في قوله - تبارك وتعالى -: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً الناس: ابن كثير - رحمه الله - يقول: هذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله، يعني هذه طبيعة الإنسان إلا من ترقّت نفسه وتهذبت بطاعة الله وعبادته والإيمان به وتوحيده، وكلما ترقت النفس بهذا كلما تخلت من مثل هذه الأوصاف كما قال الله تعالى: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [سورة العصر:2] هذا من حيث هو إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر:3]، فالنفس هكذا حالها من الضعف والعجز، وما ذكر من هذه الأوصاف المذمومة إذا حصلت له النعمة إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى [سورة العلق:6]، هذه طبيعة الإنسان من حيث هو أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [سورة العلق:7]، وإذا حصل له الضر فيظن أن هذا هو نهاية المطاف، يقنط وييئس وتظلم الدنيا في عينيه، فإذا كشف عنه هذا الضر نسي وغفل عن نعمة الله عليه بل لربما نسي الضر الذي نزل به ولربما أضاف رفعه إلى غير الله وقوله هنا: إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ [سورة هود:11] قالوا: أي صبروا بالضراء وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بالرخاء، فهنا تفسير ذلك "إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات" هنا في هذا الموضع في الاستشهاد أي صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء هل يختص هذا بما ذكر؟ يعني هذا بعض المعنى وإلا فإن الصبر أوسع من ذلك، فالصبر يكون على ذلك، والصبر يكون على طاعة الله في الرخاء، والأعمال الصالحة تكون أيضاً في الضراء، فالصبر والعمل الصالح كلاهما في السراء والضراء، فالصبر يكون على طاعة الله ، والصبر يكون على المصائب والمكاره وعلى أقدار الله المؤلمة، والصبر على المعاصي كل هذا، إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ، والصبر حبس للنفس عن المعصية أو عن التسخط على أقدار الله ، وذكر العمل الصالح وهو يحتاج إلى صبر في فعله، وصبر في تصحيح القصد فيه، وصبر على إقامته على ما شرع الله ، وصبر على الاستمرار فيه، وصبر على مجانبة ما يُبطله بَعده مِن مَنّ وأذى، لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، أو الرياء، وقد يعمل الإنسان العمل ولا يزال به شيطان، والنفس الأمارة بالسوء فيذكر ذلك للناس وتتزين به فيكون ذلك مبطلاً لهذا العمل الذي يحتاج أيضاً إلى صبر، - والله المستعان -، لكن يدخل في هذا دخولاً أولياً الصبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن الله يذكر كما في الآية التي نحن بصدد الكلام عليها وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ فمن صبر لا يحصل له القنوط ولا يحصل له الفرح الذي يورث الأشَر والبَطر، ولهذا قال الله : وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [سورة الحديد:23] أيّ فرح؟ المقصود الفرح المذموم.