تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 14 / صفر / 1441 - 13 / أكتوبر 2019
الحديث على آيات الباب
تاريخ النشر: ٢٣ / صفر / ١٤٢٦
التحميل: 2738
مرات الإستماع: 2964

تنبيه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فأذكّر أيها الإخوة بأن هذه المعازف التي توضع في هذه الأجهزة لا تجوز لا في المسجد، ولا في خارج المسجد، وأنها في داخل المسجد تكون أعظم حرمة، لما في ذلك من انتهاك لحرمة المسجد، ولما فيه من الإساءة في الصلاة، والعبد يناجي ربه فكيف يجابهه بمعصيته؟!، ولما فيه من أذية المصلين، ولما فيه من أذية الملائكة، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس، ثم إن كل من تسبب في هذا فإن له نصيباً من الوزر، والإنسان ينوء بذنوبه هو، فكيف يتحمل ذنوب الآخرين من أجل نغمة جوال؟!

الإنسان ذنوبه تكفيه، فكيف يتحمل ذنوب الآخرين من أجل نغمة؟ فاتقوا الله أيها الإخوة.

مقدمة باب الصدق

يقول النووي -رحمه الله- في هذا الكتاب العظيم المبارك كتاب رياض الصالحين: باب الصدق، الصدق كلمة ذات مدلول كبير، ويكون في المقال بأن يتوافق قول الإنسان مع ما في قلبه، فإذا تكلم الإنسان وقال: زيد سافر، وهو يعتقد أنه مسافر فإنه يكون صادقاً بذلك، موافقة اللسان لما في القلب، مواطأة بين اللسان وبين القلب، هذا صدق القول.

وبعض أهل العلم يدخل فيه قيداً آخر، وهو: أن يوافق أيضاً الخارج الواقع، فلو قال –مثلا- زيد سافر، وهو يعتقد فعلاً أنه سافر، وتبين أنه لم يسافر، فمن أهل العلم من يقول: إن هذا من الكذب، وهذا صحيح، لكنه من الكذب الذي لا يؤاخذ عليه، لكن يصح أن يوصف هذا القول بأنه قول كاذب، وعليه يحمل ما جاء في روايات عدد من السلف حينما يقول: كذب فلان، يقولها عن صحابي آخر، يريد أنه أخطأ بذلك.

فالكذب المذموم الذي يلام عليه الإنسان فيما يتصل بالقول هو أن يحصل التخالف بين ما في اللسان وبين ما في القلب، حتى لو قال: زيد سافر، وهو يعتقد أنه لم يسافر، وتبين أنه مسافر، يعني: صار القول موافقاً للواقع لكنه أراد أن يكذب فتبين أنه غير موجود مصادفة، فإنه يعتبر كاذباً ويؤاخذ ويأثم على هذا القول الذي قاله، ويكون مذموماً.

لكن لو أنه قال: زيد سافر، وهو يعتقد هذا، وتبين أنه لم يسافر فيكون من قبيل الخطأ، هذا يصح أن يسمى بالكذب ولكنه غير مؤاخذ عليه، ولا يلام، وليس هذا هو الكذب الذي جاءت الشريعة بذمه.

وهناك أنواع أخرى من الصدق، هناك صدق في الحال، وهناك صدق في العمل، وهناك صدق في الاعتقاد والنية.

أما الصدق في الاعتقاد والنية فأن يكون الإنسان مخلصاً صادقاً في توجهه واعتقاده وإرادته لوجه الله ، ويبتع ذلك الصدق في العمل.

ومن الناس من يظهر الصدق في الحال، ويكون ظاهره الصدق، ولكنه في باطنه يخالف ذلك، مثل المنافقين، ولذلك كانت الأوصاف التي ذكرها النبي ﷺ في قوله: أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر[1].

قوله: إذا حدث كذب؛ لأن محور النفاق أصلاً يدور على الكذب وعلى خلاف الصدق، وإذا وعد أخلف، هذا أيضاً من الكذب، كذب في المواعيد، وكذب في السلوك، ولذلك سئل الإمام أحمد -رحمه الله- كيف نعرف الكذابين؟، قال: بمواعيدهم.

وإذا اؤتمن خان، فهو كذاب في الذمة، لا ذمة له ولا عهد ولا أمانة، فمحور النفاق يدور على الكذب، ومحور الإيمان يدور على الصدق، فيكون الإنسان بهذا الاعتبار صادقاً باللسان وبالقلب وبالحال وبالعمل، لا يصلي رياء، ولا يصلي من أجل أن يحصّل عرضاً من الدنيا، ولا يتزين بالصلاة من أجل أن يقال عنه: إنه مؤمن، أو يقال عنه: إنه مخلص، أو يقال عنه: إنه مصلٍّ، أو نحو ذلك، هذا نوع من النفاق.

فالصدق يشمل هذه الأمور، وليس الصدق في اللسان فقط، بل حتى إن الصدق يدخل في أدق من هذا، فلا تتظاهر بأمر على خلاف ما في نفسك، بمعنى أن الإنسان قد يسأل يقول: أين أنت هذه الأيام؟، منذ زمن ما رأيناك، وهو يدري أنه كان في المستشفى، وأنه جرت عليه أمور عظام، ولم يزره، ولم يسأل عنه، وقصر في حقه، ولا يستطيع أن يكذب فيقول: ما كنت أعلم، فبعض الناس يتجاسر على الكذب، لكن منهم من لا يتجاسر على النطق بالكذب، ويريد أن يوصل له رسالة أنه لا يعلم، فهذا في الواقع نوع من الكذب بإظهار الجهل، ولا يخلو ذلك من كذب، ولذلك ليس هذا من أخلاق أهل الورع.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}

