شرح حديث ابن عُمرَ رضي اللَّهُ عنهما "أَرَاني فِي المَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ.." وحديث أَبي موسى رضي اللَّه عنه "إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ تَعَالَى إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبةِ المُسْلِمِ"
عدد الزوار : 3213
تاريخ الإضافة : 19 جمادى الأول 1428
MP3 : 2302 kb
PDF : 549 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث ابن عُمرَ -رضي الله عنهما-: "أَرَاني فِي المَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ.." وحديث أَبي موسى -رضي الله عنه-: "إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ تَعَالَى إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبةِ المُسْلِمِ"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم أورد المصنف -رحمه الله- حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبّر، فدفعته إلى الأكبر منهما))([1]). رواه مسلم مسنداً، والبخاري تعليقا.

هذا الحديث بمعنى الحديث الذي مر بنا بالأمس، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمن أراد أن يتكلم ومعه من هو أكبر منه سنًّا: ((كبِّر كبِّر))([2]) فعلمه هذا الأدب في الكلام إذا كان ذلك بحضرة من هو أولى منه به ممن يكبره في السن، وهذا الحديث أيضاً فيه تعليم للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يتصل بهذا المعنى، ذاك في الكلام: الذي يقدم هو الأكبر، وهنا أيضاً في العطاء، إذا أردت أن تعطي أحداً شيئاً يشربه أو شيئاً يأكله أو نحو ذلك فمن الذي يقدم؟ الأصل أن يقدم الكبير إذا كان العالم أو الوالد أو كان ذلك الكبير هو الأكبر سنًّا في المجلس، هو الأول، هو الذي يُعطَي الماء، أو هو الذي يُعطَى المبخرة، أو نحو ذلك، لا يُبدأ باليمين، وهذا يخطئ فيه كثير من الناس، يظن أن البدء باليمين مطلقاً، وهذا غير صحيح، يبدأ بالأكبر، ثم مِن هذا الأكبر يدار عن اليمين، عن يمينه، يعني الذي يأخذه هذا الكبير يعطيه لمن يدفعه لمن عن يمينه، ويدور هكذا، لا أنه يبدأ بيمينه المجلس.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أراني في المنام أتسوك بسواك، فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبّر))، وهنا لم يذكر أن الأصغر كان عن يمينه أو عن شماله، فدل على أنه يُعطَى للأكبر سواء كان على اليمين أو على الشمال، لكن لو أنه دُفع للنبي -صلى الله عليه وسلم- هذا السواك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعطيه من عن يمينه، سواء كان هو الأصغر أو الأكبر كما يدل عليه ما وقع لابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- حينما كان أبو بكر عن يسار النبي -صلى الله عليه وسلم- وابن عباس عن يمينه، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- استأذن عبد الله بن عباس -لأن الحق له لكونه عن يمين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعطيه لأبي بكر، فتلَّه من يد النبي -صلى الله عليه وسلم-،

وقال: لا أوثر بنصيبي منك([3])، أراد أن يشرب من سؤر النبي -عليه الصلاة والسلام-، قصد هذا المعنى.

فهنا يقول: ((فناولت السواك الأصغر، فقيل لي: كبّر، فدفعته إلى الأكبر منهما)).

ثم ذكر حديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن من إجلال الله تعالى...))([4]) أي: من تعظيمه ((إكرامَ ذي الشيبة المسلم)) الإنسان الذي قد شاب في الإسلام، ((وحاملِ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه)) يعني: الجافي عنه هو الذي يترك تلاوته، أو يترك العمل به، قال: ((وإكرامَ ذي السلطان المقسط)) يعني: العادل، حديث حسن رواه أبو داود.

فهؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا من كان بمنزلتهم فإنهم يقدمون على غيرهم، والمقصود أن هذه الشريعة جاءت بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات، تسمو بالناس إلى مدارج الكمال في تصرفاتهم، وأقوالهم، وتعطي لأهل الحقوق حقوقهم.

وجاء عن عائشة -رضي الله عنها-: أُمرنا أن نُنزل الناس منازلهم([5])، فلا تُضيَّع منزلة الإنسان، لا يُهدَر حقه، ولا يقدم عليه من هو أقل منه، فالكبير له حق محفوظ، والوالد له حق محفوظ، والعالم له حق، وهكذا كلٌّ بحسبه، فلا يستوي الناس الصغير مع الكبير، والعالم مع الجاهل، وما شابه ذلك، فهذه أمور إذا عرفها المسلم انبعث من ذلك ونشأ عنه الخلق اللائق في التعامل مع الناس، يعرف للناس حقهم.

هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. 


 

[1]- أخرجه مسلم، كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي -صلى الله عليه وسلم-، (4/ 1779)، برقم: (2271)، والبخاري، كتاب الوضوء، باب دفع السواك إلى الأكبر، (1/ 58)، برقم: (246)، معلقاً.

 [2]- أخرجه البخاري، كتاب الجزية، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يفِ بالعهد، (4/ 101)، (3173)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب القسامة، (3/ 1294)، (1669).

 

[3]- أخرجه البخاري، كتاب المساقاة، باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، (3/112)، برقم: (2366)،  ومسلم، كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ، (3/1604)، برقم: (2030).

[4]- أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم (7/212)، برقم: (4843) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/438)، برقم: (2199).

[5]- مقدمة صحيح مسلم (1/7)، وأخرجه أبوداود، كتاب الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم (7/210)، برقم: (4842)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، (4/368)، برقم: (1894).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about