المقصود أن طائفة منهم كانوا يستأذنون النبي -صلى الله عليه وسلم- من أجل أن ينسحبوا ويرجعوا، ويعتذرون بـإِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ جاء بالتأكيد بـ"إنّ"، والتأكيد بإن يقوم مقام إعادة الجملة مرتين: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ والإنسان يحتاج إلى التأكيد عادة إذا كان يشعر أن السامع لا يثق بكلامه، يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ والمقصود بالعورة أي: أنها سائبة ضائعة ليست حصينة، يعني: هي عرضة لدخول السُّرّاق وكل من أراد أن يدخلها من الجيش أو غيره، فالعورة في الأصل هي كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب أو غير ذلك؛ ولهذا يطلقونها على الممر بين الجبلين؛ لأن العدو يتسلل منها، يدخل منها إلى البلد، يقولون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ عرضة مكشوفة، يصل إليها من شاء، فيريدون الذهاب لحمايتها بزعمهم، والله -عز وجل- قد كذبهم بهذا قال: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا هم يريدون الخلاص والنجاة بأنفسهم حيث توهموا أن هذا الفرار ينجيهم من الموت أو القتل؛ لأنهم قد جزموا أن الأحزاب سينتصرون، وسيقضون على النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، فأرادوا أن ينأوا بأنفسهم عنهم ويكون الواحد منهم مع النساء والصبيان ويقول: أنا لم أقاتل، ولم أعترض طريقكم، بل بالعكس نحن معكم ونؤيدكم ونحبكم وننصركم؛ ولذلك لم نشهد أرض المعركة ولم نشارك في المدافعة.

يقول الله -عز وجل-: وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا سورة الأحزاب:13-14 "دُخلت" ترجع إلى المدينة، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا والأقطار هي النواحي، بمعنى: لو دخل الأعداء المدينة من نواحيها، ولفظ الدخول غالباً ما يطلق ويراد به دخول الجيش، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا، وقَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا سورة المائدة:24 فالدخول يطلق ويراد به هذا المعنى، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا وليس المقصود دخل عليهم بصفته من الضيوف أو بصفته من السياح أو نحو ذلك، وإنما دُخلت عليهم من أقطارها، دخلت الجيوش من أقطار المدينة، ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وقرأه ابن كثير ونافع: (لأتوها) وقرأه الباقون: لَآتَوْهَا، سُئِلُوا الْفِتْنَةَ بعضهم يقول: القتال للعصبية، يعني: أنهم يفرون من القتال في سبيل الله؛ لأنه لا إيمان لهم، لكن لو طلب منهم، لو جاءهم جيش وغزا المدينة وطلب منهم القتال للعصبية لما ترددوا، فهم جاهليون، والمعنى الثاني أو القول الآخر: ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ أن المقصود بالفتنة الشرك والكفر، بمعنى: لو دخلت هذه الجيوش ثم طلب منهم الكفر بالله -عز وجل- والردة، لقالوا: سمعاً وطاعة، فهم مع من غلب يتلونون، وبعض أهل العلم يقول: المقصود بقوله: ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ أي: أنهم يفتنون المسلمين، أي: الكيد لهم وإلقاء الأراجيف، يقولون: بمعنى لو أنه دخل الأعداء المدينة ثم طُلب منهم أن يقوموا بدور العملاء لما ترددوا، ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ الفتنة بين أهل الإيمان، لو قيل لهم: أنتم تنفذون دوراً محدداً: التخذيل والفتّ في أعضاد الناس والتشكيك بهم وبمشروعية عملهم وجهادهم لقاموا بهذا على الوجه المطلوب، ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا على قراءة الجمهور لَآتَوْهَا لأعطوها لبذلوا لهم ما أرادوا، وعلى القراءة الأخرى: (لأتوها) كأن أهل الإيمان خارج المدينة وهذه الجيوش دخلت (لأتوها) لجاءوا إليهم من أجل التشكيك -على القول الأخير- والتخذيل والإفساد بينهم، كما قال الله -عز وجل-: لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [سورة التوبة:47] ويحتمل أن يكون المراد (لأتوها) على هذه القراءة، أتوها كأن الفتنة نزلت منزلة المكان الذي يقصد، والمقصود أنهم يقبلون على ذلك، وتتشربه نفوسهم طواعية، فهم ليسوا بأصحاب مبدإ؛ ولهذا لما ظهرت قوة المسلمين بعد غزوة بدر قال عبد الله بن أبيّ لأصحابه هذا، فدخلوا، فلم يكن هؤلاء يملكون من الشجاعة ما يجعلهم يثبتون على مبادئهم ولو كانت باطلة كما حصل للقبائل العربية والذين ماتوا دون عقائدهم وأديانهم، وهؤلاء لا، ليس لهم هدف إلا البقاء، أن يعيش وأن يحرز ماله وولده ونفسه، أما الاعتقاد والدين فإنه مع الغالب.