قال: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119] أمرهم بالتقوى؛ لأنها الموطئة للقبول والامتثال، فالإنسان إذا اتقى الله فعل ما أمره به، وترك ما نهاه عنه تؤثر فيه الموعظة، ويَقبل عن الله ما يأمره به، وهذا هو الفرق في الناس، من الناس من تقول له: افعل كذا، والله يأمرك بكذا، تقرأ عليه آية من القرآن، تقول له حديثاً، فيعرض عنك ولا يكترث، ومن الناس من إذا سمع الموعظة، وسمع التذكير وقف واحتاط لنفسه، وسأل عما يحتاج إليه، ثم سارع بالامتثال، هذا حال المؤمن؛ لأنه قد حصّل التقوى، فإذا وُجدت التقوى وجد الامتثال، ولذلك تجد الإنسان في حال إقباله إلى ربه -تبارك وتعالى- وصلاح قلبه وصفاء نفسه يَقبل عن الله ، فيبحث عن مأمورات الله، ويسأل عنها، وتجد آخر يسمع الآيات صباح مساء، ولا تحرك فيه ساكناً، كما قال الله عن المنافقين: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون [التوبة: 127].

وقال: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ۝ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 124-125].

ومن التقوى: الصدق، لكنه خص ذلك بعده بقوله: وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ، هذه الآية نزلت من سورة براءة في قصة الثلاثة الذين خلفوا، وقد مضى ذلك في الكلام على التوبة، فهؤلاء الذين خلفوا كذب الناس ممن تخلفوا عن غزوة تبوك، وجاءوا بالأعذار الكاذبة، سوى هؤلاء الثلاثة، لزموا الصدق، وأصابهم بسبب ذلك زلزلة، وبلاء شديد، ومع ذلك صبروا غاية الصبر، وهجرهم الناس، ثم كانت العاقبة لهم.

 فالله يقول لأهل الإيمان: يا أيها الذين صدقوا بقلوبهم، وانقادوا ببواطنهم وأذعنوا وأسلموا لله ، بجوارحهم وظواهرهم، وذلت ألسنتهم بكلمة الإيمان اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، كونوا معهم في المعاشرة، فخالط أهل الصدق، اتق الله في مخالطتك ومصاحبتك، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، كن معهم، كما قال الله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].

هؤلاء هم أهل الصدق، لا تطع المضيع، ولا تصاحب المتملق الذي كل يوم يلقاك بوجه، أو يلقاك بوجه ثم ينصرف عنك بوجه آخر، أخلاقه مصلحية دنيوية، لا يريد وجه الله بعمله وقوله، فهذا ليس بأهل أن تقضى معه الأوقات.

اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ، كونوا معهم بمعاشرتهم ومخالطتهم وليكن هؤلاء هم خاصتك، وكونوا معهم أيضاً في حكمهم وفي جملتهم، أي أنك تكون معهم بالصدق، أن تلزم الصدق، أن تكون مع هؤلاء، لا تكن مع أولائك الذين ينافقون ويكذبون، ولا يلتزمون الصدق في أحوالهم وأقوالهم وأعمالهم كلها، كونوا مع الصادقين، ثم انظر إلى هذا الوصف كيف جاء الله به وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ، ولم يقل كونوا مع من صدق؛ لأن الإنسان قد يصدق لكن حينما يقال: فلان من الصادقين، فلان من القانتين، فلان من الخاشعين معنى ذلك أنه لم يحصل هذا منه مرة، أو في بعض الحالات التي يكون من مصلحته أن يصدق في نظره القاصر.

وإنما يكون ذلك صفة راسخة له، لا تتبدل ولا تتغير سواء شعر أن في ذلك مصلحة له، أو أن ذلك على خلاف مصلحته، مع أن الواقع أن المصلحة في النظر البعيد هي له في الصدق، عاقبته له، كما حصل للثلاثة الذين خلفوا.

ثم هؤلاء الذين أمر الله أن نكون في جملتهم، من أهل العلم من يقول: هم الثلاثة الذين خلفوا، ومن أهل العلم من يقول: كونوا مع محمد وأصحابه، ولا شك -كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله- أن أصحاب النبي ﷺ هم أئمة الصدق في الدنيا، وهم أكابر الصادقين.

فالله أمر بالكون معهم، فيكون الإنسان متبعاً لهم في أحوالهم الظاهرة والباطنة كلها، أما من اتبعهم في بعض الأمور وخالفهم في بعض الأمور فإنه لا يستحق أن يوصف بأنه منهم، وأنه معهم أو في جملتهم، والآية ظاهرها العموم، كونوا مع الصادقين بإطلاق، من الصحابة فمن بعدهم من أهل الصدق في الإيمان وفي القول وفي العمل، ولذلك إذا كان أحد من جلسائك يمتهن الكذب بلسانه فإنه لا يستحق الصحبة، لا تصاحبه، والطبع سراق، يصل إليك هذا الداء، ولا تأمن هذا الإنسان الكذوب، من الناس من لا يُعرف له مزح من جد، ولا يعرف له صدق من كذب؛ لأنه يكثر من الكذب، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً.

نسأل الله العافية، فإذا كتب عند الله كذاباً لم يبق له شيء، فهو كذاب عند الله -عز وجل، فالمسألة ليست قضية سهلة، وليست قضية تطوعية أو تبرعاً، أو شيئاً يتجمل به الإنسان، بل هي لازم يرتبط بالإيمان ارتباطاً أصلياً.

 أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يجعلنا من الصادقين، وأن يتقبل منا ومنكم، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق (1/ 21)، رقم: (34)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق (1/ 78)، رقم: (58).

مواد ذات صلة