السبت 16 / شوّال / 1447 - 04 / أبريل 2026
أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

وقوله:أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُأي: يوم القيامة أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟

هنا سؤال:أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ، لماذا حدد العظام ولم يقل: أيحسب الإنسان ألن نبعثه أو نعيده أو نجمع ما تفرق من جسده؟

الكفار ماذا كانوا يقولون:أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً ۝ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ[سورة النازعات:11-12]، فيقولون: كيف نرجع وقد رَمّتْ عظامناً وفنيت وبادت، وهذا يأتي بالعظم متفتتاً وينفخه في وجه النبي ﷺ، ويقول: أتزعم أن الله يعيد هذه بعد أن رَمّتْ؟، فكانوا يكذبون بهذا ويستبعدون، ورد الله عليهم قولهم:أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ ۝ بَلَى قَادِرِينَ، ثم إن العظام هي التي يكون عليها بناء الجسد، كيف يقوم الجسد إلا بالعظام؟ فهي الأساس، تخيل لو إنسان ما له أي عظم، مخلوق بدون عظم، أين تذهب العين، وأين يذهب الفم، وأين يذهب الرأس؟، قطعة لحم.

بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فتُجعل بنانه -وهي أطراف أصابعه-مستوية.

هذه العبارة يقصد بها أن الله خلقه هذا الخلق مفرق الأصابع، هذا البنان: أطراف الأصابع، فهو يمسك بها الأشياء اللطيفة، يمسك بها الإبرة، ويمسك بها سلاحه، ولهذا قال الله :فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ[سورة الأنفال:12]، لماذا يضرب منهم كل بنان؟ أرشدهم إلى المواضع التي يحصل فيها الإعاقة عن القتال، ضرب الأعناق، وذلك بإفنائهم، وضرب كل بنان بحيث إنه لا يستطيع أن يحمل السلاح، يتعطل، وإنما ببنانه يمسك هذا السلاح كما قال عنترة:

وإنّ الموتَ طوعُ يدي إذا ما وصلتُ بنانَها بالهِندُوانِ

 الهِندُوان يعني السيف الهندي، يقول: بمجرد ما أقول هكذا به الموت طوع يدي، فالمقصود أن هذا البنان هو الذي يستطيع فيه أن يصرف -يعد- المال، ويأخذ ويعطي، وينظم الأشياء الدقيقة، ويقبضها، ويمسك الكتاب ويكتب، فإذا قطعتَ هذا البنان يتعطل، فهنا على كلام ابن كثير العبارة التي ذكرها هو يشير بها إلى قول بعض السلف، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُيعني: أزيد مما كان، هو مفرق الآن،بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُأي: أننا نعيده خلقاً آخر فتستوي هذه الأيدي، الأصابع، تسوي البنان بحيث إنها تكون ملتصقة كخف الجمل أو حافر الفرس أو الحمار فلا يتصرف فيها شيئاً، فإذا كان الله يقدر على خلقها بصفة أخرى فإن قدرته على إعادتها كما كانت متحققة أيضاً، بالنسبة لإعادة الشيء ثانية لا شك أن المخلوق يكون عليه أقدر وأسهل، وأما الله فكل ذلك ميسور بالنسبة إليه ، فالله يقول: ليس ذلك فحسب بل نحن قادرون على أن نعيد يده ملتصقة بهيئة خلق أخرى غير الخلق الذي تعجبون منه، حيث جعلها قادرة على التصرف في هذه الأمور الدقيقة، فهذا يكون أبلغ من هذه الحيثية.

والمعنى الثاني:بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ، وهذا هو الظاهر: أن الله  يقول: أنتم تنكرون إعادة هذه الأجساد والعظام بعدما رَمّت، نحن قادرون على إعادتها ثانياً -أي هذه العظام-، بل نحن قادرون على إعادة اللطيف والدقيق منها وهي رءوس الأصابع، إذ أن رءوس الأصابع للطافتها ودقتها وتفاوتها يستطيع الإنسان أن يحرك أصبعاً واحداً ولا يحرك البقية، ويستطيع أن يحرك اثنين، ويستطيع أن يقبض واحداً واثنين وثلاثة، وهكذا، ويتصرف بها هذا التصرف، فالله قادر على إعادة هذه الأجزاء الدقيقة من العظام، أفلا يقدر على إعادة بقية عظام الإنسان؟، وهذا هو المتبادر، وماذا عما يقوله أصحاب الإعجاز العلمي: إن هذا يؤخذ منه البصمات؛ لأنها تكون برءوس الأصابع،بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ هذا البنان، فماذا عن هذا القول؟

نقول: لا إشكال فيه؛ لأن هذا التفسير العلمي أو هذا الإعجاز العلمي الذي يقولونه منه ما يدل على معنى صحيح، وهو ثابت ليس نظرية، هذا شيء ثابت وهو هذه البصمات، لا ينكره أحد، والله  قال:بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ، والبنان يشمل طرف الأصبع بما فيه العظم، وبما فيه الجلد، وما شده به من الأظفار، كل هذا بهذا التركيب العجيب الذي يدل على قوة خالقه ، والله يقول: نحن قادرون ثانية أن نعيده بهذه الدقة أيضاً، فيدخل فيه مثل هذه الخطوط التي تسمى بالبصمات، فهذا لا يعارض القول المشهور عن السلف بأن هذه الأجزاء الدقيقة في أطراف الأصابع لدقتها الله قادر على إعادتها فكيف بالأجزاء الكبيرة؟، فيكون هذا من باب زيادة المعنى وزيادة العلم، وهذا ما اكتشف إلا في العصور المتأخرة، فهو معنى صحيح يدخل في ضمن هذا المعنى الكلي العام للآية، أطراف الأصابع شدها بالأظفار، وذلك يكون منعة لها وحماية، أضف إلى ذلك دقة هذه الأطراف، وما يحصل فيها من ألوان التصرفات، أضف إلى ذلك ما يوجد فيها من هذه الخطوط اللطيفة الدقيقة التي توصّل الناس بها إلى معرفة المجرمين وما أشبه ذلك، فهذا الكلام كله صحيح، فهذا من التفسير العلمي المقبول الذي لا يعارض أقوال السلف ويعود عليها بالإبطال، هذا لا إشكال فيه، والله أعلم.

بعض أهل العلم يقول: إن قوله تعالى:وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِنفي، يعني على القول بأنها نفس الكافر تلومه على ترك طاعة الله، وعلى ترك الإيمان، وما أشبه ذلك، وأن هذا يكون في الآخرة، قالوا: هذا نفي للإقسام "لا أقسم"، قالوا: وهذا يؤيَّد بأن قول من قال: إن "لا" نافية للقسم، "لا أقسم" أي: نفى أن يقسم بيوم القيامة؛ لأن الأمر لا يستحق ذلك، وهو أوضح وأجلى من أن يقسم عليه، فكذلك نفى أيضاً الإقسام بالنفس اللوامة إذا قلنا: إنها نفس الكافر؛ لأنه لا شأن لها، ولا يكترث لها، ولكن هذا خلاف الظاهر، -والله تعالى أعلم-، والمراد بذلك كله القسم لا نفي القسم، والله أعلم.