تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 18 / ذو الحجة / 1440 - 19 / أغسطس 2019
ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

المصباح المنير التسهيل في علوم التنزيل لابن جزي
مرات الإستماع: 0

"وقوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفاتحة:3] تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن الإعادة، قال القرطبي: إنما وصف نفسه بـ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفاتحة:3] بعد قوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة الفاتحة:2] ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب كما قال تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ [سورة الحجر:49-50]".قوله: "ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب" وجه الترهيب في قوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ هو أن الرب هو السيد، فرب العالمين أي هو سيدهم، ونواصيهم بيده، والسيد لا شك أنه يُهاب، وتخاف سطوته، ويرهب جانبه، فلذلك جاء بعده بـ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفاتحة:3] أي ليجمع لهم بين الترغيب والترهيب، ولكن ذلك أوضح بما بعده أي في قول الله : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [سورة الفاتحة:4] فيوم الدين هو يوم الجزاء والحساب الذي قال الله فيه: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [سورة طه:111]، ويقول الله فيه: مَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [سورة غافر:16] فلا أحد يدعي الملك في ذلك اليوم، بل الملوك كلهم خاضعون ذليلون في ذلك اليوم، فلذلك يكون قوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ۝ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [سورة الفاتحة:3-4] أوضح في الجمع بين الترغيب والترهيب.
وهذه الآيات فيها من الدلالات على معانٍ من علم الله ، وعدله، وصفات كماله؛ الشيء الكثير.
"وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [سورة الأنعام:165] قال: فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد[1]".
نخرج من هذا بأن ربوبية الله مبنية على الرحمة وليست مبنية على العسف، والقهر، ومجرد التسلط، وإنزال البأس والعقوبات بهؤلاء المخلوقين، إنما هي ربوبية مبنية على الرحمة، فإذا عرف العبد ذلك سكن إلى ربه - تبارك وتعالى -، وأقبل عليه، وأحبه.

  1. أخرجه مسلم في كتاب التوبة - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (2755) (ج 4 / ص 2109).

مرات الإستماع: 0

"الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من المُلك، وقرأ عاصم، والكسائي بالألف، والتقدير على هذا مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح لثلاثة أوجه: الأول: أن الملك أعظم من المالك؛ إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، والثاني: قوله: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ [الأنعام: 73]، والثالث: أنها لا تقتضي حذفاً، والأخرى تقضتيه؛ لأن تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، والحذف على خلاف الأصل، وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين، فهي على طريقة الاتساع، وأجر الظرف مُجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية، أي: الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، فيكون فيه حذف، وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله ﷺ وقد قُرئ ملك بوجوه كثيرة إلا أنها شاذة".

كلامه هنا في (مالك) يدور على التقدير هنا مالك مجيء يوم الدين، ومالك الأمر. بأي اعتبار؟ باعتبار أن اليوم ظرف زمان، وأن ذلك لا يضاف إليه المِلك، وإنما يكون المِلك لما يقع فيه، أو لمجيئه. هذا الذي يقصده كلامه يحوم حول هذه القضية أن الإضافة جاءت إلى ظرف زمان.

لكن على كل حال مثل هذا الكلام الذي ذكره في الترجيح بين القراءتين بهذه الطريقة قد يُناقش. القراءتان متواترتان ثابتتان. فهنا يقول: (مَلِكِ) قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم، والكسائي بالألف. لاحظ هي الآن الصفة الرابعة للفظ الجلالة (الله)، أو بدل منه، وهو مضاف، ويوم مضاف إليه، ويوم مضاف، والدين مضاف إليه.

القراءات التي أشار إليها ابن جزي - رحمه الله - عاصم، والكسائي كما ذكر (مالك) بالألف اسم فاعل من المِلك بكسر الميم قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: 26]، فهو المالك يعني المتصرف في الأعيان المملوكة كيف شاء هذا المالك. قراءة الجمهور (ملك)، والملك هو الذي له التصرف المطلق يأمر، وينهى، ويُطاع مأخوذ من (المُلك) بضم الميم أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: 107]، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [المائدة: 17- 18]، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ [التغابن: 1]، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: 1]، الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [الحشر: 23]، مَلِكِ النَّاسِ [الناس: 2]، فملك صفة مشبهة تدل على ثبوت ملكه - تبارك، وتعالى - وعلى دوامه فله التصرف التام في الأمر، والنهي، فقراءة (مَلِكِ) أعم في المعنى، وأشمل من قراءة (مالك)، يقولون: لأن كل ملك فهو مالك، وليس كل من كان مالكًا يكون ملكًا. يعني أنت تملك سيارة، وتملك كتابًا لكنك لست بملك، لكن الملك أيضًا يكون مع ملكه مالكًا، فهو أبلغ، وأشمل؛ ولهذا اختار كثيرون قراءة الجمهور (مَلِكِ)، والترجيح بين القراءات لا بأس به على سبيل الاختيار؛ لكن مع مراعاة ألا يكون هذا الترجيح مفضيًا إلى الانتقاص من القراءة الأخرى، أو التوهين لها؛ لأن ذلك إذا كان من القراءة الثابتة الصحيحة المتواترة أنه كلام الله - تبارك، وتعالى - فلا يجوز الترجيح بين القراءات بطريقة تُشعر انتقاص، أو توهين القراءة الأخرى، لكن لا بأس أن يقال على سبيل الاختيار بأن هذه القراءة تدل على معنى أوسع، تدل على معنى أكمل، تدل على معنى أشمل، فهذا لا إشكال فيه، ولو دققت النظر فإن (مَلِكِ) أبلغ من (مالك) من حيث أنه يدل على التصرف المطلق، المُلك، والملك يكون أيضًا مالكًا كما ذكرنا، لكن الواقع أيضًا أن المالك يتصرف فيما تحت يده مما يملكه مما لا يتصرف فيه الملك، ولا يكون أمره نافذًا فيه، بمعنى هل الملك الآن في الدنيا يستطيع أن يبيع دارك، أو سيارتك، أو نحو ذلك، هل يمك هذا شرعًا؟ الجواب: لا يستطيع؛ ولذلك إذا أُخذ من الإنسان شيء من هذا بحاجة في طريق، أو مسجد، أو كذا يُرضى صاحبه بالتعويض، وقد يبالغ له في هذا حتى تطيب نفسه، أليس هذا هو الواقع؟! لماذا؟ لأن هذا يملكه صاحبه، فأمر الملك لا ينفذ فيه. هل يستطيع الملك أن يطلق امرأتك؟ الجواب: لا، لا ينفذ تطليقه لو قال: بأن امرأتك طالق. فإن الطلاق لا يقع، لو قال: بأن هذا المملوك عندك حر. فإن ذلك لا يكون عتقًا له، فملك فيها من الكمال، والمعنى ما لا يوجد في المالك، والمالك فيها من الكمال، والمعاني ما لا يوجد في ملك، ولهذا ثبت الاسمان لله (مَلِكِ)، و (مالك)، وثبت ذلك في هذه الآية بقراءتين، والقاعدة أن القراءتين إن كان لكل قراءة معنى بمنزلة الآيتين، ومن هنا يقال: القرآن يُعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة.

