أعمال الإنسان تكون بين يديه يوم القيامة:
ثم قال تعالى:يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ[سورة القيامة:13] أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى:وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[سورة الكهف:49].
هذا هو المتبادر من ظاهر الآية -والله تعالى أعلم- وهو الذي يشهد له القرآن كما في آية الكهف، بمعنى أن الإنسان ينبأ أي يخبر، والنبأ هو الخبر العظيم الذي له شأن، إذ إن ذلك لا يقال لعامة الأخبار، الأخبار التي ليس لها شأن لا يقال عنها: نبأ في كلام العرب، وإنما يقال ذلك لما له خطب وشأن، كما تقول: جاءنا نبأ الحرب، وجاءنا نبأ الجيش، وجاءنا نبأ الخسف، وما أشبه ذلك، ولا تقول: جاءنا نبأ عن حمار الحجام؛ لأن حمار الحجام ليس له خطب ولا شأن، فينبأ الإنسان بمعنى أن هذه الأمور تهمه غاية الأهمية، فينبأ بها، ينبأ بأخباره التي قدمها وأخرها في حياته، بمعنى أن يُخبَر عن أعماله القديمة، وأعماله المتأخرة في آخر حياته، لا يُخبَر عن المتأخرة فقط؛ لأنها التي حُفظت وما سَبق نُسي، وإنما يخبر عن كل شيء، ولهذا يقول:مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا[سورة الكهف:49]، كما قال الله :أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ[سورة المجادلة:6]، نسوه إما لكثرته وتتابعه فينسي بعضه بعضاً، أو لأنه صغار، دقاق، أو أنهم لا يعبئون لفرط فجورهم، أو لبعد العهد، الذنوب القديمة ينسونها فأحصاها الله لهم، فكل ذلك يخبر عنه الإنسان، هذا هو المعنى المتبادربِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ[سورة القيامة:13] أي: بأعماله القديمة وأعماله المتأخرة، وبعض السلف يقولون: إن المراد ما قدم لآخرته، وما أخر أي ما ترك لورثته، يخبر عن هذا ما قدم وما أخر، ما أخر لورثته، هل يحرم عليه أن يترك شيئاً لورثته؟إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء عالة يتكففون الناس[1]، فليس هذا هو الظاهر -والله تعالى أعلم-، وكذلك قول من قال:يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ينبأ بما قدم أي: بما عمل وأنجز من الأعمال الصالحة، وما أخر أي ما أراد أن يعمله فلم يعمله من العمل الصالح، وهذا أيضاً ليس بمراد -والله تعالى أعلم-؛ لأن الحساب لا يجري على هذا إلا إذا كان من قبيل ترك الواجبات، وإلا فمعلوم أن من هم بحسنة فإنه يؤجر على هذا الهم، فلم يعملها، وإنما الظاهر -والله تعالى أعلم- وهو ما يشهد له القرآن- أن المراد ما قدم وما أخر أي من أعماله القديمة وأعماله الجديدة الحديثة، والله تعالى أعلم.
- رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، برقم (2742)، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم (1628).