تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
حديث «عجبًا لأمر المؤمن..»
تاريخ النشر: ٠٧ / ذو القعدة / ١٤٢٥
التحميل: 3550
مرات الإستماع: 15531

عجباً لأمر المؤمن

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول الإمام النووي -رحمه الله:
عن أبي يحيى صهيب بن سنان قال: قال رسول الله   ﷺ: عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، رواه مسلم.

تحدثنا في الليلة الماضية عن طرف من ترجمة صهيب الرومي ، وقول النبي  ﷺ: عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير أي: أن حاله تستدعي العجب؛ وذلك أنه يؤجر في الأحوال كلها، في حال الضراء، وفي حال السراء، ولهذا عمم ﷺ ذلك فقال: إن أمره كله يعني: في جميع الحالات، أي: أن المؤمن يدور بين هذا وهذا، وهو مأجور، والله يدبّره، ويقيض له من الأسباب التي يحصل له فيها رفع الدرجات، ومغفرة الذنوب، وتكثير الحسنات، سواء كان ذلك مما يُجريه عليه من الأمور السارة التي تستوجب الشكر، ولهذا ذكر النبي ﷺ المؤمن؛ لأن المؤمن هو الذي من شأنه أن يشكر الله، فهو يعرف نعمه عليه، وأما الكافر فإنه جحود، ينكر نعمة الله عليه، ومن ثم فإنه يضيف عبوديته وشكره وتقربه إلى غير الله -تبارك وتعالى، فيعبد معه إلهاً آخر، وأما المؤمن فشأنه آخر، تَقربُّه إلى الله ، هو ملتجئ إليه -تبارك وتعالى- في الحالات كلها.

قوله: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، أي: أصابه شيء يسره من عافية في بدنه، ومن نعمة تُسدى له في مشرب، أو مطعم، أو ملبس، أو ولد، أو غير ذلك مما يحصله الإنسان من المسارّ، في المراكب والمساكن، والأثاث، وغير ذلك، فذلك الأمر الذي يحصل له ولربما كانت لذته فيه يؤجر الإنسان عليه إذا شكر الله -تبارك وتعالى- على هذه النعمة، فيكون ذلك من قبيل العبودية القلبية، التي تتصل بعبودية اللسان والجوارح، فيكون شاكراً لله -تبارك وتعالى- بقلبه، فيقوم ذلك بقلبه استشعاراً لإفضال الله، وإنعامه عليه ، ثم أيضاً يكون ذلك بلسانه، بالثناء على الله ، وبشكره وحمده على ما يليق بجلاله وعظمته، وكذلك أيضاً يكون ذلك بالجوارح، بتعبيدها لربها وخالقها، فكلما ازداد الإنسان نعمة كلما ازداد عبودية وشكراً لله -تبارك وتعالى.

ولهذا كان النبي ﷺ أعبد الناس لله -تبارك وتعالى، إذ إن ألوان النعم التي تسدى إلى الإنسان تستوجب الشكر، سواء كانت من النعم الظاهرة، أو الباطنة، ولهذا لما سألت عائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- النبي ﷺ عن هذا الاجتهاد في العبادة، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان يقوم الليل حتى تَرِم قدماه ﷺ، أجابها بهذا الجواب: أفلا أكون عبداً شكوراً؟![1].

فإن مغفرة الذنوب تستدعي لوناً من شكر الله -تبارك وتعالى- من قبل العبد، فصار يتقرب إلى الله بهذه العبادة الشاقة على النفوس، حتى تتفطر قدماه من طول الوقوف وكثرة التعب ﷺ، وقل مثل ذلك إذا هداك الله إلى نعمة الإيمان والإسلام، فينبغي أن تحمده، وأن تتمسك بأهدابها، وأن لا تعرض نفسك للشبهات أو الشهوات، فتضيع من بين يديك هذه النعمة.

