قوله - تبارك وتعالى -: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً وعدّ ذلك من آياته ثم قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الحافظ ابن كثير - رحمه الله - هنا يقول في تفسير المودة: هي المحبة، وأن الرحمة: هي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة لمحبته لها أو لرحمته بها بأن يكون له منها الولد أو محتاجة إليه بالإنفاق أو للألفة بينهما أو غير ذلك، هذا كله باعتبار أن المودة والرحمة حاصلة بين الزوجين وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، وبعضهم كمجاهد يقول: إن المودة الجماع، وإن الرحمة هي الولد وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، وهذا التفسير - تفسير المودة بالجماع فقط - هو تفسير بعض ما يتصل بالمعنى وإن لم يكن هذا معنى المودة، فإن المودة محبة خاصة يحصل معها، فالمحبة على مراتب قد ذكرها الحافظ ابن القيم - رحمه الله - في "روضة المحبين" وعدّ منها عشراً، فهي مراتب أعلاها الخُلّة، ويأتي دون ذلك مراتب أخرى ومن هذه المراتب المودة، فيحصل معها ميل القلب وعطفه على المحبوب وإيثاره له وتقديمه على غيره، وما أشبه ذلك ولهذا كانت مودة أعداء الله لا تجوز، ولكن قد يتزوج امرأةً يحبها من أهل الكتاب فلا يكون ذلك من الموالاة، والله - تبارك وتعالى - يقول: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [سورة المجادلة:22] فمودة الكفار لا تجوز فهذه مرتبة أعلى من مرتبة المحبة، فتفسير المودة هنا على قول مجاهد الجماع ليس ذلك من قبيل التفسير، تفسير اللفظة بما عرف من معناها عند العرب، ولكن لا يقال بأن التفسير مردود وأنه خطأ؛ لأنه تفسير لها ببعض ما يتصل بها وذلك - والله أعلم - باعتبار أن ما يحصل من الجماع بين الزوجين أن ذلك يكون سبباً لجلاء النفس ويحصل معه من المودة مالا يقدر قدره، قد ذكر هذا جماعة من أهل العلم، وما ذكره الطاهر ابن عاشور - رحمه الله - في كتابه "التحرير والتنوير"، فقد لا توجد صورة من صور المودة أعلى منها في حال المعاشرة، ولهذا فإن العلاقة إذا كانت بين الزوجين فاترة والمعاشرة منعدمة فإن ذلك قد يؤدي إلى شيء من الجفاء، وتفاقم المشكلات وما إلى ذلك، وهذا أمر معلوم، والذي يظهر - والله أعلم - أن المودة والرحمة أن ذلك حاصل بين الزوجين فالمودة هي محبة خاصة، والرحمة غير المحبة فهو يحبها هذه المحبة كما أنه يرحمها، جعل بينهم رحمة وبعضهم فسر الرحمة هنا بالشفقة يشفق عليها، والواقع أن الشفقة رحمة خاصة، الشفقة تقال للرحمة مع شيء من الحنوّ، والخوف على المحبوب تتخوف عليه من المكروه والألفة ونحو ذلك، وبعضهم يقول: إن المودة هي محبتها وإن الرحمة هي رحمته لها من أن يصل إليها منه سوء، والمعنى أعم من هذا، يرحمها من أن يصل منه سوء أو يرحمها من غير ذلك، يعني أن يصل إليها المكروه مطلقاً منه أو من غيره كما أنه يود لها ويحب لها الخير والمعروف والبر وما أشبه ذلك، وهذا كله من آثار المودة مع أن بعض أهل العلم كابن جرير - رحمه الله - حمل ذلك على العلاقة التي تكون بسبب هذا الزواج لكن ليس المقصود عنده بذلك الزوج والزوجة جعل بينكم مودة ورحمة يعني بالمصاهرة فصار هؤلاء أختاناً وأصهاراً، يعني صارت هناك علاقات اجتماعية تَقاربَ الناسُ بها، وصار بينهم وشائج بسبب الزواج - والله تعالى أعلم -، يعني حينما نقول: إن الله -تبارك وتعالى- أخبر أنه جعل بينهم مودة