الإثنين 29 / ذو الحجة / 1447 - 15 / يونيو 2026
فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ۝ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ۝ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [سورة الروم:1-7].

نزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم، واضطر هرقل مَلك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل، كما سيأتي.

روى الإمام أحمد عن ابن عباس - ا -، في قوله تعالى: الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الأرْضِ قال: غُلبت وغَلَبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذُكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أما إنهم سيَغلبون فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ فقال: ألا جعلتها إلى دُون، أراه قال: العشر، "قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعدُ، قال: فذلك قوله: الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ[1].

هكذا رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن غريب.

وروى أبو عيسى الترمذي عن نيَار بن مُكرَم الأسلمي قال: لما نزلت، الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم؛ لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وكانت قريش تحب ظهور فارس؛ لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، قال ناس من قريش لأبي بكر: فذاك بيننا وبينك، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى - وذلك قبل تحريم الرهان - فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضَعُوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل - البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين - فَسمِّ بيننا وبينك وَسَطًا ننتهي إليه، قال: فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت ست السنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال: لأن الله قال: فِي بِضْعِ سِنِينَ، قال: فأسلم عند ذلك ناس كثير[2].

هكذا ساقه الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

 فقول ابن كثير - رحمه الله -: نزلت هذه الآية حينما غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الرم، المقصود بالجزيرة هنا أي الواقعة بين العراق والشام، وليس المقصود بذلك جزيرة العرب، وقوله - تبارك وتعالى -: غُلِبَتِ الرُّومُ هذه قراءة الجمهور ببناء الفعل للمجهول وذلك حينما كان النبي ﷺ بمكة وحصلت قصة الرهان المعروفة بعد ذلك، القراءة الأخرى قراءة أهل الشام الم ۝ غَلبَتِ الرُّومُ فهذه نزلت حينما انتصر الروم على الفرس، ويقولون: إن ذلك كان في يوم بدر كما سيأتي عند قوله - تبارك وتعالى -: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ حيث إن هذا النصر الذي يفرحون به يحتمل أن يكون الانتصار على المشركين أنه يشير إليه أو أن ذلك يكون بانتصار الروم على الفرس؛ لأن الروم ينتسبون إلى كتاب فلهم نوع اتصال ووشيجة بدين الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وإن كانوا على باطل وشرك، ولكن مهما يكن فهؤلاء أقرب إلى المسلمين من الوثنيين الخلّص، وعلى هذا تكون الآية نازلة مرتين مرة في مكة غُلِبَتِ الرُّومُ، ومرة في المدينة، ومعلوم أن القراءتين إذا كان لكل قراءة معنى فهما بمنزلة الآيتين فهذه تخبر عما حصل للروم من الغلبة والهزيمة، والأخرى تخبر عن تغلبهم وانتصارهم ولا إشكال في هذا، والانتصار الذي حصل للروم على الفرس لم يكن انتصاراً في أرض المعركة بالمعنى المعروف أنهم تقابلوا مع الروم وجهاً لوجه في ميدان المعركة، وانتصروا عليهم، وإنما كان ذلك بحيلة احتالوا بها، احتال بها هرقل على الفرس وعلى ملكهم سابور، ومعلوم أن الفرس كانوا أشد بأساً في القتال وأكثر ضراوة فيه، ولهذا فإن الفتوح التي كانت في بلاد فارس والروم حيث كانت بداية ذلك في عهد أبي بكر ثم إن عمر هو الذي نقض عروشهم فالفرس على شدتهم وقوتهم في القتال كانت العرب تعلم ذلك، ولهذا كان ينادى في الناس كثيراً حيث يندبون للخروج إلى الجهاد في العراق وبلاد الشام بعد حروب الردة فكان الناس يذهبون إلى الشام وذلك لسببين:

الأول: هو ما جاء في فضائل الشام.

والثاني: هو ما استقر في قلوب العرب من شدة الفرس وشراستهم في القتال مع أن ما ذكره النبي ﷺ عن فارس نطحة أو نطحتان، ثم بعد ذلك ينتهي الأمر، وهذا الذي حصل، أما الروم فقال عنها النبي ﷺ ذات القرون كلما ذهب قرن طلع وجاء قرن آخر، وهكذا كما هو مشاهد، فالشاهد أنهم ما انتصروا عليهم في أرض المعركة، لكنهم انتصروا بحيلة، مع أن المسلمين بعد ذلك بمدة ليست بالطويلة اجتمع عليهم في بعض المعارك في الفتوحات لبلاد الشام والعراق لما كانت متزامنة اجتمع في بعض المعارك الفرس والروم لربما لأول مرة يجتمعون في التاريخ اجتمعوا لقتال المسلمين وانهزموا.