وإذا هداك الله إلى نعمة خاصة، كأن هداك إلى معرفة العلم الصحيح، وفتح عليك من أبوابه فهذا يستوجب لوناً من الشكر، ببذل هذا العلم للناس، وبالقيام بوظائفه العملية، فيكون الإنسان عاملاً بهذا العلم، وإلا فما الفائدة؟

وعالمٌ بعلمهِ لم يعملَنْ معذَّبٌ من قَبل عُبّاد الوثنْ

 لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله أحبار اليهود، وبالتالي فإن هذه النعم التي تعطى للإنسان ينبغي أن يزداد بها شكراً، فإذا أعطاك الله المال فينبغي أن يرى أثر ذلك عليك باللباس، وأن يرى أثر ذلك عليك بما تجود به لإخوانك المسلمين الذين حرموا من هذه النعمة.

إذا أعطاك الله العافية في البدن والقوة فينبغي أن تسخر هذه النعمة في التقرب إلى الله ، ولا تجعل لربك حال الهرم، والضعف، والعجز، والشيخوخة، فهذا من كفر النعمة.

هذه الطاقة الهائلة التي يتوقد فيها بدنك ينبغي أن تصرف في شيء تنتفع به إذا وسدت في قبرك، تجعل هذه الجهود مبذولة، مصروفة، فيما يقربك إلى الله .

وقل مثل ذلك في الشباب، وفي غيره، ولذا قال النبي ﷺ: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ[2].

ولن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: وذكرها ﷺ العمر والشباب والمال..[3].

قوله: إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، أما الكافر فإنه إذا أعطي العافية في بدنه، والمال فإن ذلك يكون زاداً له للبعد من الله ، والتقرب من عذابه، وناره، ولهذا قال الله : لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:188]. وقال: إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً [آل عمران: 178]، وقال: وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ۝ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ۝ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ۝ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ۝ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف : 33- 37]. فهؤلاء لا يزال الواحد منهم في غيه، وبعده، وإعراضه عن ربه -تبارك وتعالى، وكلما ازداد نعمة كلما ازداد بعداً من الله ، فهذه النعم التي يغدقها الله على هؤلاء الكفار إنما تكون لمزيد العذاب، والإثم الذي ينتظرهم وينالهم.

قوله: إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له، سفيان الثوري -رحمه الله- لما ذهب إلى عبد الرزاق الصنعاني في اليمن، فأطعمه قِدراً من سكباج، وأعطاه من زبيب الطائف، فأكل تلك الليلة، فقال: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله، فجعل يصلي حتى أصبح، في مقابل هذا الشبع الذي حصل له من هذا السكباج، وهو: لحم يطبخ بطريقة معينة، مع زبيب الطائف.

فكم نأكل نحن في ليلنا ونهارنا؟ هذا سفيان الثوري لم يحصل له هذا إلا نادراً، فلما حصلت له هذه النعمة قام يصلي حتى أصبح.

وكان سفيان الثوري –رحمه الله- إذا قام الليل يجعل قدميه مرفوعة إلى الجدار، لينزل الدم، لطول مقامه في صلاة الليل.

وإذا حصل من أحد من السلف شيء من التقصير كان يبادر إلى مزيد من الاجتهاد في العمل الصالح، ولذلك جاء عن ابن عمر أنه كان إذا فاته ورده من الليل صام ذلك اليوم الذي بعده؟

فما بالنا نحن نقع بالذنوب والمعاصي والجرائم ثم لا يزيدنا ذلك إلا غفلة وإعراضاً عن الله -تبارك وتعالى؟!

النفوس تحتاج إلى مداواة، تحتاج إلى علاج، تحتاج إلى حفظ، تحتاج إلى موازنة ومعادلة، إذا وقع التقصير زاد الإنسان في العمل الصالح.

كان بعض السلف إذا اغتاب صام يوماً، فكان الصوم يسهل عليهم، فجعل على نفسه أنه إذا اغتاب أحدَهم تصدق بدينار، أو درهم، فكان ذلك سبباً لتركه للغيبة.

قوله: وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له الضراء: هي الأمر الذي يتضرر به الإنسان ويتألم له في نفسه، أو أهله، أو في ماله، أو في ولده، وإن كان ذلك يسيراً؛ لأن النبي ﷺ قال: حتى الشوكة يشاكها المؤمن يكفر الله بها من خطاياه[4].

