شرح حديث أَبي ذَر ٍّرضي اللَّهُ عنه"إِنِّي أَرى مالا تَرَوْنَ"
عدد الزوار : 27505
تاريخ الإضافة : 5 شوّال 1428
MP3 : 3348 kb
PDF : 704 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث أَبي ذَرٍّ -رضي الله عنه-: "إِنِّي أَرى مالا تَرَوْنَ" 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب الخوف أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله   -صلى الله عليه وسلم-: ((إني أرى ما لا ترون، أطّتِ السماءُ وحُق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله تعالى))([1])، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.

قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إني أرى ما لا ترون))، وذلك مما يطلعه الله -عز وجل- عليه من أمر الغيب، فإن الله -تبارك وتعالى- يطلع نبيه -صلى الله عليه وسلم- على أمور لا نطلع عليها، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم الغيب، وإنما يطلعه ربه على ما شاء، كما قال الله -عز وجل-: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن:26-27]، وذلك في الغيب المستقبل، وما يكون أيضاً من الغيب الحاضر، أو الغيب الماضي، كل ذلك حصل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتعليم الله إياه، فمثل هذا هو من الغيب الحاضر في الشيء الواقع.

((إني أرى ما لا ترون))، أيضاً من الأمور التي اطلع عليها -صلى الله عليه وسلم- أنه رأى الجنة، ورأى النار في قبلة المسجد، كما رأى -صلى الله عليه وسلم- في ليلة المعراج أموراً كثيرة.

وكذلك أيضاً كان يرى -عليه الصلاة والسلام- أو يعلم أو يطلعه الله -عز وجل- على أحوال بعض المعذبين، وذلك في وقائع مشهودة ومعلومة، الشاهد أنه قال: ((أطَّت السماء وحُق لها أن تئط))، أطت، والأطيط هو صوت الرحل الذي يصدر إذا جلس عليه الركب من الثقل، الرحل على البعير بمنزلة السرج على الفرس، فهذا الرحل هو من الخشب فإذا ركب عليه الراكب فمع الثقل فإنه يصدر له صوت، هذا الصوت يقال له: الأطيط، فالشيء الثقيل إذا كان عليه كان ذلك الصوت، وقيل له: أطيط، فهنا السماء لكثرة من عليها من الملائكة لها صوت كصوت الرحل إذا جلس عليه الراكب، ((أطت السماء وحق لها أن تئط))، حُق لها، أي: أنها حقيقة، يحق لها، جديرة بذلك، لماذا؟ قال: ((ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى))، موضع أربع أصابع، وهذا يعم جميع أرجاء السماوات، والسماء هنا اسم جنس يشمل السبع الطباق، ((ما فيها موضع أربع أصابع))، هذا موضع الأربع الأصابع، ((إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى)) ومن هنا أخذ بعض أهل العلم شرف السماء على الأرض، قالوا: السماء محل للطاعة، والأرض لا يوجد فيها مثل هذا، يوجد خير البقاع فيها هي المساجد، ومع ذلك المساجد لا تكون بهذه المثابة، ((ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى))، والملائكة خلق لا يحصيهم إلا الله  -عز وجل-، {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6] ، فهم يعبدون الله -عز وجل- بلا كلل ولا ملل ولا فتور، أما الناس فكما هو معلوم يعتريهم ما يعتريهم من التقصير والضعف والعجز والإعراض والنكول عن طاعة الله -جل جلاله-، فهؤلاء الملائكة على عظم خلقهم وأجسامهم وما أعطاهم الله -عز وجل- من القوى والقدر ومع ذلك هم في غاية الطاعة لربهم ومليكهم -تبارك وتعالى-، يقول: ((والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))، ((لو تعلمون ما أعلم)) أي: مما أعد الله -عز وجل- من النكال والعذاب والأهوال والأوجال، ((لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))، يضحك قليلاً ويبكي كثيراً، يمكن أن يؤخذ من هذا تغليب الخوف على الرجاء في الدنيا، في حال العافية والصحة، فإن الإنسان يُغلب الخوف من أجل أن ينكف وينزجر عما لا يليق، فهنا قال: ((وما تلذذتم بالنساء على الفرش))، وذلك أن الإنسان إذا غلب عليه الخوف، أو غلب عليه الحزن فإنه لا يجد لذة لشيء مستلذ، سواء كان ذلك لذة الوقاع، كما ذكر في هذا الحديث، أو كان ذلك بلذة أخرى كلذة الاجتماع بالناس والخلطة، أو لذة الطعام والشراب، فإن الذي يكون في حال شديدة من الخوف لا يجد للطعام مذاقاً وطعماً، كأنه يجرع الحصى، وهكذا من كان الغالب عليه الحزن، ولذلك الإنسان إذا كان كئيباً فإنه لا يقبل على الطعام، لا يأكل، ولا يقبل على المعاشرة، ولربما يجلس الشهور وهو لا يعاشر أهله، وهذا معروف عند الأطباء وعند المرضى أيضاً الذين يبتلون بهذه الأمراض، حتى لو أنه حاول ذلك فإنه لا يتمكن ولا يستطيع هذا.

قال: ((ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله تعالى))، الصُّعُدات: هي الطرقات، ((تجأرون إلى الله)) أي: أنكم تستغيثون، ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والضراعة لله -جل جلاله-، فهذا كله مما يحفز الإنسان ويدعوه إلى مزيد من الجد والاجتهاد والعمل في طاعة الله -عز وجل-، وأن يكف عن كل ما لا يليق مما يكرهه الله -عز وجل- ويسخطه من الأعمال والأقوال ونحو ذلك، كما أن هذا الحديث فيه تسلية للمؤمن في الطاعة حينما يطيع الله -عز وجل-، ويرى كثرة الناكبين والمعرضين عنها فإن ذلك لا يقعده ولا يخذله عن العبادة، فالملائكة خلق شريف، وهم بهذه المثابة يتعبدون لله -تبارك وتعالى.

وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن البيت المعمور، وهو فوق الكعبة في السماء أنه يأتيه في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثانية، كل يوم يأتي هذا العدد، ولا يرجعون ثانية، أي: يأتي آخرون في اليوم الآخر، فإذا حسبت هذا كم يأتيه في السنة بهذا الاعتبار؟، كم يأتي في عشر سنوات من هؤلاء الملائكة؟، كم يأتي في مائة سنة؟، كم يأتي في ألف سنة؟، تجد أن الملائكة من الكثرة بحيث إن ذلك لربما لا تتصوره، فهذا يسلي المؤمن، ويجعله يُقبل على العبادة بشكل أكبر، وينشطه لها؛ لأن الإنسان من عادته أنه يتثبط لقلة السالكين، والشيطان قال: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف:17]، فيستوحش الإنسان من قلة السالك في طريق العبودية، فإذا تذكر جد الملائكة وتشميرهم في طاعة الله -عز وجل-، علم أن هذا الطريق قد سلكه سالكون كثير، أهل شرف ومنزلة ومكانة عند الله -تبارك وتعالى-، فيسلك سبيلهم، ويتشبه بهم، نسأل الله   -عز وجل- أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.


 

[1]- أخرجه الترمذي، باب في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا))، (4/556)، رقم: (2312)، وصححه الألباني في السلسلة، رقم: (1722).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about