يحتمل أن يكون المراد بقوله: وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا أي: بالمدينة، أي أنهم بعد أن يستجيبوا فيكفر الواحد منهم بالله -تبارك وتعالى- يهلكهم الله ، وهذا قال به طائفة من السلف، وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا.

وبعض أهل العلم يقول: أي ما احتسبوا عن فتنة الشرك إلا قليلاً، وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا.

وقوله: إِلَّا يَسِيرًا يمكن أن يكون المراد أن مثل هذا الاستثناء كما قال الله تعالى: وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًاسورة الأحزاب:18 يراد به تأكيد المثيل، فالعرب تعبر بمثل هذا تستثني القليل واليسير تأكيداً للنفي من أصله، بمعنى: أنهم لا يترددون ولا يتلبثون ولا يتمهلون ولا يبطئون، لا تريث، مباشرة يبادرون، ويحتمل أنه على ظاهره أنهم لا يطيلون التأمل، يتأملون قليلاً ثم بعد ذلك يسارعون، مع أن المسألة تغيير دين واعتقاد، ولكن هؤلاء أنجاس لا عهد لهم، ولا دين ولا أمانة، ولا اعتقاد يحجزهم عن ذلك.

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا سورة الأحزاب:16-20.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلا زال الحديث في هذه الآيات عن المنافقين، والأحزاب الذين تجمعوا وتحزبوا وكانوا من طوائف المشركين من أهل مكة والأحابيش وغطفان وسليم وهوازن وغيرهم، والآيات التي تتحدث عن الأحزاب هي ثلاث آيات بما فيها من خطاب للمؤمنين، ثلاث: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا سورة الأحزاب:9-11 انتهى، وباقي الحديث كله عن المنافقين، والسر هو كما قال الله -عز وجل-: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ سورة المنافقون:4 وهذا يشبه الحصر، يعني كأنه لا عدو إلا هم، يعني: هم الكاملون في العداوة، والعدو حينما يأتي من وراء البحار لا يستطيع أن يضرب في العمق إلا عن طريق المنافقين، ويستطيع العدو أن يتوصل إلى أهدافه ومقاصده عن طريق المنافقين، وعن طريقهم يستطيع العدو أن يضرب الأهداف الدقيقة في أحياء مكتظة، فالمنافقون هم الذين يدلون العدو على عورات المؤمنين؛ ولهذا كان خطرهم أشد وأعظم؛ لأنهم يطلعون على خفايا الأمور وبواطن الأشياء فيعرفون ما لا يعرفه العدو الذي لم تطأ قدمه هذه المحالَّ قط، ما يعرفها ولا دخلها، وهنا يقول الله -عز وجل- عن هؤلاء: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ هذا العهد كان بعد بدر -لأن النفاق لم يظهر قبل ذلك على المشهور- وقبل وقعة الأحزاب، ويحتمل أن يكون هؤلاء ممن تحركت نفوسهم حينما طار ذكر أهل بدر وصار لهم من المكانة والمنزلة عند الله وعند أهل الإيمان فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن ولنفعلن ولنفعلن، كما قال بعض السلف -رضي الله تعالى عنهم-، ويحتمل ولعله الأقرب أن يكون هؤلاء ممن حصل لهم تضعضع في غزوة أحد، عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، بمعنى: لا ينهزمون، وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا فبنو حارثة وبنو سلمة، كما قال الله -عز وجل-: إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ [سورة آل عمران: 122] بمعنى: يحصل لهم تراجع في يوم أحد؛ لأن عبد الله بن أبي رئيس المنافقين رجع بثلث الجيش بحجة سخيفة: أنه لم يكن هناك قتال، هذا من جهة، والمبرر الثاني: أنه كيف يطيع النبي -صلى الله عليه وسلم- هؤلاء الشباب من أهل