الخميس 27 / ذو القعدة / 1447 - 14 / مايو 2026
يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَيُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

وقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة، وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

هذا الذي ذكره الحافظ ابن كثير - رحمه الله - جمع فيه عبارات السلف فإنهم فسروا قوله - تبارك وتعالى -: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وهذا كله من قبيل التفسير بالمثال، حينما يقولون: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ الإنسان من النطفة، والدجاجة من البيضة، وما يظهر على هذا ما يذكره علماء الحيوان مثلاً في هذا العصر من أن الفرخ أو النطفة الحيوان المنوي حي إلى آخره، إذا ذكرت الحياة والموت في القرآن وفي لغة المتقدمين من الفقهاء وغيرهم فإنهم يطلقون ذلك على ما فيه روح، ومن ثم فإنهم يقولون عن النطفة: إنها ميتة فلا يشكل على هذا أن الحيوان المنوي حي وأنه يسبح إلى آخره حتى يصل إلى البويضة فيلقحها، هذا لا يقصدونه ولا يلتفتون إليه، وإنما يعتبرون النطفة ميتة فيخرج منها الإنسان فهذا مثال يصدق على قوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ فيدخل هذا به كله، ويدخل فيه من جهة المعنى والاتساع فيه: إخراج المؤمن من الكافر، ولهذا بعض المفسرين في هذا يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يقول: البيضة تخرج من الدجاجة، والنطفة تخرج من الإنسان وما أشبه هذا، فكل هذه العبارات ابن كثير - رحمه الله - جمعها فهذا من قبيل اختلاف التنوع لا يحتاج إلى ترجيح.

وقوله: وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كقوله: وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ... إلى قوله: وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ [سورة يس:33-34]، وقال: وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ... إلى قوله: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [سورة الحج:5-7]، وقال: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [سورة الأعراف:57]؛ ولهذا قال هاهنا: وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ.