قوله - تبارك وتعالى - هنا في سبب تعذيبهم وإضلالهم: ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، الفرح هنا مقيد أنه بغير الحق، والفرح يأتي مذمومًا أحيانًا في كتاب الله - تبارك وتعالى - كما ذكر الله في خبر قارون لما خرج على قومه في زينته فقال له أهل الإيمان الذين عرفوا الله والدار الآخرة: لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [سورة القصص:76]، معلوم أن الفرح على أنواع منه ما هو مشروع، قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ [سورة يونس:58] فرح بانتصار الإسلام وعز الدين، وظهور الحق، وما أشبه ذلك، فهذا فرح مشروع يحبه الله، ويؤجر الإنسان عليه، ومنه الفرح بأعياد المسلمين، وإظهار ذلك فهذا من تعظيم شعائر الله، وهناك فرح مباح كفرح الإنسان حينما ينجح في الاختبار، أو يحصّل شيئًا من مطالبه المباحة ونحو هذا، فهذا لا إشكال فيه.
والنوع الثالث: وهو الفرح المحرم، وهو على نوعين:
النوع الأول: أنناانباب يفرح بشيء محرم، كالفرح بالظفر بالمعصية من المكاسب المحرمة، أو من الفواحش أو غير ذلك مما يسخطه الله -تبارك وتعالى-، فهذا فرح محرم.
النوع الثاني من هذا الفرح المحرم وهو المقصود - والله تعالى أعلم - بقوله: لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ هو الفرح الذي يحمل على الأشَر والبطَر فهذا مذموم، لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وهذا لا يزال مستعملًا معروفًا إلى اليوم، يقال: فلان فرِحٌ بنفسه، آل فلان فرِحون بأنفسهم، يعني يشعرون بشيء من الزهو، فهذا الفرح الذي يحملهم على نوع من التعالي على الناس، والكبر، ورؤية النفس وما أشبه ذلك، فهذا مذموم، فهنا قوله - تبارك وتعالى -: ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ هذا الفرح بعض المفسرين يقول: هو البطر والتكبر، وهذا بمعنى ما ذكرته آنفًا في النوع الثاني من الفرح المحرم، وهو الذي يَحمل على البطر والكبر والتعالي والتعاظم والأشر وما أشبه ذلك، ففُسر بهذا.
وهكذا قال مجاهد - رحمه الله - وجماعة.
ولا يبعد منه أيضًا قول من قال كالضحاك: إنه السرور، هو لا يقصد مطلق السرور، وإنما المقصود سرور خاص مذموم، هذا الفرح الذي يَحمل على شيء من الأوصاف التي ذكرتها آنفًا، وبعضهم فسره بالبطر والخيلاء، وهذه كلها عبارات متقاربة إلا أن ابن جرير - رحمه الله - فسر الفرح هنا - لأنه جاء مقيدًا بغير الحق - بالفرح بمعصية الله - تبارك وتعالى، تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني الباطل والمعاصي، إلا أن هذا القيد في الواقع - والله تعالى أعلم - لا ينافي ما سبق من المعنى الذي ذكره بعض السلف، فإن من يفرح كفرح قارون الفرح الذي يورثه البطر والخيلاء الواقع أنه فرحٌ في الأرض بغير الحق؛ لأن الإنسان ينبغي أن يزيده ما أعطاه الله وأولاه من النعم والإفضال إخباتًا وتواضعًا لربه وخالقه ، لا أن يتعاظم ويتعالى إذ الكبر لا يصلح للإنسان، إنما هو وصف مختص بالله ، هذا هو الفرح، فيدخل فيه الفرح الذي يحمل على الأشر والبطر والعدوان، ويدخل فيه الفرح بمعصية الله - تبارك وتعالى -، يعني الفرح المذموم.
وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ الحافظ ابن كثير - رحمه الله - يقول: على فرحكم في الدنيا بغير حق ومرحكم وأشركم وبطركم، المرح بعضهم فسره بالزيادة في البطر، يعني أن الفرح هو البطر، والمرح هو التوسع في ذلك والزيادة فيه، وبعضهم فسره بالعدوان، يعني أن الفرح صفة في النفس تورث البطر، وأن المرح هو قدر متعدٍّ وهو العدوان كما يقول الضحاك - رحمه الله -، وبعضهم فسره بالخيلاء والبطر فيكون بمعنى الفرح، وبهذا أيضًا فسره ابن جرير - رحمه الله - بأنه البطر والأشر تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ.
على كل حال الفرح - والله تعالى أعلم - هو صفة في النفس، وهو على أنواع، والمحرم منه ما كان متعلقًا بالمعصية، أو كان من قبيل الأشر والبطر، والمرح كأنه سلوك خارجي، إما أن يكون متسببًا عن هذا الفرح بالتوسع في الملاذ أو إظهار مقتضى هذا الفرح بالأقوال والأفعال، أو يكون ذلك مستقلًا عنه، يعني ألا يكون أثرًا للوصف النفساني، فهو قد يكون مظهرًا من مظاهر هذا الفرح من سلوك خارجي، وقد يكون فعلًا مستقلًا، والغالب أنه يكون متولدًا عن الأول - والله تعالى أعلم -، تقول: فلان يمرح، فلان مرح ومارح، فهذا قد يكون بأمور وبحدود لا يتوصل بها إلى الحرام، وقد يكون ذلك بأن يرتع العبد فيما حرم الله - تبارك وتعالى - عليه، ويتعدى حدوده، ويواقع مساخطه.
فهؤلاء في نفوسهم يعيشون هذا الزهو والفرح المذموم، وفي سلوكهم الخارجي هم في حال من التوسع لا يتقيدون فيها بما حده الله - تبارك وتعالى - لهم، والله أعلم.