الحماسة ونحو ذلك، ويخرج خارج المدينة ويعصينا، وهذا لا يبرر أن يرجع بثلث الجيش ويحصل هذا الخذلان العظيم لأهل الإيمان، ويوجد من يغتر به ويحسن الظن به، فكاد بنو سلمة وبنو حارثة أن يتضعضعوا في تلك الوقعة في يوم أحد، إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ والفشل معناه: النكوص على الأعقاب والهزيمة، وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا فهذا يدل على أنهم من أهل الإيمان، لكن كان فيهم شيء من التضعضع والضعف، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله ألا يعودوا إلى مثلها، فلما كانت وقعة الأحزاب بدأ مسلسل الهزيمة في النفوس الضعيفة، فبدأ طوائف من هؤلاء يعتذرون، سواء كانوا منافقين أو من ضعفاء الإيمان كما سبق، ويحتجون بأن بيوتهم عورة وهم يريدون الخلاص والفرار، التخلص من الموقف؛ لأنهم لا يستطيعون المواجهة، فلابد أن يبرروا هذا بتبرير، لا يستطيعون أن يعلنوا هذا صراحة، ويقولوا: نحن لا نستطيع أن نواجه الأعداء، لكن يقولون: بيوتنا عورة، ويمكن للعدو أن يتسلل منها فيصل إلى بيوتنا، فنحن بحاجة إلى حفظها ورعايتها والمحافظة على مصالحها، فلا نستطيع أن نقدم شيئاً، والعهد -عهد الله-: وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا وكل عهد يوثقه الإنسان مع ربه، ويدخل في هذا النذر واليمين، وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ سورة التوبة: 75 فهذا عهد مع الله -عز وجل- وعهده مسئول، وقوله -تبارك وتعالى-: وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا فيه تهديد مغلف، تهديد مبطن، فالمساءلة تعني المحاسبة، أن الله سيسألهم عن هذا العهد، كما قال الله -تبارك وتعالى-: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ سورة الأعراف: 6، ثم قال الله رداً عليهم لما كشف حقيقتهم وخبيئتهم قال: قُل لَّنن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِسورة الأحزاب:16، لمّا قال: وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ تولية الدبر بمعنى الهزيمة، يكنى به عن المنهزم؛ لأن المنهزم يدير ظهره لعدوه، وهؤلاء عهدهم ألا يفروا: لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ فالذي يُقبل بوجهه؛ ولهذا عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- عندما أصيب بحجر، حينما كان الحجاج يرمي الكعبة والحرم بمدافع المنجنيق فأصابه حجر في وجهه فوجد حرارة الدم ونزل على قدميه في مقدمها، فقال:

ولسنا على الأعقابِ تَدْمى كُلومُنا *** ولكنْ على أقدامِنا تَقطُرُ الدِّما

والمنهزم يسيل الدم -إذا ضُرب- على عقبيه، العقب هو مؤخر القدم، يسيل على ظهره أو يصل إلى قدمه، فارّ: وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُسورة الأنفال:16، وهنا قال الله -عز وجل-: قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ قد يعزم الإنسان على الصبر كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ولكنه ينفرط صبره عند المواجهة فيضعف؛ ولهذا يذكر شيخ الإسلام في بعض المواضع من كتبه أنه في مثل هذه الأحوال يظهر نفاق وتختل المواقف وتضطرب النفوس، فهنا الله -تبارك وتعالى- يبين لكم حقيقة ثابتة، وهو أن الفرار لا ينجي من المقدور، ما قدره الله -عز وجل- لهم كائن لا محالة، لابد أن يقع؛ ولهذا يقول الشاعر:

لو أنّ عبداً مُدرِكُ الفلاحِ *** أدرَكَه مُلاعِبُ الرماحِ

والمقصود بالفلاح البقاء.