ولنتكلم على كلمات هذه الآيات الكريمة، فقوله تعالى: الم ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة البقرة، وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم أبناء عم بني إسرائيل، ويقال لهم: بنو الأصفر، وكانوا على دين اليونان، واليونان من سلالة يافث بن نوح، أبناء عم الترك، وكانوا يعبدون الكواكب السيارة السبعة، ويقال لها: المتحيرة، ويصلون إلى القطب الشمالي، وهم الذين أسسوا دمشق، وبنوا معبدها، وفيه محاريب إلى جهة الشمال، فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة.

يعني كان الروم على دينهم وهو الوثنية حتى مبعث المسيح بثلاثمائة سنة يعني بعده، لما دخل قسطنطين في النصرانية أو أدخل النصرانية في وثنيته وجنى عليها الجناية المعروفة في التاريخ وأفسدها إفساداً عظيماً.

وكان مَن مَلكَ الشام مع الجزيرة منهم يقال له: قيصر، فكان أول من دخل في دين النصارى من الملوك قسطنطين بن قسطس، وأمه مريم الهيلانية الشدقانية من أرض حران.

يعني هي تسمّت مريم و لم يكن ذلك اسماً لها.

كانت قد تنصرت قبله، فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفا، فتابعها - يقال: تَقِيَّة.

يقال:إنه تابعها تقيّة منذ دخل في النصرانية، يعني المقصود من غير إيمان حقيقي، وليس المقصود بالتقية أنه كان يخاف أو نحو ذلك، وإنما كانت تدعوه حيناً بعد حين، فحصل له موقف وكان ذلك سبباً لتنصره، وقد كان يؤذي النصارى ويضطهدهم، وقد فر بعض رجال دينهم كما يقال، فروا منه، يفرون ويختفون، فرأى رؤيا، وكان قد مرض وأُخبر في هذه الرؤيا أنه يبرأ على يدي فلان أو نحو ذلك، فطلبه وكان قد استخفى منه وجاء هذا الرجل وعالجه كما يزعمون وأرشده إلى بعض الأمور فَسُر به، وكان ذلك سبباً لدخوله في النصرانية، ولم يكن خائفاً فيها، عكس ذلك كان يتخوف من قومه بأنه كان في روما قبل بناء القسطنطينية، وكانوا على الوثنية، وكان يتخوف من هؤلاء ويتخوف من الفرس فبنى القسطنطينية ثم انتقل إليها، فلما علم قومه في روما أنه قد دخل في النصرانية غضبوا وملّكوا رجلاً آخر، ثم بعد ذلك سار إليهم، وقبل أن يصل إلى روما رجعوا إلى طاعته فدخلها، جاءت أمه بعد ذلك إلى الشام وهي التي بنت فيها الكنائس وفي أرض مصر، واستخرجت الكنوز كنوز الملوك، وأنفقت خزائن الملوك في بناء الكنائس والمعابد وتشييد النصرانية في بلاد الشام ومصر وبلاد الروم حتى قيل: إنه لا يوجد كنيسة في الشام ومصر وبلاد الروم إلا كان ذلك من بنائها هي، حتى قيل: إنها بنت مع ولدها اثنتي عشرة كنيسة.

 
واجتمعت به النصارى، وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس، واختلفوا اختلافا كثيرًا منتشرا متشتتا لا ينضبط، إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا، فوضعوا لقسطنطين العقيدة، وهي التي يسمونها الأمانة الكبيرة، وإنما هي الخيانة الحقيرة، ووضعوا له القوانين - يعنون كتب الأحكام من تحليل وتحريم وغير ذلك مما يحتاجون إليه -، وغَيَّروا دين المسيح ، وزادوا فيه ونقصوا منه.

هذا الاجتماع الذي حصل هو الاجتماع المعروف باجتماع نيقيا، وهو الذي أقرت به عقيدة التثليث، وأقرت به الأناجيل الأربعة من بين أناجيل كثيرة جداً ومختلفة، يقول: فوضعوا لقسطنطين العقيدة التي يسمونها الأمانة الكبرى، وإنما هي الخيانة الحقيرة ووضعوا له القوانيين، يعني من كتب الأحكام فهذا في كتاب سموه القانون، وذلك أن هؤلاء لشدة بغضهم لليهود هم متعبدون أصلاً في دينهم بالتوراة؛ لأن عيسى ﷺ لم يكن ناسخاً للتوراة، فهو متعبد فيها، فهؤلاء لشدة كراهيتهم لليهود والعداوة التي بينهم تركوا العمل بالتوراة، فبقوا بلا قانون فاخترعوا هذا القانون؛ من أجل أن يتحاكموا إليه وتنضبط حياتهم بمرجع يصدرون عنه، ويرجعون إليه إذا اختلفوا ويحتكمون إليه.

فصلوا إلى المشرق واعتاضوا عن السبت بالأحد، وعبدوا الصليب وأحلوا الخنزير.