ومن المعلوم أن من قارف شيئاً من الأمور التي تستوجب العقوبة فإن ذلك قد يندفع عنه بسبب توبة، أو بسبب حسنات كثيرة ماحية، كما قال النبي ﷺ لعمر في قصة حاطب: أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم؟[5]، لأن شهودهم بدراً كان عملاً عظيماً، وكذلك في قصة عثمان لما جهز جيش العسرة قال له النبي ﷺ: ما ضر عثمانَ ما عمل بعد اليوم[6].

ومعلوم أن المفلح الناجي هو من غلبت عشراته آحاده، أي: من غلبت الحسنات عنده على السيئات، وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ [الأعراف: 8-9].

فالعبرة بغلبة الحسنات، وكثرة الخير والصلاح، والبر، والمعروف، وإن كان لا يخلو أحد من تقصير، ومن ذنوب، لكن المشكلة حينما تغمرنا الذنوب، والتقصير، والتفريط، والغفلة.

فإذا عرف الإنسان هذه الحقيقة يكون متقلباً بين الشكر والصبر، بل لربما أفضى به الأمر في مثل هذه الأمور المكروهة إلى أن ينتقل من الصبر إلى الرضا، فيكون راضياً لما قدر الله له.

ولعله يأتي كلام موسع عن الرضا بإذن الله -تبارك وتعالى، والمقصود به أن يرضى بما قدر الله عليه، ولا ينفي ذلك المدافعة؛ لأن من الأمور المقدرة ما يمكن مدافعته، مثل المرض إذا نزل فإن علاجه لا ينافي الإيمان بالقدر، لكن الأمور التي لا يمكن دفعها كأن يموت ابنه، أو أخوه، أو أبوه، هذا لا يمكن دفعه، فما عليه إلا أن يصبر، وأن يرضى.

ولذلك كان السلف يستشعرون هذا المعنى، هذا معاذ بن جبل لما أصابه طاعون عمواس كان يقوم على المنبر بفلسطين، ويقبّل بثرة الطاعون أمام الناس فرحاً بها.

واليوم بعض الناس لو قيل له في تقرير طبي: إن الذي فيك هو المرض الفلاني لا تحمله قدماه، وربما انهار وسقط وشعر أن علل الدنيا قد اجتمعت عليه.

وجاء عن ابن مسعود لما دخل عليه أصحابه، فرأوا غلماناً عنده كالدنانير، فجعلوا ينظرون إليهم، فقال: تنظرون إليهم؟ والله إني لأتمنى موتهم، يشير إلى ما عند الله من الأجر لمن صبر واحتسب.

عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- قال لابنه عبد الملك: والله يا بني إني لأتمنى أن تموت قبلي، من أجل أن أحتسبك، فقال: والله يا أبتِ لا أكره ما تحب.

ونحن اليوم في حالة من التعلق بالدنيا عجيبة، فالمقصود أن الإنسان قد يبلغ مرتبة عالية من مراتب الجنة، بسبب مصيبة تقع له، هذه المصيبة قد تكون سبباً لتكفير ذنوب عظيمة وقع فيها.

فينبغي للإنسان أن يتذكر هذه المعاني، ويرجو ما عند الله ويصبر ويحتسب، وإن كان يتقلب في نعمة فينبغي أن يشكرها، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، أبواب التهجد، باب قيام النبي ﷺ حتى ترم قدماه (1/ 380)، رقم: (1078)، ومسلم، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (4/ 2171)، رقم: (2819).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة (5/ 2357)، رقم: (6049).
  3. أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب في القيامة (4/ 612)، رقم: (2417).
  4. أخرجه البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرضى (5/ 2137)، رقم: (5318)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها (4/ 1991)، رقم: (2572).
  5. أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الممتحنة (4/1855)، رقم: (4608)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل أهل بدر وقصة حاطب بن أبي بلتعة (4/1941)، رقم: (2494).
  6. أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب في مناقب عثمان بن عفان  (5/ 626)، رقم: (3701).

مواد ذات صلة