يعني: عكس ما يظنه الجبناء، لو أن أحداً يُكتب له الخلود والبقاء لحصل ذلك للذي يلاعب الرماح، الذي يرقص للموت؛ لأنه (لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)([2])، أكبر قضيتين يقلق الإنسان لأجلهما قضية الأجل وقضية الرزق، فجاء بهذا النص المحكم بيانُ حالهما، فالله  -تبارك وتعالى- يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ سورة آل عمران:156، فهؤلاء لا يؤمنون بالقدر، لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ؛ لأن الإنسان يتآكل، إذا كان يظن أنه يمكن أن يدفع القدر بمثل هذه الاحترازات، يقول: لو ما فعل، لو أطاعوني، لماذا يروح؟، لو أطاعونا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَسورة آل عمران:156-158 فهذه أمور، ويقول: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَسورة آل عمران:145، ويقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [سورة البقرة:243]، فهؤلاء فروا من الموت فأصابهم الموت، ويقول: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ سورة آل عمران:165-168 يا حكماء: باحترازكم هذا وباحتياطكم وبتخوفكم هذا ادفعوا عن أنفسكم الموت، مات الجيل وانتهى، طويت تلك الصفحة وذلك الجيل وبقيت المواقف المشرفة، المواقف البيضاء الناصعة، وظهر نفاق المنافقين، فهذه الشدائد كما قال الشاعر:

جزى اللهُ الشدائدَ كلَّ خيرٍ*** عرفتُ بها عدوّي مِن صديقي

فيتبين بجلاء أحوال الناس ومواقف الناس، وما يختلج في نفوسهم، وتظهر مخبآت النفوس في حال الشدة، يعرف الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، والعدو من الصديق، والله يقول: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ سورة النساء:78 أنت السبب، أنت الذي جررت علينا هذه الويلة، أنت الذي أوقعتنا في هذه الحرب، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ سورة الجمعة: 8 يواجههم، يذهبون إلى آجالهم وحتوفهم فيتساقطون إذا حان الأجل، وبالطريقة التي كتبها الله -عز وجل- لهم، فكم من أناس فروا من حروب أرادوا السلامة والنجاة فوقع لهم ما حصل به موافاتهم وهلاكهم؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: قُلل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا والقلة هنا بمنزلة العدم، التمتع القليل يعني إلى حيث قدر الله لكم الآجال فقط وإلا فلن تستطيع أن تزيد على الأجل لحظة، فهؤلاء الذين يلقون الموت من إخواننا في غزة يموتون بآجالهم ولكن كما قال الله -عز وجل-: وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ سورة آل عمران:140-143، ثم يربيهم التربية العالية ألا يتعلقوا بالقيادات ولا بالأشخاص: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ سورة آل عمران:144 فالتعلق بالله وحده، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ليس مخلداً، أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فكيف بمن دونه إذا قتل رموز وقيادات وقدوات وما أشبه ذلك؟! فليس معنى ذلك أن يتراجع البقية، بل يسيرون على الطريق نفسه؛ ولهذا قال الله -تبارك وتعالى-: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلََ سورة آل عمران:146 كثير من الأنبياء قتلوا، ثم قال: مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ربيون يعني جماعات، كثير: أتباع، لما قتل النبي ما أظهروا للعدو تمسكناً وضعفاً وذلة، لم يظهر عليهم الضعف في الظاهر ولم يفتّ ذلك في أعضادهم فيقع لهم الضعف في الباطن فتنكسر قلوبهم، ولهذا جمع هذه الأشياء ونفاها قال: فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ فلم يوجد ذلك في دواخل نفوسهم ولم يظهر على جوارحهم، فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ يثبت على الموقف ويصبر حتى يلقى الله -عز وجل-، ولن يموت إلا بالأجل، الله يحب الصبر، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَاا ذُنُوبَنَاسورة آل عمران:147 هذا هو المطلوب الأكبر، ثم قال: وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ سورة آل عمران:147-148 فثواب الدنيا كثير: النصر، الذكر الجميل، يطير ذكرهم في أهل الإيمان، وغير ذلك.

والأمة من جاكرتا إلى المغرب كيف تهتف لأهل غزة؟ قد انقلب السحر على الساحر، السحرة خنقوهم وصرح بعض كبارهم: لا يمكن أن نسمح لإمارة إسلامية تقوم بجوارنا، هي هذه القضية، ليست إطلاق صواريخ، فقبل أن يطلقوا صاروخاً واحداً، ومنذ أن رشحوا بالطريقة التي يريدونها –الانتخاب- مباشرة أعلنت أمريكا: هؤلاء لا نتعامل معهم، فهم مجموعة إرهابية، فخنقوهم وحاصروهم، وهم في حال حرب مع هذا العدو، هم في جوع وحال لا يعلمها إلا الله، واستهداف للقيادات وقنص منهم، فالقضية ليست هي إطلاق صواريخ؛ ولذلك يعرض عليهم باختصار يمكن أن يقال له: "تأكل عيش وتمشي في ظل الحيط"، فالقضية يريد لها الأعداء أن تموت وأن تتطبع العلاقات، ولكن يظهر من الوسط ويقول: لا إله إلا الله، أول مرة نسمع رفع شعار لا إله إلا الله في أرض المعركة، وسمعنا في الإذاعة مقابلات مع الصغار والكبار والجرحى والمصابين لا إله إلا الله، توكل وثبات وصبر ورضا بالله -عز وجل- وتكبير، جاءهم شيء لا قِبل لهم به، لا يمكن أن يصبروا عليه.