واتخذوا أعيادًا أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس، وغير ذلك من البواعيث والشعانين، وجعلوا له الباب وهو كبيرهم. [يعني البابا كبير النصارى] وكان اليهود يصلون إلى الصخرة، والسبب في ذلك يزعمون أنهم كانوا يصلون إلى التابوت يحملونه معهم في مغازيهم وإذا رجعوا إلى البلد وضعوه على الصخرة فيصلون إليها، فلما ظهر النصارى وتمكنوا اضطهدوا اليهود يعني من عهد قسطنطين فما بعده فصار هذا المكان الذي يتجه إليه اليهود صار موضعاً  - أعزكم الله - للزبائل والقاذورات حتى جاء الفتح الإسلامي فأميط ما هنالك، ولكن ذلك لا يعني أن يقدس المسلمون الصخرة إطلاقاً، ولا يعني هذا أن تبرز القبة التي عليها وُضعت، وحقها أن تزال فلا معنى لها أصلاً، فهي معظمة عند اليهود - هذه الصخرة - وليس لها عند المسلمين معنى، لكن عبد الملك بن مروان لما قيل له: إن ابن الزبير في مكة والناس يأتون إلى الحج والعمرة فيلقونه وأنت في الشام عمد إلى هذه الصخرة وبنى عليها هذا البناء، وضع عليها هذه القبة وزوقها وزينها غاية التزيين، يريد أن يأتي الناس إلى بلاد الشام يكون هناك شيء يأتون إليه ولو أنه أصلح المسجد الأقصى لكان أولى، وأفعل التفضيل ليس على بابه هنا، وأحد الأشياء التي لا أفهمها إلى اليوم هو ما يحصل من عرض قبة الصخرة إذا جاء الحديث عن المسجد الأقصى مع أني كنت أتوهم أن اليهود قصدوا هذا من أجل أن الناس لا يعرفون عن المسجد، فإذا هدم فإن الناس ينظرون إلى قبة الصخرة أهم شيء أنها لم تمس، لكن حينما يأتي الدعاة وحين يتحدثون عن الأقصى أو يقيمون المؤتمرات ويضعون القبة خلفية لملتقياتهم ومؤتمراتهم، الشيء الذي لم أستطع فهمه إلى الآن! حتى صارت صورة المسجد الأقصى الحقيقية كثير من المسلمون لا يعرفها ولا يعرف من المسجد الأقصى إلا قبة الصخرة، فكان اليهود يصلون إليها؛ لأنهم يزعمون أنهم كانوا يضعون التابوت، والنصارى لشدة كراهيتهم لهم خالفوهم في القبلة فصاروا يستقبلون المشرق، وخالفوهم في عيدهم الذي هو يوم السبت وهؤلاء النصارى في الأصل هم بنو إسرائيل حتى دخل الرومان كما قال الله : فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ [سورة الصف:14]، لما جاءهم عيسى ودعاهم وأخبرهم بما أخبرهم به، وأنه مبشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد فانقسموا هذا الانقسام، فصار بينهم من العداوة ما هو معلوم، فخالفوهم بعيدهم وصار يوم الأحد، وخالفوهم بالقبلة واخترعوا لهم هذه العقيدة سموها الأمانة الكبرى اخترعوا لهم شريعة أو قانوناً يتحاكمون إليه، ثم كثرت عندهم هذه الأعياد.

ثم البتاركة، ثم المطارنة، ثم الأساقفة والقساقسة، ثم الشمامسة، وابتدعوا الرهبانية، وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد، وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية، يقال: إنه بَنى في أيامه اثنتي عشرة ألف كنيسة، وبنى بيت لحم بثلاثة محاريب، وبنت أمه القمامة، وهؤلاء هم الملكية، يعنون الذين هم على دين الملك.

ثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الإسكاف.

هؤلاء الملكانيون يعني على دين الملك على دين قسطنطين، والفرق الأخرى إلى هي اليعقوبية والنسطورية، ثم ظهرت بعد ذلك البروتستنتية فهي متأخرة كان ذلك على يد "مارتن لوثر" كما هو معلوم، وتخلصوا من كثير من الطقوس والخزعبلات عند النصارى ورفضوها، هم فرقة متأخرة تعتبر جديدة، ولذلك العلماء في الملل والنحل الذين كتبوا قديماً لا يذكرونها، وإنما يذكرون هذه الطوائف الثلاث.

ثم النسطورية أصحاب نسطورا، وهم فرق وطوائف كثيرة، كما قال رسول الله ﷺ: إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة[3].

والغرض أنهم استمروا على النصرانية، كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده، حتى كان آخرهم هرقل.

