شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه "يَقولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبهُ إِلاَّ الجَنَّة"
عدد الزوار : 29162
تاريخ الإضافة : 23 ذو القعدة 1425
MP3 : 2145 kb
PDF : 386 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- "يَقولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبضْتُ صَفِيّهُ مِنْ أَهْلِ الدنْيَا ثُمّ احْتَسَبهُ إِلاَّ الجَنَّة"

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة))([1])، رواه البخاري.

فهذا الحديث أورده الإمام النووي -رحمه الله- في باب الصبر من كتابه رياض الصالحين، وموطن الشاهد فيه ظاهر، وذلك أن من قُبض صفيه من أهل الدنيا فإن ذلك يستدعي منه صبراً، وإلا فإن ذلك قد يفضي به إلى الجزع، والخروج إلى ما لا ينبغي، وما لا يليق من النياحة، والتسخط على أقدار الله -عز وجل-، وما إلى ذلك.

النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في هذا الحديث: ((يقول الله تعالى..))، فهذا من الأحاديث القدسية، فما صدر بمثل هذه الجملة يضيفه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ربه، أو يقول الراوي: قال رسول الله      -صلى الله عليه وسلم- في ما يرويه عن ربه، فيكون ذلك من قبيل الحديث القدسي، وهذه الأحاديث معروفة، وتقارب المائة، منها ما يصح ومنها ما لا يصح، والفرق بينها وبين القرآن -على الأرجح- أن الأحاديث القدسية من كلام الله -عز وجل-، كما أن القرآن من كلام الله -تبارك وتعالى- إلا أنها تفترق عنه بأن القرآن متعبد بتلاوته، وأن القرآن قد تعهد الله -عز وجل- بحفظه، وأن القرآن حفظه الله -تبارك وتعالى- من التبديل والتحريف، وهذه الأحاديث القدسية ليست بمعجزة بلفظها، ولا متعبد بتلاوة ألفاظها، ولم يتعهد الله -تبارك وتعالى- بحفظها.

يقول الله تعالى: ((ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا)) المقصود بالصفي أي: من تصافيه، وهو خلاصة الأحباب والأصحاب، الذي يكون بينك وبينه الصفا والود، فهذا إذا قبض لا شك أن المصيبة فيه تعظم، وأن النفس تحزن لفقده، فإذا زَمّ الإنسان نفسه بالصبر في مثل هذا المقام فإن الله -عز وجل- قد وعده بالجنة.

قال: ((ثم احتسبه)) أي: احتسب الأجر على الصبر على فقد هذا الصفي المحبوب، فليس له جزاء إلا الجنة، ولذلك كان السلف -رضي الله تعالى عنهم- يدركون هذا المعنى إدراكاً جيداً، وقد ذكرت في بعض المناسبات طرفاً من أخبارهم، فمن ذلك ما جاء عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- لما دخل عليه بعض أصحابه فرأوا صِبْية عنده وغلاماناً كالدنانير، يعني: بحسنهم، وبهائهم، ونضارتهم، فجعلوا ينظرون إليهم، فقال: "تنظرون إليهم؟ والله إني لأتمنى موتهم" فهذا محمول على احتساب هذا الأجر الموعود به.

وكذلك قول عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك: يا بني، والله إني لأحب أن تموت قبلي لأحتسبك، فقال: والله ما بي كراهة لما تحب يا أبت.

فكانوا يستشعرون مثل هذه المعاني، ويعرفون أن الأجر عند الله -عز وجل- يكون عظيماً، وأنه يبلغ بهذه المصيبة من المنازل العالية الرفيعة ما لا يبلغه بصلاة، ولا صيام، ولا قيام.

فأقول: إذا وقع للإنسان شيء من المكروه، ثم احتسب ذلك عند الله -عز وجل- فإنه يُرفع بهذا، ويكفر عنه من خطاياه، فالمؤمن في ربح دائم مستمر، والله -عز وجل- لا يبتليه ليكسره، وإنما يبتليه ليرفعه.

هذا، وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.


 

[1]- أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغي به وجه الله (5/2361)، رقم: (6060).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about