فالشاهد: أن الله -تبارك وتعالى- يقول: قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، فإذا أراد الله بكم شيئاً لابد أن يكون، مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ فهي كأنها تعليل للجملة التي قبلها، قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً كما قال الله -عز وجل-: وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ سورة الأنعام:17، وقال: وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ سورة يونس:107، فهنا: وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إذا أراد الله بهم أمراً أوقعه، وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا فالولي هو الناصر، فلا يجدون ولياً يواليهم ويحفظهم ويكلؤهم ويمنعهم من الله -عز وجل-، ولا يجدون من ينصرهم من بأس الله -جل جلاله- فيتخلصوا، إذا أراد الله بهم شيئاً لابد أن يكون، فالمفر إلى الله وحده لا شريك له، ليس هناك أحد يلجأ إليه إلا إلى الله، ولهذا هذه الآيات تؤصل معانيَ كبيرة جداً تربطها مع أولها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا سورة الأحزاب:1-3، هذه الآيات الثلاث إذا عمل بها أهل غزة انتصروا بإذن الله، كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ سورة البقرة:249-251، فكل شيء بيده، فهذه الآيات الثلاث هي الأصول الكبار التي ينطلق منها أهل الإيمان، اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا عن علم نافذ، ووضْع الأمور في مواضعها، وليس هناك مخرج إلا بالعمل بما أمر الله -عز وجل- به، والكفار لا يمكن أن ينصروا المسلمين فنستجديهم وننتظر منهم أن ينصفونا وأن يعطونا وأن يوقفوا عدونا عند حده، فهم معه، ما ننتظر منهم قليلاً ولا كثيراً، ليس لنا إلا الله وحده لا شريك له فقط، لا ننتظر منهم شيئاً، هم كلهم أعداء.

في وقعة الأحزاب اجتمع المشركون واليهود والمنافقون، وفي هذه الوقعة اجتمع اليهود والنصارى والمنافقون، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا سورة الأحزاب:18-20.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا اشتهر أن "قد" إذا دخلت على الفعل المضارع فإن ذلك يكون للتقليل، ويمثلون لهذا بأمثلة معروفة، يقولون يقال: قد يجود البخيل وقد يكبو الجواد، ويراد بذلك التقليل، وهذا قد ذكرتُ فيه قاعدة في درس قواعد التفسير، وهي أن "قد" إذا دخلت على الفعل المضارع المضاف إلى الله -عز وجل- فإن ذلك يكون للتحقيق، قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ سورة النور:64، يعني: قد علم، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ، قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء سورة البقرة:144 يعني: قد رأينا تقلب وجهك في السماء.

ومن أهل العلم كابن عاشور صاحب التحرير والتنوير من يعترض على هذا من أصله ويقول: إن "قد" إذا دخلت على الفعل المضارع فإنها لا تدل على التقليل، وإنما فُهم التقليل في بعض المواضع لدلالة الحال على ذلك، يقول: لا يصح أن يعمم هذا في حكمها، ويقال: إن الأصل فيها أنها للتقليل.

من أهل العلم كابن عاشور صاحب التحرير والتنوير من يعترض على هذا من أصله ويقول: إن "قد" إذا دخلت على الفعل المضارع فإنها لا تدل على التقليل، وإنما فُهم التقليل في بعض المواضع لدلالة الحال على ذلك، يقول: لا يصح أن يعمم هذا في حكمها، ويقال: إن الأصل فيها أنها للتقليل.