هذه الأشياء التي ذكرها الحافظ ابن كثير يُعرّف بها تعريفاً موجزاً فيما يتعلق بالشعانين، والشعانيين عيد، ويقال له: عيد الزيتونة، ويقول بعضهم: عيد التسبيح، ويزعمون - كما هي العادة في فِراهم ومختلقاتهم وما عندهم من الأكاذيب والخرافات - أنه قيل له: عيد التسبيح؛ لأن عيسى لما دخل إلى بيت المقدس وكان الناس حوله يسبحون فقيل له: عيد التسبيح، هكذا زعموا، وهذا يوافق أول أحد في صومهم، أول أحد في صومهم يُخرجون ورق الزيتون والذين ليس عندهم زيتون يَخرجون بسعف النخيل، المهم يخرجون معهم بشيء في أيديهم من الشجر والأغصان، فيخرجون بأغصان الزيتون ونحو ذلك ويزعمون أن ذلك مشابهة لما جرى للمسيح ، فهم يزعمون أن عيسى ﷺ لما دخل بيت المقدس في حال من التواضع، ويقولون: إنه كان يركب أتاناً ومعها جحش، وأن اليهود لما رأوه دخل وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أغروا به السفهاء فثار عليه غوغاء الناس،  وكانوا قد وكلوا به بعض الغوغاء الذين يقال لهم: البلطجية معهم عصيّ يضربونه بها، يقولون: فهذه العصيّ أورقت فآمن هؤلاءِ فسجدوا للمسيح هكذا يزعمون، فيقولون: عيد الشعانين إحياء لهذه المناسبة، وعندهم مناسبات كثيرة لا تنتهي، لكن هذا نموذج من المناسبات والأعياد التي تأتي للمسلمين باسم – أحياناً - جميل؛ لأنه اسم يأتي إنجليزيا فتجد أن المحتسبين يتعبون في مدافعتها، وإقناع الناس ببطلانها، فهذا أول أحد وهو سابع يوم في صومهم، البداية تكون بعد يوم الأحد، هو عيدهم، فسابع يوم وأول أحد في عيدهم هو موضع ذلك، سابع يوم في صومهم موعد ذلك عيد يقول: يوافق اليوم الثاني والأربعين من الخمسين التي يصومونها هكذا قال بعضهم، وبعضهم يقول: إنه يوافق ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "اقتضاء الصراط المستقيم"، ونحن نتحدث عن خرافة لكن هذا الذي يذكرونه فيه: أنه أول أحد، أو اليوم الثاني والأربعون يعني الأسبوع السابع، وبعضهم يقول: إنه عيد لهم يقيمونه يوم الأحد السابق لعيد الفصح، ويحتفلون به لحمل السعف ويزعمون أن ذلك ذكرى لدخول المسيح بيت المقدس، بعد هذا العيد بأربعة أيام يأتي عيد الفصح الذي خرج فيه موسى وقومه من مصر، فهذا العيد يحتفل فيه اليهود بهذه المناسبة، ويحتفل به النصارى لمعنى آخر عندهم، وبعده بثلاثة أيام عيد القيامة، يزعمون أنه اليوم الذي خرج فيه عيسى ﷺ من القبر؛ لأنهم يقولون: إن عيسى ﷺ لما صلب ودفنه اليهود قام من قبره بعد ثلاثة أيام، فقتْلُه عندهم - بزعمهم أنه قتل وصلب - يوافق عيد الفصح، وبعد ثلاثة أيام خرج من القبر فسموه عيد القيامة قام من قبره حياً بعد قتله بزعمهم، وبعده بثمانية أيام عندهم عيد اسمه عيد السعيد، ويقولون: هذا اليوم الذي بعدما ظهر من القبر اليوم الذي قابل فيه أصحابه زارهم وأوصاهم هكذا يزعمون، وبعد ثمانية وثلاثين يوماً عندهم عيد يسمونه عيد السِلاق يزعمون أن هذا هو اليوم الذي صعد فيه إلى السماء، وعندهم عيد الصليب اخترعته أم قسطنطين يوافق اليوم الذي وجدوا فيه الصليب الذي يزعمون أنه صُلب عليه عيسى ، فيزعمون أن أم قسطنطين لما جاءت إلى الشام بدأت تتحرى وتسأل على الموضع الذي صلب فيه المسيح ، وعن الخشبة التي صلب عليها بعد نحو ثلاثمائة سنة، فكانت تسأل اليهود وتمتحنهم في ذلك وهم يقولون: لا نعلم، يزعمون أنها تتحرى وتسأل وتعذب اليهود حتى توصلت إلى ثلاثة فحبستهم في بئر وبقوا فيها أياماً لا يأكلون ولا يشربون فبلغ ذلك بهم إلى حال أشرفوا فيها على الهلكة فذكر أحدهم أن أباه سمع من أبيه أن المسيح صلب في المكان الفلاني وأن الخشبة التي صلب عليها هناك، فهؤلاء صاحوا بالناس خارج البئر فقالوا لهم: أخرجونا، فهذا الرجل يزعم أنه سمع من أبيه، وأن أباه سمع من جده، والشاهد أنهم أخرجوهم فأرشدهم إلى هذا المكان، مكان - أعزكم الله ومن يسمع - كله مزابل قمامة فأمرت أم قسطنطين بإزاحتها ثم بعد ذلك يزعمون أنها استخرجت