الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فقوله - تبارك وتعالى -: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أصل المثل يأتي بمعنى الشبه أو أنه مأخوذ من الشبه، وذلك أن الاستعمال له تعلق ظاهر بالشبه والشبيه، فقوله - تبارك وتعالى - هنا: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هؤلاء يجعلون لله الشركاء والأنداد، وهؤلاء الشركاء الذين جُعلوا معه هم عبيده ومماليكه، وليس لهم من هذه الشراكة المزعومة قليل ولا كثير، فالله يضرب لهم المثل الذي يوضح به المعاني الغائبة بأمور محسوسة، فضرب لهم هذا المثل بشيء قريب يجدونه في أنفسهم، ويحسونه ويشاهدونه وهم هؤلاء المماليك الذين يخالطونهم ويعافسونهم صباح مساء، فيقول لهم: هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم وهم يعلمون أن هؤلاء المماليك لا يقاسمونهم أموالهم لا في الحياة ولا بعد الممات فهم آمنون مطمئنون كل الاطمئنان إلى أن هؤلاء المماليك وما في أيديهم هم ملك لأسيادهم ليس لهم تملّك لا في قليل ولا في كثير، فالمملوك وما في يده ملك لسيده فهو لا يتخوف بالمملوك أن يكون قسيماً في ماله؛ لأن هذا الأمر لا يتأتى أصلاً، لا يملك، فكيف إذا كان هذا المملوك ملكاً لك؟!، ومن هنا فسره الحافظ ابن كثير - رحمه الله - أي قوله تعالى: تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ - قال: أي لا يرتضي أحد منكم أن يكون عبده شريكاً له في ماله، فهو وهو فيه على السواء، تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي تخافون أن يقاسموكم الأموال، أي: أنك لا تخاف هذا المملوك أن يقاسمك مالك وليس له ذلك، كذلك الله لا شريك لا في هؤلاء الذين تدعون، هم مماليكه هذا هو المعنى الظاهر، - والله تعالي أعلم -، وهو الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير - رحمه الله -، وبعضهم حمل ذلك على الوراثة أنهم يرثونكم الأموال، تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ المقصود أنفسكم يعني الأحرار يعني كما تخافون وتتخوفون الأحرار، فإن الأحرار يملكون الحر يمكن أن يشترك معك في مالك أن يكون له سهم فيه لشراكة أو نحو ذلك، فحمله بعضهم على الوراثة، تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني كما تخافون الأحرار، لكن لا يظهر فيه - والله تعالى أعلم - ما يدل على هذا المعنى بخصوصه أن يقيد بالوراثة، وتَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي كخيفتكم الأحرار، كخيفتكم نظراءكم أن يقاسموكم ويشاركوكم، هؤلاء الذين أشبهوكم الحرية، - والله تعالى أعلم -، فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ يعني في الأموال، فأنتم فيه سواء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ثم بين أن هؤلاء إنما فعلوا ذلك اتباعاً للهوى.