 

وهذا الخطاب: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ فالضمير في قوله: مِنْكُمْ بعض أهل العلم يقول: موجه إلى إلى المنافقين؛ لأن الله -تبارك وتعالى- خاطبهم بقوله: قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ يعني: معاشر المنافقين، وهذا له وجه من النظر، ولكن المستبعد أن يكون ذلك الخطاب موجهاً لليهود، أنّ يهود قريظة قالوا للمنافقين: هلم إلينا من أجل أن تحرزوا دماءكم وأموالكم فلا يقع عليكم قتل أو سبي، فهذا الخطاب: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ يبعد أن يراد به اليهود، فهو خطاب للأمة في ظاهره، والمنافقون مندسون في الصف ويتظاهرون بالإسلام، فصح أن تخاطب الأمة بهذا الخطاب ويتوجه إلى هؤلاء المنافقين، ولهذا فإن بعضهم يقول: إن المنافقين قالوا للمسلمين: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، يعني: قلة حفنة، يقولون: لو كانوا لحماً لأكلهم أبو سفيان ومن معه، فهم عدد قليل، قالوا: وهو هالك ومن معه -صلى الله عليه وسلم-، وهذا لا يستغرب من المنافقين؛ لأن التثبيط هو عادتهم، والله -عز وجل- يقول عنهم في سورة براءة: لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [سورة التوبة: 47] فلا خير في المنافقين ولا يُنتظر منهم شيء، فينبغي أن تفطم النفوس من أن تتطلع إلى شيء يكون منهم، ليس عندهم إلا التخذيل والتثبيط والإفساد والإيقاع بين أهل الإيمان، وقوله -تبارك وتعالى-: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ لم يرد في نزول ذلك سبب صحيح، وبعضهم يقول: إنها نزلت في رجل قال لأخيه هذه المقالة؛ لأن الله -عز وجل- قال: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا سورة الأحزاب:18، ويحتمل أن يكون الذين قالوا لإخوانهم هؤلاء: هم المذكورون قبلهم وهم المعوقون، فيكون ذلك من باب عطف الصفات، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا فهي أوصاف لموصوف واحد لطائفة واحدة، يحتمل، وقد ذكرت في مجلس سابق ما يشهد لهذا، ويحتمل أن يكون المعوقون فئة، وأن الذين قالوا لإخوانهم هلم إلينا هم فئة أخرى وكلهم من المنافقين، جاء رجل -لو صحت الرواية، وهذه الروايات في سبب النزول لا تصح- رجع من الخندق استأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجد أخاه يأكل لحماً، فقال: أنت في هذا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الخندق، فقال: هلم إلى الطعام كُلْ، وقال ما قال، يعني: يقول هؤلاء: ما محمد ومن معه إلا أكلة رأس، أي: أن المشركين سيقضون عليهم، فهذا ظنهم بالله -عز وجل-، وهذا ظنهم برسوله وبأهل الإيمان، خيب الله تلك الظنون، وسيأتي ما يدل على أنهم كانوا يجزمون بهذه الظنون الكاذبة، وقد ملئوا أيديهم من هذه الأوهام وظنوا أن ذلك لابد أن يتحقق ويقع، كما سيأتي عند قوله -تبارك وتعالى-: يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا سورة الأحزاب:20.

المقصود: أن من شأن المنافقين التخذيل والتثبيط والتعويق؛ ولهذا ذكر الله -عز وجل- صدهم عن سبيل الله، وهم في هذا الصد اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً سورة المجادلة:16 كالترس وقاية، تصدر منهم الأفعال والأقوال الشنيعة فإذا وُوجهوا حلفوا أنهم ما فعلوا وما قالوا: يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِسورة التوبة:74، فهؤلاء اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ سورة المجادلة:16، الفاء تدل على ترتيب ما بعدها على ما قبلها، وتدل على التعليل، فالذي جعلهم يصدون عن سبيل الله هو الأيمان، لما رأوا ذلك يروج إذا حلفوا استمرءوا القضية فصدوا، وفعل الصد يأتي متعدياً ولازماً، بمعنى: صدوا في أنفسهم إذا فسر بأنه لازم، صدوا بقوا على الكفر والرجس، والمعنى الثاني: فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أي: صدوا أهلَ الإيمان صدوا غيرهم، صدوهم عن اتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، صدوهم عن الإنفاق، صدوا غير المؤمنين عن الدخول في الإسلام، كل هذا داخل في هذا المعنى.

قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا يقولون لإخوانهم: هذه الأخوّة إذا قيل بأن المتكلم القائل هو المنافق فإن كان وجّه ذلك إلى المنافقين ومن هم على شاكلته فلا إشكال، فهذه أخوة في الدين والاعتقاد، وإن كانوا قد وجهوا ذلك لأهل الإيمان فإن هذه الأخوّة بحسب الظاهر، هم يتظاهرون بالإسلام فقالوا لهم ذلك، أو بحسب الأخوة أو الرابطة أو الاجتماع في البلد الواحد أو القبيلة الواحدة، يعني: قالوا لقومهم لقراباتهم لعشيرتهم لجماعتهم أو لأهل بلدهم، كل ذلك يصح أن يقال فيه: إنه أخ: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً سورة الأعراف:65] وهكذا، فخاطبوهم بهذا: هلمّ إلينا من أجل أن تَسْلموا، ومن أجل أن نتخذ لكم عهداً وعقداً ووعداً من المشركين، فإذا دخلوا المدينة قلنا لا، هؤلاء تبعنا، هؤلاء معنا، لا يمسهم السوء، كما جاء أحد المنافقين في حرب غزة القائمة -معلوم النفاق- إلى جماعة الجهاد التي في غزة وقال لهم: هذه الحرب يقصد بها حماس ولا شأن لكم بها، وأنا سأتفق لكم مع إسرائيل ألا يمسوا مواقعكم ومقراتكم ورجالكم، فقالوا له: لسنا مع حماس بل نحن حماس، ثبتهم الله في هذا الموقف.

قال: وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا -قبحهم الله-، والقلة هنا يمكن أن تكون بمعنى العدم، يعني: لا يأتون، كما ذكرت في بعض الأمثلة سابقاً، لا يأتون أصلاً، ويمكن أن يكون هؤلاء يأتون من أجل الدسائس، ومن أجل إثبات حضور ليحصلوا على غنيمة إن وجدت، وثالثاً لربما يأتي الواحد ويمر لدفع التهمة، يمر، ويجيء من أمام عمر: يا أبا حفص سلام الله عليك ويمشي، كأنه يقول: أنا حضرت، ثم ينطلق إلى امرأته.

وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ والبأس هي الحرب، وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ثم قال: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ أشحة بالغنيمة إذا وُجدت، طالبوا بها بقوة، لم يتركوا شيئاً، أو أشحة بالخير، أو أشحة بالنفقة في سبيل الله، أو أشحة بأنفسهم لا يقاتلون معكم، كل ذلك واقع، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فهي عامة، كما اختار ذلك كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-، عامة في كل شيء، كل هذه المعاني التي ذكرها السلف، أشحة في كل ما يُشح به: أشحة عليكم بالرأي السديد، أشحة عليكم بالمشورة، أشحة عليكم بالنفقة، أشحة عليكم بأنفسهم، لا يُنتظر منهم شيء، لا تنتظر من منافق شيئاً، هو لو يكف شره فهذا مكسب كبير جداً، ولكن هيهات؛ ولهذا ينبغي أن يتفطن لهذا الدرس، وأن يدرك إخواننا في غزة هذا المعنى، لا ينتظروا من أعدائهم من اليهود والنصارى أن ينصفوهم، ولا من المنافقين أن يعينوهم أو ينصروهم إطلاقاً.

أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ هذا يصف بدقةٍ الحالَ التي عليها أهل النفاق، والذي أوقعهم في هذا النفاق والتلون أنهم أرادوا أن يحرزوا أموالهم ودماءهم، أما المبدأ والدين فهذا غير وارد، وهي ليست قضية بالنسبة إليهم، فهم في غاية الهلع، وغاية الواحد منهم أن يبقى حياً وأن يحفظ متاعه وماله.

فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ والمقصود بالخوف الحرب، إذا قامت الحرب، رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ الخطاب موجه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ الذي يُغشى عليه من الموت تتحرك رأسه، لا يكاد هو يتحرك، العيون هي التي تذهب هنا وهنا، فعيونه تتحرك بجفنيه، فهو من شدة الخوف لا يستطيع أن يلتفت؛ لأنه يخشى في هذه الالتفاتة أن يؤتى من هنا، جامد في مكانه، والإنسان إذا كان في غاية الخوف فإنه يترقب ويحرك العينين بطريقة بطيئة، والقرآن يصور بدقة حتى حركة العين للمنافق تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ وهذا يدل على أن القضية كأنهم سُلبوا الأرواح.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.


 

[1] - رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، برقم (118).

[2] - رواه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة، برقم (2144)، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم (1185)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2742).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about