ورحمة فالعلاقة بين الزوجين يحصل بها ذلك، فهو يحبها، هذه المودة الخاصة، ويرحمها، قد توجد حالات قد لا توجد فيها محبة ولا يوجد فيها رحمة هذا موجود لكن خلاف الأصل، فهذا الرجل لا يعرف هذه المرأة وما رآها قط، فإذا تزوجها حصلت بينهم هذه المودة والرحمة التي يلقيها الله في قلوبهم فهذه آية من آياته، وتخلُّفُ ذلك في بعض الأفراد لا يقدح في هذا الأصل فلكل قاعدة شواذ، ومن هنا يؤخذ منه أصل في ما يتعلق في العلاقات بين الزوجين بخلاف ما قد يُقرَّر كثيراً من أن العلاقة بين الزوجين لا تبنى على المحبة والمودة ويتوصل من ذلك إلى معنى وهو أنه ينبغي أن يكون هناك احترام متبادل وتعاون في بناء الحياة الأسرية وما أشبه ذلك، ولا يلزم منه وجود المحبة، لكن الأصل في ذلك هو وجود المودة والرحمة هذا هو الأصل وما خرج عنه فهو شاذ، فإن الشيء قد يتخلف لوجود المانع أو لتخلف الشرط، والله المستعان.
قال ابن القيم - رحمه الله -: "ونوّع سبحانه الآيات في هذه السور فجعل خلق السماوات والأرض واختلاف لغات الأمم وألوانهم آيات للعالِمين كلهم لاشتراكهم في العلم بذلك وظهوره ووضوح دلالته، وجعل خلق الأزواج التي تسكن إليها الرجال، وإلقاء المودة والرحمة بينهم آيات لقوم يتفكرون، فإن سكون الرجل إلى امرأته وما يكون بينهما من المودة والتعاطف والتراحم أمر باطن مشهود بعين الفكرة والبصيرة فمتى نظر بهذه العين إلى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدر عنها ذلك دله فكره على أنه الإله الحق المبين الذي أقرت الفطر بربوبيته وإلاهيته وحكمته ورحمته، وجعل المنام بالليل، والنهار للتصرف في المعاش وابتغاء فضله آيات لقوم يسمعون وهو سمع الفهم وتدبر هذه الآيات وارتباطها بما جعلت آية له مما أخبرت به الرسل من حياة العباد بعد موتهم وقيامهم من قبورهم كما أحياهم سبحانه بعد موتهم وأقامهم للتصرف في معاشهم، فهذه الآية إنما ينتفع بها من سمع ما جاءت به الرسل وأصغى إليه واستدل بهذه الآية عليه، وجعل رؤيتهم البرق وأنزل الماء من السماء وإحياء الأرض به آيات لقوم يعقلون فإن هذه أمور مرئية بالأبصار، مشاهدة بالحس فإذا نظر فيها ببصر قلبه وهو عقله استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته إمكان ما أخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه الأرض بعد موتها، وهذه أمور لا تدرك إلا ببصر القلب، وهو العقل، فإن الحس دل على الآية، والعقل دل على ما جعلت له آية، فذكر سبحانه الآية المشهودة بالبصر والمدلول عليه المشهود بالعقل فقال: وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [سورة الروم:24]، فتبارك الذي جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء لما في الصدور"[1].
وقال - رحمه الله -: "وَأَمَّا مَحَبَّةُ الزَّوْجَاتِ: فَلَا لَوْمَ عَلَى الْمُحِبِّ فِيهَا بَلْ هِيَ مِنْ كَمَالِهِ، وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ فَقَالَ: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [سُورة الروم:21].
فَجَعَلَ الْمَرْأَةَ سَكَنًا لِلرَّجُلِ، يَسْكُنُ قَلْبُهُ إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا خَالِصَ الْحُبِّ، وَهُوَ الْمَوَدَّةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالرَّحْمَةِ"[2].
- مفتاح دار السعادة، (186).
- الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (ص:236).