وهذا من بلاغة القرآن، ومن وجوه الإعجاز تجدون في الكلام على اختلاف الأحرف السبعة، وتنوعها، والقراءات يقولون: مما يؤخذ من ذلك إعجاز القرآن. من أي وجه؟ لاحظ كثرة المعاني بعبارات قصيرة، عبارات قليلة، وتحتها من المعاني الكثير، فالقراءتان بمنزلة الآيتان، فـ الله هو الملك، والمالك، فكل ذلك ثابت له - تبارك، وتعالى -.

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: اليوم في الأصل هو القطعة من الزمن قلّت، أو كثرت، طالت، أو قصرت يعني مطلق الوقت، فقد يقال للزمن، وإن كان قليلًا، إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ آل عمران: 155]: يعني وقت التولي كان محدودًا، لم يكن يومًا كاملًا.

وكذلك يوم يأتي يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: 158]: يعني في الوقت الذي تظهر فيه هذه الآية، وهي طلوع الشمس من مغربها.

وقال تعالى: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ [مريم: 15]، وقت الولادة محدود، وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 15]، هذه أوقات محدودة، وعُبّر عنها باليوم، كما يطلق أيضًا على الزمن المديد، الطويل، وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج: 47]، تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: 4]، أما اليوم في الشرع: فيكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، قال تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة: 184]، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184]، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ [البقرة: 196]، وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة: 203]، فهذا يقال: أيام منى.

فاليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والعرب قد تطلق اليوم، وتقصد مع ليلته كما هو معروف.

وأما الدِّينِ: فالحساب، والجزاء على الأعمال خيرها، وشرها يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [النور: 25]: يعني: جزاء الأعمال.

فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [الواقعة: 86]: يعني غير مجزيين بأعمالكم محاسبين عليها، قول الكفار فيما ذكر الله عنهم أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: 53]: يعني لمجزيون على أعمالنا. 

وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات: 6]: يعني الجزاء على الأعمال، واقع حقيقة، كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [الانفطار: 9]: الجزاء، والحساب على الأعمال، يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ [الانفطار: 15] وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: 17]، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: 7]: يعني البعث، والحساب، وما يتبع ذلك من الجزاء على الأعمال فكل هذا داخل فيه، والمقصود بيوم الدين: يوم القيامة. يوم قيام الناس من قبورهم، فيجازون على الأعمال، الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [غافر: 17]، فـ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: يعني مالك ذلك اليوم، وهو مليكه على القراءتين لا ملك سواه، ولا مالك سواه، لا ينازعه في ذلك أحد، فأمره فيه نافذ.

والله - تبارك، وتعالى - يقول: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [الأنعام: 73]، الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الحج: 56]، الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان: 26]، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: 16]، هو مالك الدنيا، والآخرة لكنه خص ذلك اليوم مع أنه يملك ما قبله كما قال الله : وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى [الليل: 13].

باعتبار أنه المتفرد في ذلك اليوم بالملك، فلا أحد يدعي الملك سواه، في الدنيا يوجد ملوك، ولكن في الآخرة لا يوجد. أيضًا هو أعظم فلا يقاس بالدنيا، فإذا كان لا مالك لذلك اليوم فهو لما دونه أملك مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إذا كان يملك ذلك اليوم العظيم الذي لا يدعي فيه أحد يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟[1].

لا أحد يدعي فيه ملكاً، كل أحد يريد فكاك رقبته، يفر المرء من أقرب الناس إليه يراهم، ويبصرهم، يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج: 11]، لكنه يريد أن يدفع عن نفسه، وأن يخلصها فتنقطع أملاك الخلائق في ذلك اليوم قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: 26]، الله  هو الذي يعطي من شاء الملك، وينزعه ممن يشاء، أما في الآخرة فكل ذلك يزول - والله المستعان - وذلك اليوم هو اليوم الحقيقي مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وهنالك تلك الدار الحقيقية وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: 64]، الحياة الحقيقية هناك؛ ولذلك أضاف ملكه ليوم الدين، وإن كان ذلك لا ينفي ملكه عما عداه - والله تعالى أعلم -. 

  1. أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ملك الناس [الناس: 2]، رقم: (7382)، ومسلم، كتاب صفة القيامة، والجنة، والنار، رقم: (2787).