الصليب يعني من حفرة هناك، ويزعمون أن عيسى دفن فيها ثم بعد ثلاثة أيام خرج فأخرجت الصليب، وأماطت عنه الأذى، وحلته بالذهب والفضة، وأقامت في هذا المكان الذي هو مزبلة قمامة أقامت فيه كنيسة القمامة، واتخذوا ذلك يوم عيد سموه عيد الصليب، هذا بالنسبة لعيد الصليب، وأما عيد الغِطاس بكسر الغين، ويقال له: أيضاً عيد الحميم، ويقال: الدنح فيوافق يوم ١٩ يناير، ويزعمون أن يحيى بن زكريا المعروف عندهم بيوحنا المعمدان يقولون: إنه عمد المسيح نهر الأردن، فالنصارى يعمدون الأولاد الصغار عندهم يأخذونهم ويغمسونهم فيما يزعمون أنه مقدس، هذه عقيدة عند النصارى، فالشاهد يقولون: إن يحيى عمد المسيح في نهر الأردن وإنه عندما غسله عمده يعني اتصلت به روح القدس فصار النصارى بعد ذلك يغمسون أولادهم بالماء في هذا اليوم، وينزلون فيه بأجمعهم، ويقولون: إن أصل كلمة الغِطاس ليست عربية وإن أصلها أغريغية وهي تعني الظهور، يعني ليس الغطس بالماء وإنما الظهور، وهي عندهم كلمة دينية تعني ظهور شيء غير مرئي، يعني ما اتصلت بعيسى ﷺ روح القدس فهذا عيد الغطاس، وانظروا هذه الأباطيل والخرافات كيف تنطلي ثم يقدم ذلك للعالم على أنها ديانة عالمية، وتبذل الجهود الضخمة في نشرها في مشارق الأرض ومغاربها، هيلانة الحرّانية هذه التي سمت نفسها بمريم أم قسطنطين هي التي اخترعت العيد السابق عيد الصليب، وكان ذلك بعد مجيء قسطنطين بسبع سنين حينما جاءت إلى الشام وحصل ما حصل، ويقولون: إن هذا يوافق ١٤ أيلول بعد ولادة المسيح بثلاثمائة سنة، وهذا قول بعض المتقدمين، لكن بعض المعاصرين يقول: إن عيد الصليب هذا هو ما يسمى اليوم بعيد الكريسماس، عيد الصليب يعني غير عيد الميلاد في رأس السنة، وعيد الكريسماس هو عيد الصليب في ١٤ أيلول، وأما الباعوث فهو أيضاً عيد للنصارى، يقال بأن أصله من الانبعاث، فهم منبعثون إليه من كل ناحية ويجتمعون كما يجتمع المسلمون يوم الأضحى والفطر، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يذكر أنهم يسمون هذا العيد يعني يسمونه الشعانين، يقول: "وكل مخرج يخرجونه إلى الصحراء يقولون له: باعوث"، فالباعوث عندهم اسم جنس بما يظهر به الدين كعيد الفطر والنحر باعوث من الانبعاث كأنه يخرج، ولهذا بعضهم - بعض المتقدمين - يفسر الباعوث بأنه خروج إلى الصحراء للاستسقاء، لكن شيخ الإسلام يوسع المعنى فيقول: هو العيد الذي يظهرونه ويخرجون إليه منبعثين يأتون إليه من كل ناحية يتجمعون كالفطر والأضحى هو يمثل الفطر والأضحى عند المسلمين، فحينما يخرجون إلى الاستسقاء أو غير ذلك يسمونه عيد الباعوث، ولهذا في الفائق للزمخشري يفسره باستسقائهم، يقولون: يخرجون بصلبانهم إلى الصحراء فيستسقون فهو كالاستسقاء للمسلمين وهكذا ذكر هذا جماعة مثل صاحب النهاية في الأثر، وصاحب اللسان، وتاج العروس، وبعضهم يقول: إن أصله الباغوت وليس الباعوث، يقولون: أصله سرياني، والمشهور أنه الباعوث، وبعضهم عد ذلك من الغلط المشهور فذكره في جملة الأخطاء كما في غلط الفقهاء لابن بري، فهذا بالنسبة لهذه الأعياد، وأما ما ذكر من المراتب الدينية عندهم مثل البطريك، المطران، الأسقف، القسيس، الشماس فهذه كلها مراتب لما يسمى برجال الدين عندهم، وأعلاها البابا ثم يتفاوتون، وهذا ليس محل اتفاق عند النصارى فهم على اختلاف كبير كما هو معلوم، فالبروتستنت ليس عندهم هذا التدرج بهذه الطريقة، حينما تجد هذا في بعض الكنائس الشرقية فهو يختلف من طائفة لأخرى، ومن شاء أن ينظر إلى معاني هذه جميعاً يمكن أن يراجع من المصادر اليسيرة التي يستطيع أن يصل إلى ذلك بسهولة "الموسوعة الميسرة للأديان والمذاهب والفرق" في المجلد الثاني، وهكذا بالنسبة للمذاهب المشار إليها النسطورية هي موجودة في "الملل والنحل" للشهرستاني، وهكذا اليعقوبية، وبعضهم يقول: إن اليعقوبية هم الأرثوذوكس، وإن الملكانية هم الكاثوليك لكن البروتستنتية وُجدت بعد ذلك.

