الخميس 04 / ذو الحجة / 1447 - 21 / مايو 2026
فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍۭ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

وقوله:فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي: في دار كرامة الله ورضوانه وفضله، وامتنانه وجوده وإحسانه.

فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ يقال: دار الكرامة، ولا يبعد من هذا قول من قال: مجلس حق لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ[سورة الطور:23]، فإن هذه من جملة دار الكرامة المجلس الذي لا يعصى الله فيه، ولا يَسمع فيه لغواً ولا تأثيماً، لا يَسمع فيه ما يؤثمه كالغيبة التي في مجالس الناس، ولا يحصل منه إثم في هذا المجلس، ولا يتوجه إليه إثم، لا يؤثم بما يقول، وإنما في غاية الطهارة والنزاهة، فهو مجلس حق، والمقصود به الجنة، فهذه العبارات ترجع إلى معنى واحد فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ أي: الجنة مقعد الصدق هذا من أوصافه أنه دار الكرامة، وأنه مقعد حق لا تأثيم فيه، ولا لغو، كما قال الله :لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ۝ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا[سورة الواقعة:25-26] وكل ما يمكن أن يوصف به المقعد الحسن داخل في هذا، أوصاف المقعد من الحسن كلها داخلة فيه، ولفظة مَقْعَدِ صِدْقٍ في كلام العرب يراد بها الكمال والجمال، فيدخل فيه الكمال الحسي والكمال المعنوي، وهو جنة فهي دار الكرامة.

عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون؛ وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو -يَبلُغُ به النبي ﷺ قال: المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا[1]، وأخرجه مسلم والنسائي.

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ۝ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ[سورة القمر:54-55] وهو الجنة، وقوله هنا:المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين من أهل العلم من حمله على ظاهره، ومنهم من قال: إن المراد بذلك الكمال وليس المقصود تأويل الصفة، فالصفة –صفة اليد- تثبت كما يليق بجلال الله وعظمته، لكن يقصدون هل يقال: إن لله شمالاً أو لا؟ فبعضهم يقول: الرواية التي في صحيح مسلم في طي السموات وقبض الأرض، وذكر الشمال يقال: إنها شاذة، وإنما المقصود بالحديث الآخر:كلتا يديه يمين، أنها ليست كالشمال عند بني آدم فإنها أنقص من اليمين، ناقصة حساً ومعنى، وأما الله -تبارك وتعالى- فلا يتطرق إليه نقص، فكلتا يديه يمين بهذا الاعتبار، فمن أهل العلم من أثبت الحديثين وفسر كلتا يديه يمين بهذا التفسير، ومنهم من قال: لا يقال: إن لله شمالاً، والرواية التي في مسلم شاذة.

 

  1. [1] - رواه أحمد في المسند، برقم (6492)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم (1827)، والنسائي، كتاب آداب القضاة، باب فضل الحاكم العادل في حكمه، برقم (5379).