الجمعة 15 / شوّال / 1447 - 03 / أبريل 2026
ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

"وقوله تعالى: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى أي: سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يَخْشَى اللَّهَ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مُلَاقِيهِ، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ۝ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ۝ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حَيَاةً تَنْفَعُهُ، بَلْ هِيَ مُضِرَّةٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ بِسَبَبِهَا يَشْعُرُ مَا يُعَاقَبُ بِهِ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ، وَأَنْوَاعِ النَّكَالِ.

روى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فلَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، وَأَمَّا أُنَاسٌ يُرِيدُ اللَّهُ بِهِمُ الرَّحْمَةَ فَيُمِيتُهُمْ فِي النَّارِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الشُّفَعَاءُ فَيَأْخُذُ الرَّجُلُ الضِّبارةَ فَيُنْبِتَهُمْ - أَوْ قَالَ: ينبتون - في نهر الحيا - أَوْ قَالَ: الْحَيَاةِ، أَوْ قَالَ: الْحَيَوَانِ، أَوْ قَالَ: نَهَرِ الْجَنَّةِ - فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَمَا تَرَوْنَ الشَّجَرَةَ تَكُونُ خَضْرَاءَ، ثم تَكُونُ صَفْرَاءَ، ثُمَّ تَكُونُ خَضْرَاءَ؟، قَالَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ بِالْبَادِيَةِ[1]

وروى أَحْمَدُ أَيْضًا عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ أُنَاسٌ - أَوْ كَمَا قَالَ - تُصِيبُهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ: بِخَطَايَاهُمْ - فَيُمِيتُهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا صَارُوا فَحْمًا أُذِنَ فِي الشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ حِينَئِذٍ: كَأنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان بالبادية، ورواه مسلم[2]."

قوله - تبارك وتعالى -: فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ۝ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وهذا يدل على أن الذي ينتفع بالتذكرة هم أهل الخشية، وأن الذين لا ينتفعون ولا يتعظون ولا يعتبرون هم الأشقياء، فهذه علامة أهل السعادة، وعلامة أهل الشقاوة، ولذلك ينبغي على المؤمن أن يحرص غاية الحرص على الانتفاع بما يسمع، وأن يعمل بما علم، وأن يظهر أثر ذلك عليه في سمته، وهديه، ودَلّه، وعمله، وحاله في ظاهره وباطنه، سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وعرفنا أن الخشية أخص من مطلق الخوف، فهي خوف مع علم بالمخوف منه، بخلاف الخوف المطلق فإنه قد لا يكون مع علم، فقد يخاف الإنسان من أمور لا يعرفها، لكن إذا كان على علم بالمخوف منه فهذه هي الخشية، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الأشقى هنا هل المقصود به أفعل التفضيل يعني الأكثر شقاء؟ أو أن المقصود بأفعل التفضيل هنا مطلق الاتصاف، يعني ليس على بابه، أي أن المراد يتجنبها الشقي؟ هذا - والله تعالى أعلم - هو الذي يظهر، أي أن أفعل التفضيل غير مراد هنا، وإنما مطلق الاتصاف، وهذا يأتي ويرد، وسبق الكلام على هذا وذكر أمثلة له كقول الشاعر:

تمنى رجالٌ أنْ أموتَ وإنْ أمتْ فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحدِ

يعني لست فيها بواحد، وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ۝ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى النار الكبرى هذه هي نار جهنم - أعاذنا الله، وإياكم، وإخواننا المسلمين منها - والنار الصغرى هي نار الدنيا، بالنسبة لنار الآخرة كما قال الحسن البصري - رحمه الله - ، وبعضهم يقول: إن المقصود بالنار الكبرى هي النار السفلى، الطبقة السفلى من النار كما يقوله الزجاج، وهذا فيه بُعد؛ لأن الأشقياء هؤلاء من الكفار ليسوا في النار السفلى، النار على دركات، وإنما الذين في السفلى منها - في الدرك الأسفل - هم أهل النفاق، والذين لا ينتفعون بالذكرى من هؤلاء الكفار ليسوا فقط محصورين بأهل النفاق، وإنما بمختلف طوائفهم - أعني الكفار - قال: ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى "ثم" هنا ليست للتراخي في المدة الزمانية، وإنما التراخي في مراتب الشدة؛ لأن التردد بين الموت، والحياة هذه الحال فوق دخول النار، يعني أشد، وأعظم، يعني ليس مجرد دخول النار فقط، بل يكون في حال فيها لا يموت ولا يحيا، يعني قد يدخل النار ويموت بلحظات، لكن هذا لا يموت، ولا يحيا يبقى أبد الآباد - نسأل الله العافية - ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى هنا قد يقول قائل: كيف نفى عنه النقيضين، الموت، والحياة نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان، ولا يرتفعان، يعني الموت، والحياة لا يجتمعان في ذات واحدة فيقال: حي ميت في وقت واحد، ولا يرتفعان في وقت واحد فيقال: لا حي، ولا ميت، إما حي، وإما ميت، مثل الليل والنهار، الوجود والعدم، ما تقول: نحن الآن في ليل نهار، أو تقول: لا ليل ولا نهار، فهذان لا يجتمعان، ولا يرتفعان، فكيف نفى الله ذلك عنه، كيف نفى النقيضين؟ يقال: المقصود هنا ليس نفي أصل الحياة، وإنما المقصود أنه لا يموت فيستريح، فهو حي يحس، ويتألم، ويُعذب ولا يحيا حياة نافعة، هذا هو المراد - والله أعلم -.

وهنا ذكر الحديث: أما أهل النار الذين هم أهلها - يعني أهل الخلود - فلا يموتون، ولا يحيون، كما قال الله  ثم ذكر من يخرجون منها، يعني من غير أهل الخلود، وذكر الشفعاء يدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل الضِّبارة، فينبتهم، أو قال: ينبتون في نهر الحياة، يأخذ الضبارة يعني الرجل الشفيع، أو الشافع يدخل على هؤلاء المعذبين من أهل التوحيد فيأخذ الضبارة يأخذ الجماعة منهم يشفع في جماعة، فيخرجون من النار فيلقون في نهر الحياة، فينبتون بهذه الطريقة التي ذكرها النبي ﷺ نبات الحِبّة - والحِبّة يعني بذور البقل، ونحو ذلك - في حميل السيل، يعني الحبة هذه تنبت في حميل السيل، وحميل السيل ما يحمله السيل من بقايا أشجار، فتات، هشيم، طين فيكون على ضفافه، ضفاف مجرى السيل، أو يلقيه في ناحية، فتنبت هذه الحِبة نبتة صغيرة ضعيفة تميل إلى الصفرة، ثم بعد ذلك تخرج شيئًا فشيئًا، ولهذا قال: أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء، ثم تكون خضراء؟ يعني في بدايتها وهي صغيرة هكذا، ولهذا قال بعضهم: كأن النبي ﷺ كان في البادية، يعني يشاهد هذا النبات وما يخرج في حميل السيل، ما يحمله السيل، وهنا قال: فجيء بهم ضبائرَ ضبائرَ فبُثوا على أنهار الجنة، فيقال لأهل الجنة: أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحِبة تكون في حميل السيل

  1. رواه أحمد في المسند، برقم (11016)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
  2. رواه أحمد في المسند، برقم (11077)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي نضرة - وهو المنذر بن مالك العبدي - فمن رجال مسلم، سعيد بن يزيد: هو أبو مسلمة الأزدي البصري".