وكان من عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك وأدهاهم، وأبعدهم غورا وأقصاهم رأيا، فتمَلَّكَ عليهم في رياسَة عظيمة وأبهة كبيرة، فناوأه كسرى ملك الفرس، ومَلكَ البلاد كالعراق وخراسان والرّي، وجميع بلاد العجم، وهو سابور ذو الأكتاف، وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر، وله رياسة العجم وحماقة الفرس، وكانوا مجوساً يعبدون النار.

قوله: ذو الأكتاف يقال لمن حصلت له غضبة فجاء إلى هذا الساحل الذي هو غرب الخليج العربي، فجاء فكان ينتقم بخلع أكتاف الرجال وهم أحياء، فصار على طول هذا الساحل يفعل بهم ذلك ولا يقف في وجهه أحد، كانت قبائل ضعيفة حتى وصل إلى قريب من الأحساء، وأن امرأة قالت له كلاماً استحى بعد ذلك منه، يعني كلمته وقالت له: إن كنت تريد أن تنتقم وتحصل ثأراً فقد حصلته أو كلاماً نحو هذا، الشاهد أنه بعد ذلك ذهب فلقب بذي الأكتاف، - والله المستعان -، وهذه من حماقات الفرس وله حماقات معروفة في التاريخ، ومن قرأ في الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس رأى من ذلك أشياء، وما يدلك على حماقاتهم ما سيذكره مما جرى لهم من ملك الروم.

فتقدم عن عكرمة أنه بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده فقهره وكَسَره وقصره، حتى لم يبق معه سوى مدينة قسطنطينية، فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه، وكانت النصارى تعظمه تعظيما زائدا، ولم يقدر كسرى على فتح البلد، ولا أمكنه ذلك لحصانتها؛ لأن نصفها من ناحية البر ونصفها الآخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم الميرة والمَدَد من هنالك، فلما طال الأمر دبر قيصر مكيدة، ورأى في نفسه خديعة، فطلب من كسرى أن يقلع عن بلاده على مال يصالحه عليه، ويشترط عليه ما شاء، فأجابه إلى ذلك، وطلب منه أموالا عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا، من ذهب وجواهر وأقمشة وجوار وخدام وأصناف كثيرة، فطاوعه قيصر، وأوهمه أن عنده جميع ما طلب، واستقلّ عقلَه لما طلب منه ما طلب، ولو اجتمع هو وإياه لعجزت قدرتهما عن جمع عُشْره، وسأل كسرى أن يُمكّنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مملكته، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله ودفائنه، فأطلق سراحه، فلما عزم قيصر على الخروج من مدينة قسطنطينية جمع أهل ملته وقال: إني خارج في أمر قد أبرمته، في جند قد عينته من جيشي، فإن رجعت إليكم قبل الحول فأنا ملككم، وإن لم أرجع إليكم قبلها فأنتم بالخيار، إن شئتم استمررتم على بيعتي، وإن شئتم وليتم عليكم غيري، فأجابوه بأنك ملكنا ما دمت حيا، ولو غبت عشرة أعوام، فلما خرج من القسطنطينية خرج جريدة في جيش متوسط، هذا وكسرى مُخَيّم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فركب قيصر من فوره وسار مسرعا حتى انتهى إلى بلاد فارس، فعاث في بلادهم قتلا لرجالها ومن بها من المقاتلة، أولا فأولا ولم يزل يقتل حتى انتهى إلى المدائن، وهي كرسي مملكة كسرى، فقتل من بها، وأخذ جميع حواصله وأمواله.

يعني هي العاصمة، هذا مُرابط على القسطنطينية، وهذا يعيث في أرضه فساداً ويأخذ أولاده وبناته ويسوقهم وينهب خزائنه و يبطش ويفتك، وهذا مرابط عند القسطنطينية ينتظر متى يأتي بحواصله ودفائنه.

وأسر نساءه وحريمه، وحلق رأس ولده، وأرَكبه على حماره.

