شرح حديث صهيب رضي الله عنه حديث الغلام والراهب والساحر 2
عدد الزوار : 2593
تاريخ الإضافة : 13 ذو القعدة 1425
MP3 : 4463 kb
PDF : 609 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث صهيب -رضي الله عنه- حديث الغلام والراهب والساحر 2

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((كان ملِك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبِر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليّ غلاماً أعلمه السحر، قال: فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهبٌ....)).

والمقصود بالراهب: المتعبد من النصارى، إذ إنهم ابتدعوا رهبانية، كما قال الله -عز وجل-: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد:27]، فإنما فعلوا ذلك طلباً لرضوان الله -عز وجل- كما قص الله -تبارك وتعالى-، فكان الواحد منهم يعتزل الناس، وينقطع في برية، أو في جبل، أو غير ذلك، يتعبد ربه -تبارك وتعالى-، بل إن الأمر بلغ بهم إلى حد نبذ كل مظهر من مظاهر الحياة، حتى ما يتعلق بقص الشعر، ونظافة البدن، وما إلى ذلك، حتى ذكر عن بعضهم أنه لربما بقي في بئر، يحبس نفسه، ويعذب نفسه أربعين سنة، تقرباً إلى الله بتعذيب النفس، وتحميلها المشاق العظيمة، ولربما لم يأكل في اليوم إلا حبات من الذرة، أو نحو ذلك، وهذا أمر لا يشرع، ولا يجوز لنا أن نتعبد الله -عز وجل- فيه.

فكان الغلام يمر على راهب، وسمع كلامه فأعجبه، ونأخذ من هذا: أن الزمان لا يخلو من قائم لله -عز وجل- بحجة، فقامت الحجة في مثل ذلك الوقت الذي فيه يتسلط ذلك الملك مع هذا الساحر، فما لا يحصل فيه إخضاع الناس عن طريق المال، أو السيف فإنه يحصل إخضاعهم بطرق أخرى خفية وهي السحر، وهذا أمر مشاهد إلى يومنا هذا، إذا قرأتم في الإحصاءات في عالم الغرب تجدون أن ما يسمى بالدول المتحضرة يوجد عندهم آلاف من السحرة، فقبل أكثر من عشر سنوات في باريس فقط أكثر من تسعين ألف ساحرة وساحر، وتعرفون الأخبار التي تنشر هنا أو هناك مما يحصل من انتخابات في أمريكا وفي غيرها، فلربما صرح ذلك المغلوب في الانتخابات أن شيطان فلان أقوى من شيطانه، فيستعينون بالسحرة في الانتخابات، وفي غيرها مما يدبرون به شئون الناس، في وقت ادعى الناس فيه أنهم وصلوا إلى قمة التحضر، مع أن السحر هو قمة التراجع، والانحطاط، والسفول الإنساني.

فكان الغلام يمر بهذا الراهب، فجلس إليه، فسمع كلامه، فأعجبه، ومن هنا ينبغي لك أن لا تحقر من المعروف شيئاً، كلمة قد تقولها تكون بذرة طيبة في قلب إنسان، يصلح الله على يده أمة كاملة، كما سنعرف في خبر هذا الغلام.

فكلمه فأعجبه كلامه، وكان إذا أتى الساحرَ مر بالراهب، وقعد إليه في الطريق، فإذا أتى الساحرَ ضربه، يضربه بسبب التأخير.

فكان يعاقبه على تأخيره، وكأنه قد جعل له برنامجاً معلوماً، دروساً معلومة الابتداء والانتهاء بحيث إنه إن تأخر عنها عاقبه على ذلك، وهذا يدل على جدية هذا الساحر في استصناع هذا الغلام، وإيجاد الخليفة من بعده، ليقوم بهذا الشر والباطل، ليكون بذلك مرضياً للشيطان.

قوله: ((فشكى ذلك إلى الراهب))، يعني: الغلام، قال: هذا الساحر يضربني إذا تأخرت عندك، فقال له: ((إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي))، أي: أخرني أهلي، ((وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر))، كأن أهله عرفوا أيضاً وقت الانصراف، وقد يقال: هذا تلقين الكذب، فالراهب يلقنه الكذب ليكذب على الساحر، ويكذب على أهله، ومعلوم أن الكذب حرام، والجواب على هذا من وجهين:

أولاً:  شرع من قبلنا ليس بشرع لنا إن كان في شرعنا ما يخالفه، وفي شرعنا تحريم الكذب.

ثانيا: أن الكذب يجوز في حالة دفع الظلم عن أحد في دمه، أو ماله، أو عرضه، فلو جاءك مجرم قاطع طريق، وسألك، أين فلان؟ وعرفت أنه يريد أن يسرقه، أو يقطع عليه الطريق، أو أن يقتله، أو يوصل إليه الأذى فلك أن تقول: لم أره، ولا أعرفه، وما أشبه ذلك، ولا يكون هذا من الكذب المحرم؛ لأن حفظ مال المعصوم أثبت وآكد من هذا الورع البارد، فكان الراهب يقول له: إذا سألك الساحر قل له: حبسني أهلي، وإذا سألك أهلك قل: حبسني الساحر؛ لأنه لو قال: كنت عند راهب لجاءوا بهذا الراهب وقتلوه، وقطعوا هذا الغلام من هذا الخير الذي يتصل به.

قوله: ((فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس...)) هذه الدابة لم تحدد، فهي دابة من الدواب المؤذية، وقفت في طريق الناس، فما استطاعوا أن يجتازوا خوفاً منها، بعضهم يقول: كان ذلك أسداً، لكن ليس عندنا دليل على تحديده، فهي دابة، قد تكون أسداً، وقد تكون أفعى عظيمة، وقد يكون غير ذلك، فهم خافوا وتوقفوا.

فقال الغلام: ((اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس...))

وهذا يدل على أن الراهب أرجح في نفسه من الساحر؛ لأن الساحر لو كان أرجح في نفسه لقال: إن كان أمر الساحر أحب إليك فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، لكنه قال: إن كان أمر الراهب، ثم إن هذا الغلام قد اشترك في نفسه مشربان، صار قلبه يُسقى بمادتين: مادة صافية طيبة نقية، وهو ما كان يأخذه من هذا الراهب من العلم والعمل، ومادة سيئة هي عبارة عن صديد، وأذى، وقذر يأخذه من ذلك الساحر، وهو غلام صغير ليس عنده من العقل، وسعة الإدراك ما يستطيع أن يميز به بين معدن الحق، ومعدن الشبهات كما يميز العالم، فأراد أن يعرف ذلك، ونفعه الله -عز وجل- بهذا الراهب.

قوله: ((فرماها، فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره...)) وهذا يدل على أن الإنسان لا بأس أن يحدث بشيء صنعه مما يحمد عليه، ومن الأمور العظيمة التي تعتبر من قبيل الكرامات التي أجراها الله على يده، إن لم يكن ذلك من سبيل العُجب، والتباهي والمفاخرة، فهو الآن يحدث شيخه بما جرى على يده، فأخبره بهذا الخبر، والحديث له بقايا.

أسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about