الخميس 27 / ذو القعدة / 1447 - 14 / مايو 2026
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآئِ ٱلْءَاخِرَةِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

ثم قال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ: قال قتادة: هي - والله - الفرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني: إذا رفع هذا إلى عليين، وخفض هذا إلى أسفل السافلين، فذاك آخر العهد بينهما؛ ولهذا قال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ قال مجاهد وقتادة: ينعمون.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله - تبارك وتعالى -: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ قال ابن عباس: ييأس المجرمون، قال مجاهد: يفتضح المجرمون، وفي رواية يكتئب، فهذه ثلاث عبارات يفتضح ييأس يكتئب، وأصل الإبلاس قال: أبلس الرجل إذا سكت وانقطعت حجته، ولم يهتدِ إليها يعني سكت فقطعت حجته، ولم يهتدِ إليها يقال: أبلس، هذا السكوت مع انقطاع الحجة قال له: إبلاس، ومن فسره بأنه ييأس فإن ذلك لا ينافي ما ذكر فإنه حينما يسكت وتنقطع حجته ولا يهتدي إليها فذلك يعني يأسٌ هو، وهكذا قول من قال: إنه يكتئب فإن مقتضى هذه الحال التي صار إليها تئول به إلى الكآبة، حينما يصير الإنسان إلى حال تنقطع فيها حجته عند الحساب ولا يجد عذراً ولا جواباً ولا حجة يحتج بها على إجرامه فإنه عند ذلك يكتئب فيكون سكوته سكوت يأس وانقطاع تحصل معه الكآبة، فكأن الكآبة من لازمه أو أنها أثر من آثاره، ونحن نعلم أن السلف تارة يفسرون باللازم، وتارة يفسرون ببعض المعنى، وهذا أصل الإبلاس ولهذا فسره ابن جرير - رحمه الله - باليأس والكآبة والندم فجمع بعض هذه المعاني، وقوله - تبارك وتعالى -: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ، يعني فريق إلى الجنة وفريق إلى النار هذا المراد وإلا فإن الله - تبارك وتعالى - قال: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [سورة الصافات:22] ونظراءهم وأشباههم ومن شاكلهم، لكن التفرق المذكور هنا ما ذَكر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، قال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ أمّا هذه كما يقول سيبويه بمعنى دع ما كنا فيه وخذ في غيره، يعني بمعنى مهما يكن من أمر - من شيء - فخذ في غير ما كنا فيه، وقوله - تبارك وتعالى -: فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ يقول قال مجاهد وقتادة: ينعمون، الروضة تقال في كلام العرب لكل أرض ذات نبات، وكثير منهم يقيد ذلك بقيد وهي الأرض المنخفضة ذات النبات، ولا شك أن هذه الروضة أنها تكون معشبة تتميز عن غيرها فيكثر فيها النبات، وليس كل أرض وجد فيها نبات يقال لها: روضة، وهذا أمر معلوم، فيقولون: الأرض التي تكون منهبطة منسفلة منخفضة روضة، وإذا كانت مرتفعة يقال لها تُرعة، هذا هو المشهور الذي قال به أبو عبيد القاسم بن سلام - رحمه الله -، مع أن بعضهم قال: إن الروضة تكون مرتفعة، وليس المقصود هنا أنها منهبطة لكن هذا في الدنيا في رياضها، فالعرب تقول ذلك في روضات الدنيا، وأما ما يتصل بالجنة فلا شك أنها ليست منهبطة وليست منخفضة وإنما عالية مرتفعة، فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ولكن القرآن خاطب الناس خاطب العرب بما عهدوا من ألوان النعيم واللذات والسرور، ولما كانوا يعيشون في أرض مجدبة قاحلة كما نشاهد فإن الروضات عندهم هي محل الأنس واللذة والسرور والحبور فيبتهجون بها ويسرون لندرة ذلك في بلادهم بخلاف البلاد التي هي جنات وأنهار فإن الروضة بالنسبة إليهم لا تعني شيئاً كثيراً فبلادهم لربما تكون روضة وأن ذلك مما يكون قليلاً في وصفها وفي حقها، وأما الحبور فهنا قال: يحبرون أي ينعمون، الحبور يقال: للسرور، والحبرة هي السرور، وبعضهم يقول: أي يكرمون، ولا شك أن ذلك حاصل لهم ولازم دخولهم الجنة فإنهم يسرون ويكرمون، فإن دخولها يستلزم النعيم والإكرام، وبعضهم يقول: إن الحبور المقصود به السماع، أن الحور العين تغنيهم فيسمعون الأصوات الحسنة الجميلة المطربة، فالحبور هو السرور والغبطة، ومن لازمه الإكرام، لازم دخول الجنة الإكرام فهم يكرمون فيها، ومن قال: إن المعنى يكرمون فهذا لا يحتاج معه إلى ترجيح، وإنما يقال: هذا من لازم دخول الجنة، فإذا حصل لهم هذا الإكرام فإنهم يسرون لذلك، والحبور أعم من هذا كله، صحيح هم يسرون وينعمون فيدخل فيه هذه المعاني سواء كان ذلك بسبب مما يشاهدون في هذه الجنة في روضة يحبرون، أو كان ذلك مما يسمعون أو كان ذلك مما يحصل لهم من الإكرام فكل ما في الجنة يدعو إلى الحبور والسرور؛ لأنهم يجدون فيها أنواع اللذات الكاملة.