وبعث معه من الأساورة من قومه في غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخُذه، فلما بلغ ذلك كسرى أخذه من الغم ما لا يحصيه إلا الله ، واشتد حنقه على البلد، فاشتد في حصارها بكل ممكن فلم يقدر على ذلك، فلما عجز ركب ليأخذ عليه الطريق من مخاضة جيحون التي لا سبيل لقيصر إلى القسطنطينية إلا منها، فلما علم قيصر بذلك احتال بحيلة عظيمة لم يسبق إليها، وهو أنه أرصد جنده وحواصله التي معه عند فم المخاضة.

يعني يتجه باتجاه معين يجري في هذا النهر، هو يريد أن يرصد المدخل إلى القسطنطينية الطريق الذي سيمر به قيصر، فلذلك أرسل ملك الروم مجموعة عند فم المخاضة - جبهة بعيدة - وصاروا يُلقُون، كان جاء معه بأشياء للدواب من - أكرمكم الله - التبن ونحو ذلك، فصار مَن هناك يلقون التبن - أعزكم الله - والبعر ونحو ذلك في فم المخاضة، هو لما رآه ظن أنهم يعبرون من تلك الجهة وأن هذه آثار الدواب فانطلق إلى تلك الناحية فمر هرقل من المكان الذي كان يتوقع أن يمر به ابتداءً فخدعه بهذه الطريقة فدخل في القسطنطينية وأغلق الأبواب، وذلك بقي يتحسر أيرجع إلى بلده التي فُعل بها كل ما سمعتم أو يبقى مرابطاً وهرقل قد دخل في القسطنطينية وتحصن بها ولا سبيل له إليها.

وركب في بعض الجيش، وأمر بأحمال من التبن والبعر والروث فحملت معه، وسار إلى قريب من يوم في الماء مُصعدا، ثم أمر بإلقاء تلك الأحمال في النهر، فلما مرت بكسرى ظن هو وجنده أنهم قد خاضوا من هنالك، فركبوا في طلبهم فشغرت المخاضة عن الفرس، وقدم قيصر فأمرهم بالنهوض في الخوض، فخاضوا وأسرعوا السير ففاتوا كسرى وجنوده، ودخلوا القسطنطينية، وكان ذلك يوما مشهودًا عند النصارى، وبقي كسرى وجيوشه حائرين لا يدرون ماذا يصنعون،لم يحصلوا على بلاد قيصر، وبلادُهم قد خَرّبتها الروم وأخذوا حواصلهم، وسبوا ذراريهم ونساءهم، فكان هذا من غَلب الروم فارسَ، وكان ذلك بعد تسع سنين من غلب الفرس للروم.

وكانت الواقعة الكائنة بين فارس والروم حين غُلبت الروم بين أذرعات وبُصرى، على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز.

وقال مجاهد: كان ذلك في الجزيرة، وهي أقرب بلاد الروم من فارس، فالله أعلم.

هو يريد أن يتحدث عن أطراف الشام فقال: وكانت الواقعة بين أذرعات وبصرى، فأطراف الشام أذرعات وبصرى، فبصرى هي التي يقولون لها: حوران وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز، ومجاهد يقول: كان ذلك في الجزيرة، وقوله - تبارك وتعالى -: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ كثير من المفسرين يقولون: أَدْنَى الْأَرْضِ يعني إلى بلاد العرب، وقالوا: إن ذلك إذا أطلق في مخاطبته - مخاطبة العرب - فالمقصود أرض العرب، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ يعني أقرب بلاد الشام إلى بلاد العرب، وبعضهم يقول: العكس أَدْنَى الْأَرْضِ أدنى أرض العرب إلى بلاد الشام، ويقولون: هذا هو المعهود حينما يخاطبون بمثل هذا، بعضهم كما يقول: هي الجزيرة أو أذرعات، وبعضهم يقول: الأردن، وبعضهم يقول: فلسطين، وبعضهم يقول غير ذلك، وبعضهم يقول: الألف واللام في قوله: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ عوض عن المضاف إليه ويكون المعنى على هذا: في أدنى أرضهم، غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ فيعود الضمير إلى أرضهم فيعود الضمير إلى الروم، وبعضهم يفصل كابن عطية في كتابه المعروف "المحرر الوجيز" يقول: إن كانت الواقعة – المعركة - في أذرعات فهي في أدنى الأرض قياساً إلى مكة هي أقرب إلى جزيرة العرب، فهي أدنى بالقياس على كسرى، يعني لما تخرج من العراق تأتيك الجزيرة فهي بين الشام والعراق، وكسرى في طريقه إلى الشام يمر بالجزيرة، وإن كانت في الأردن فهي أدنى إلى أرض الروم، و ابن جرير - رحمه الله - يقول: هي أدنى أرض الشام إلى أرض فارس، أدنى أرض الشام إلى أرض فارس هذا هو المتوقع الطبعي؛ لأنه سيأتي من فارس إلى بلاد الروم فأدنى ذلك سيكون في الجزيرة فهذا هو الغالب، لكن الجزم بمثل هذا يصعب ولا تترتب على تحديده فائدة، وإنما المقصود فقط معرفة المعنى فِي أَدْنَى الْأَرْضِ والذين قالوا في أدنى الأرض بالنسبة لأرض العرب اعتمدوا على ما سبق من أن المخاطبين العرب حينما يقال لهم: أَدْنَى الْأَرْضِ يعني إلى بلادهم مع أنه لا يبعد أن يكون المراد أَدْنَى الْأَرْضِ يعني أدنى أرض الروم إلى بلاد فارس، أما تفسير أدنى الأرض بأنه يعنى أكثر الأماكن هبوطاً ونزولاً، ويقولون: إن هذا كان في الأردن أو غور الأردن أو نحو ذلك، وإن هذه المنطقة تعتبر أكثر منطقة في العالم منخفضة وما أشبه ذلك، فهذا كما يقوله بعض من يتكلم بالإعجاز العلمي، وهذا فيه بُعد، والدنو بمعنى القرب، وليس المقصود بأدنى الأرض أنه من حيث السفل، - والله أعلم -.

