ترجمة صهيب الرومي رضي الله عنه وشرح حديثه "عجبا لأمر المؤمن" 1
عدد الزوار : 6717
تاريخ الإضافة : 4 ذو القعدة 1425
MP3 : 3113 kb
PDF : 474 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

ترجمة صهيب الرومي -رضي الله عنه- وشرح حديثه "عجباً لأمر المؤمن" 1

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول النووي -رحمه الله-: وعن أبي يحيى صهيب بن سنان -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له))([1])، رواه مسلم.

أبو يحيى صهيب الرومي -رضي الله تعالى عنه- كناه بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قدم عليه مهاجراً، فقال له: ((ربح البيع أبا يحيى))([2]).

صهيب الرومي هو رجل من العرب، من ربيعة، وأخذته الروم وهو صبي صغير، ثم بعد ذلك بعد أن عقل وصار كبيراً انطلق منهم وفر.

وقال بعضهم: إن قبيلة كلب -وهي من القبائل العربية المتاخمة لبلاد الروم- أخذوه وهو صغير، ثم جاءوا به إلى مكة، وباعوه فيها، فاشتراه عبد الله بن جدعان، ثم بعد ذلك أعتقه، وكان بعد ذلك قد دخل في الإسلام، بعدما يقرب من ثلاثين رجلاً قد سبقوه إليه، فدخل مع عمار بن ياسر -رضي الله تعالى عنهما- في الإسلام في يوم واحد، ولزم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهاجر إليه بعد هجرته -عليه الصلاة والسلام- بمدة يسيرة، مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حتى إنه أدرك النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في قباء لم يغادرها.

وأنتم تعرفون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما بلغ قباء مكث فيها مدة، وبنى المسجد، ثم بعد ذلك انتقل إلى مدينته -عليه الصلاة والسلام.

ولما أراد صهيب –رضي الله عنه- الهجرة أراد المشركون أن يمنعوه منها، وذكروا له أنه جاءهم وهو فقير ليس عنده شيء، بل هو مسترَقّ، ثم بعد ذلك صار يصنع، ويعمل حتى صار له مال، فدلهم على ماله على أن يتركوه في سبيله، من أجل أن يهاجر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقبلوا بذلك، فجاء وليس له مال، فلما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان الله قد أوحى إلى نبيه -عليه الصلاة والسلام- بذلك، فما أن رآه حتى قال له: ((ربح البيع أبا يحيى))، وذلك أنه ابتاع ماله لله -عز وجل- طلباً في مرضاته، ليهاجر إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم.

وكان -رضي الله تعالى عنه- معروفا بالصناعة، وكان يصنع السلاح، ولربما صنع لبعض كبراء المشركين، فلما أراد أن يتقاضى منه قال: ألست تزعم أن الناس يبعثون، ويجازون على أعمالهم؟، فقال: بلى، فقال: عندئذ أوفيك حقك.

وقد توفي في مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حدود سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وهو من الصحابة الذين لم يشتركوا في الفتنة والقتال الذي وقع بين أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى إن عليًّا -رضي الله تعالى عنه- دعاه ليكون معه في جيشه، ومعلوم أن صاحبه عمار -رضي الله تعالى عنه- كان من أشد المتحمسين في القتال مع علي -رضي الله تعالى عنه- لأهل الشام، وكان عمار -رضي الله تعالى عنه- يذهب إلى البصرة، فيحرض أهلها على القتال مع عليٍّ ويستحثهم على ذلك.

فالمقصود أنه -رضي الله عنه- لم يشترك، فلما دعاه عليٌّ -رضي الله عنه- قال: "والله لو كنتَ في فك الأسد لدخلت معك، ولكن هذا أمر لا نعرفه" أو كما قال -رضي الله تعالى عنه.

وفي هذا عبرة عظيمة، وهي أن الإنسان لا يدخل في شيء حتى يتبينه، ولا يدخل في أمور لا يدري ما هي.

وكما قال بعض السلف لما دعاه الخوارج إلى المشاركة معهم في القتال: إنما هي نفس واحدة، إذا ذهبت لا تعود، فلو كان لي نفسان لاشتركت معكم، ثم أنظر.

فهناك فرصة واحدة للعمل والاستعداد للدار الآخرة، فلا ينبغي للإنسان أن يقدم على شيء إلا وقد تحقق أنه حق ثابت يقربه إلى الله -عز وجل.

وكم من إنسان يبذل ماله ويتعب نفسه، ويعيش في قهر وذل وملاحقة، ولربما يقدم مهجته رخيصة وهو على باطل، فينبغي للإنسان أن يدرك مثل هذه المعاني، وأن تكون تضحيته وبذله وجهاده إنما هو لله وعلى الطريق والصراط المستقيم، والله تعالى أعلم.

وصهيب -رضي الله تعالى عنه- لم يكثر من رواية الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، روى نحواً من ثلاثين حديثاً، لم يخرج الإمام البخاري منها شيئاً، وإنما أخرج له الإمام مسلم نحو ثلاثة أحاديث.

وللحديث بقية -إن شاء الله-، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.


 

[1] - أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير (4/2295)، رقم: (2999).

[2] - أخرحه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (1/151)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (3/228).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about