شرح حديث أسامة بن زيد "أَرْسلَتْ بنْتُ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: إنَّ ابْنِي قَدِ احتُضِرَ فاشْهدْنَا" 2
عدد الزوار : 3682
تاريخ الإضافة : 10 ذو القعدة 1425
MP3 : 3297 kb
PDF : 434 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث أسامة بن زيد "أَرْسلَتْ بنْتُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: إنِّ ابْنِي قَد احتُضِرَ فاشْهدْنَا" 2

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكنا نتحدث عما رواه أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنه- في خبر ابنة النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما احتُضر ابنها، أو بنتها، على خلاف في ذلك كما سبق.

وهل هذه البنت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي زينب وأن ابنتها أمامة، أو أنها فاطمة وأن هذا الابن هو محسن، كما يقوله بعض أهل العلم، أو أنها رقية زوجة عثمان -رضي الله تعالى عنه- وأن ابنها      عبد الله، أو غير ذلك مما قيل.

وعرفنا معنى الاحتضار، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث إليها بالسلام، وأمرها بأن تصبر وتحتسب، وقال: ((إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى)).

فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، وجاء في بعض ألفاظ الحديث أنها أرسلت إليه ثلاثاً فقام في الثالثة، وأقسمت عليه أن يأتيها، فقام -صلى الله عليه وسلم-، ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال -رضي الله عنهم-، ومن هؤلاء الرجال: راوي هذا الحديث، وهو أسامة بن زيد -رضي الله عنه- وكذلك عبادة بن الصامت، وعبد الرحمن بن عوف،  جاءوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما قام ليشهد ذلك المحتضر.

فرُفع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصبي، فأقعده في حجره، وهذا يدل على صغره.

ونفسه تَقعقع، يعني: هذا الصبي قد وصل إلى حال الاحتضار، بمعنى: أن لنفسه وحشرجته صوتاً يشبه صوت الجلد اليابس البالي، فإن القربة القديمة البالية يكون لها صوت إذا حركت.

ففاضت عيناه -صلى الله عليه وسلم-، وهذا مما جبل عليه -عليه الصلاة والسلام- من الرحمة والشفقة، ولا شك أن هذا المقام مقام مؤثر، وتصور في حال أولائك لربما كان الولد يعاني الموت، وسكرات الموت بسبب الحمى، أو بسبب علة يسيرة في زماننا هذا، لا مستشفى، ولا طبيب، ولا أدوية، وإنما يبقى هكذا حتى يموت، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- فاضت عيناه لما شاهد ذلك، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ وفي رواية: ما هذا البكاء؟ وفي بعض الروايات أن الذي قال ذلك هو عبادة بن الصامت –رضي الله عنه-، والأقرب أن الذي قاله هو سعد بن عبادة -رضي الله عنه.

وقد جاء في بعض رواياته: أتبكي وقد نهيت عن البكاء؟!([1])، استغرب من هذا البكاء الذي صدر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فظن أن ذلك من الجزع، ومن النياحة.

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- معلماً لهم: ((هذه رحمة، جعلها الله تعالى في قلوب عباده)).

وفي رواية: ((في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) متفق عليه.

ومعلوم الحديث المشهور الذي جرى العلماء على أن يلقنوه أول ما يلقنون طالب العلم في مبتدأ الطلب: ((الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))([2])، والجزاء من جنس العمل، فالذي يرحم الخلق يرحمه الله -عز وجل.

هذا يستفاد منه: أن البكاء المحرم هو ما كان على سبيل التسخط، والجزع، ورفع الصوت، والنياحة، فإن صاحبَ ذلك لطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعر فإن ذلك يكون أعظم، وأما دمع العين، وحزن القلب، فإن ذلك مما لا يؤاخذ عليه الإنسان، لاسيما وأنه أمر لا يدخل في كسبه، ولا يدخل في طاقته وقدرته.

فالإنسان قد لا يستطيع أن يسيطر على مشاعره، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وإنما الشيء المحرم الذي ينبغي أن يتباعد عنه هو النياحة، ورفع الأصوات، ولطم الخدود، وشق الجيوب، وذكر مآثر الميت، أو ذكر أمور في أوصاف ومحامد قد لا تكون فيه، كما جرت عليه عادة العرب في الجاهلية، فهو يعذب بهذا الكلام الذي يقال إذا كان برضاه أو بوصيته، أو يعلم أنهم سيفعلون ذلك وما نهاهم، والله تعالى أعلم.

فنسأل الله -عز وجل- أن يلهمنا وإياكم الصبر والثبات، وأن يشرح صدورنا، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.


 

[1] - أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت (3/328)، رقم: (1005).

[2] - أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب فى الرحمة (4/440)، رقم: (4943)، والترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في رحمة المسلمين (4/323)، رقم: (1924)

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about