 هنا قال: وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ هنا لم يتكلم على هذا، ما تطرق لها؟ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ من بعد غلبهم، الآن هذا بعد غلبهم على قراءة أهل الشام يكون مضافاً إلى الفاعل الم ۝ غَلبَتِ الرُّومُ ومضافاً إلى المفعول على قراءة الجمهور.

وقوله: لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [سورة الروم:4]، أي: من قبل ذلك ومن بعده، فبني على الضم لما قُطع المضاف، وهو قوله: قَبْلُ عن الإضافة، ونُويت.

نويت بمعنى الإضافة من قبلُ وبعدُ، ويقول: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ بنصر الله أي بالروم أصحاب قيصر، يفرحون بانتصارهم، وبعضهم يقول: يفرحون بنصر الله من جهة تحقق الوعد وظهور النبوة، يعني النبي ﷺ أخبرهم عن هذا وصار هناك تحدٍّ والمشركون فرحوا بانتصار الفرس وافتخروا به وتيمنوا بذلك أنهم سينتصرون على المسلمين، فجاءت العاقبة بعد ذلك بانتصار الروم ففرح المسلمون بتحقق هذا الوعد، وبعض أهل العلم يقول: إن هذا الفرح المشار إليه إنما كان من انتصارهم في يوم بدر وإنه يوافق اليوم الذي حصل فيه انتصار الروم على الفرس، والمسلمون فرحوا بهذا وهذا، وكأن الانتصار الذي حصل كان في مكة فكسب أبو بكر الرهان ولا يبدو - والله أعلم - أن ذلك حينما كانوا في المدينة فلم يكن هناك اتصال مع المشركين، وإنما كانت الحرب قائمة بينهم، فظاهره أن ذلك كان وهم في مكة، والله أعلم.

وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ أي: للروم أصحاب قيصر ملك الشام، على فارس أصحاب كسرى، وهم المجوس، وقد كانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كبيرة من العلماء، كابن عباس، والثوري، والسُّدِّي، وغيرهم.

ففرحوا به، وأنزل الله: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ابن جرير - رحمه الله - جمع بين المعنيين في الفرح، قال يفرحون بانتصار الروم على الفرس، ويفرحون بانتصارهم هم على المشركين، وهذا لا إشكال فيه، مع أن الظاهر أنه بتحقق الوعد وانتصار الروم، أو انتصار الفرس على الروم؛ لأنه قال: غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ۝ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ يومئذ يعني يفرحون بهذا الانتصار للروم على الفرس، وهذا لا يمنع من أن يكون في ضمن ذلك فرح آخر أعظم منه، وهو انتصار المسلمين على المشركين، فابن جرير جمع بين هذا وهذا، جمع بين الفرحين وأن هذا الوعد فيهما.

وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار، عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين وفرحوا به، وأنزل الله: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ[4].

هذه الرواية عن أبي سعيد تتأتي على قراءة الفتح غَلبَتِ الرُّومُ.وروى ابن أبي حاتم عن العلاء بن الزبير الكلابي قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة.

وقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ أي: في انتصاره وانتقامه من أعدائه، الرَّحِيمُ بعباده المؤمنين.

  1. رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة الروم، برقم (3193)، والإمام أحمد في المسند، برقم (2495)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
  2. رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة الروم، برقم (3194)، وحسنه الألباني في السلسلة الضعيفة، تحت حديث رقم (3354).
  3. رواه الترمذي، كتاب الإيمان عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في افتراق الأمة، برقم (2640)، وأحمد في المسند، برقم (8396)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (203).
  4. رواه الترمذي، كتاب القراءات عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة الروم، برقم (2935).