الجمعة 22 / شوّال / 1447 - 10 / أبريل 2026
فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ۝ فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ۝ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ۝ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [سورة غافر:82-85].

يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر وماذا حل بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم وما أثروه في الأرض، وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئًا ولا رد عنهم ذرة من بأس الله؛ وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات والحجج القاطعات والبراهين الدامغات لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءت به الرسل، قال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب، وقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالاتهم، فأتاهم من بأس الله تعالى ما لا قبل لهم به، وَحَاقَ بِهِم أي: أحاط بهم، مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا أي: عاينوا وقوع العذاب بهم، قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ أي: وحدوا الله   وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة، وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [سورة يونس:90]، قال الله - تبارك وتعالى -: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [سورة يونس:91] أي: فلم يقبل الله منه؛ لأنه قد استجاب لنبيه موسى دعاءه حين قال: وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [سورة يونس:88]، وهكذا قال تعالى هاهنا: فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِه أي: هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل، ولهذا جاء في الحديث: إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر[1] أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة وعاين الملَك فلا توبة حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ.

قوله - تبارك وتعالى -: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كما سبق في مناسبات شتى يمرون على ديار هؤلاء المعذبين كما قال الله - تبارك وتعالى -: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ۝ وَبِاللَّيْلِ [سورة الصافات:137-138]، وهكذا في المواضع التي أمر الله فيها بالسير في الأرض للنظر في عاقبة المكذبين، وهذا السير الذي أمر به في القرآن إنما وجه الخطاب فيه لمن كان عنده نوع شك أو تردد، وأما أهل الإيمان الذين قد أيقنوا بالتوحيد، وبما جاء به الرسول ﷺ فإن هؤلاء ليسوا بحاجة إلى ذلك، فهم غير داخلين في هذا الخطاب الذي يأمر الله به في السير في الأرض؛ للنظر في عواقب المكذبين، ولهذا يقال: لا يشرع السفر إلى ديار المعذبين وقصْد ذلك، وإنما خوطب به من كان عنده شك أو تردد، وقوله - تبارك وتعالى -: كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ وهذا كما سبق أن من الأمم السابقة من هي أشدّ وآثارهم باقية كالأهرام، وكذلك مدائن صالح ونحو هذا مما ظهر ويظهر حيناً بعد حين مما انطمس واختفى من معالم حضارتهم مما يظهر عليه الناس حينًا بعد حين، فهذا كله يدل على أن هؤلاء كانوا في حال من التمكن والقوة، قد يزيد هذا التمكن والقوة على ما نحن فيه اليوم مما ظهر من المخترعات والمكتشفات وما إلى ذلك؛ لأن قُوى الناس وقُدَرهم اليوم تعجز عن معرفة بعض تلك الإمكانات والقُدَر التي كان عليها أولائك الناس، كيف استطاعوا فعل هذه الأشياء بهذه الطرق الدقيقة العجيبة، سواء كان ذلك في البناء أو النحت أو غير ذلك.

قال الله - تبارك وتعالى -: كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ "ما" هذه تحتمل أن تكون استفهامية يعني فما الذي أغنى عنهم ما كانوا يكسبون؟ ماذا أغنى عنهم؟ ماذا أغنت عنهم هذه القوى والقُدَر والإمكانات؟ وتحتمل أن تكون نافية فَمَا أَغْنَى لم يُغنِ عنهم ذلك من الله شيئًا.

وهكذا قوله: مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ "فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون" تحتمل "ما" الثانية أن تكون مصدرية ، يعني فما أغنى عنهم كسبهم، وتحتمل أن تكون موصولة فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، يعني الذي كانوا يكسبون، فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون، الظاهر - والله تعالى أعلم - أن هذا العلم الذي فرحوا به هو ما كان عندهم من المعلومات والمعارف الدنيوية التي صاروا بها ممكنين وبنوا تلك الحضارات وشيدوا تلك الممالك، ففرحوا بهذا، فرحوا بقُدرهم وإمكاناتهم ومعارفهم وعلومهم الدنيوية التي قال الله - تبارك وتعالى - عنها: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [سورة الروم:7]، فهذا يدل على أن معارفهم كانت هائلة، حيث حملهم ذلك على الفرح بها، وتعاظم ذلك في نفوسهم حتى إنهم كذبوا الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وازدروا علومهم، قال: وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون وقد مضى الكلام على مثل هذا قريبًا، فإن حاق كما سبق بمعنى أحاط، وقلنا: إن ذلك كما يقول بعض أهل العلم: إنما يستعمل في إحاطة المكروه خاصة، أحاط بهم يعني العذاب وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ۝ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ۝ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا هذه سنة الله ، ولم يُستثنَ من ذلك إلا قوم يونس لما رأوا العذاب فأنابوا وتابوا فنفعهم ذلك، وقُبل منهم.

  1. رواه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، برقم (4253)، وأحمد في المسند، برقم (6160)، وقال محققوه: "إسناده حسن"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1902).