تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
الحديث على آيات الباب
تاريخ النشر: ٢٤ / شعبان / ١٤٢٦
التحميل: 2163
مرات الإستماع: 2722

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا...}

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكنا شرعنا في الليلة الماضية في الحديث عن المجاهدة، واليوم يكون التعليق بإذن الله على ما صدر به الإمام النووي -رحمه الله- هذا الباب من الآيات في هذا الموضوع.

قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] هذه الآية وعد الله فيها أهل المجاهدة بالهداية، وأيضاً ختمها بقوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ، ولا شك أن أهل المجاهدات هم الذين يصلون إلى درجة الإحسان إن حققوا المجاهدة المطلوبة، فإنه لا يمكن للإنسان أن يبلغ الإحسان إلا بمجاهدة عظيمة.

الإحسان الذي يصل به الإنسان إلى الحال التي وصفها النبي ﷺ حينما قال له جبريل: أخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك[1]، وذلك إما أن يكون على مرتبتين، أي أن من الناس من يصل إلى المرتبة العليا في الإحسان، وهي أن يصير إلى حال يتعبد ربه كأنه واقف بين يديه يشاهده ويراه عياناً، فإن لم يتمكن من ذلك فإنه يستشعر أن الله يراه، ويطلع عليه، هكذا فسره بعض أهل العلم، ومنهم من يقول: هي مرتبة واحدة، يوجه فيها النبي  ﷺ المؤمن إلى أن يستحضر هذا المعنى، أن يعبد ربه عبادة كأنه يشاهد ربه، وعليه أن يدرك أنه إن لم يكن مشاهداً له فإن الله يشاهده، ويراه، ويطلع عليه، والإنسان إذا وصل إلى هذا حسنت صلاته، واستقامت عبادته، وصار في غاية الخشوع، والخضوع، والأدب مع الله -تبارك وتعالى، وحفظ لسانه وجوارحه من كل ما لا يليق؛ لأنه يستشعر أن ربه ناظر إليه، محيط بعمله وحاله، فلا يصدر منه ما لا يليق، فلا يكون في هيئة، أو حال، أو مقال يصدر منه يستحي أن يشاهده الناس عليه، كما هو حال كثير من الناس، لربما يتحرز من الناس ما لا يتحرز من الله .

فقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا [العنكبوت:69]، هذا وعد لكل أهل المجاهدة، فيدخل في ذلك الذين جاهدوا أعلى أنواع ومراتب الجهاد، وهو جهاد الكفار في ميدان المعركة، فهؤلاء وعدهم الله بالهداية، ولهذا قال الله -تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ۝ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد:4-5]، وفي القراءة الأخرى: وَالَّذِينَ قَاتَلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ۝ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ، أما على القراءة الأولى فهؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله سيهديهم، أي: أن الله يهديهم عند الحساب إلى الجواب الصواب، ويهديهم أيضاً في المحشر إلى الصراط، ويهديهم على الصراط، ويهديهم إلى باب الجنة، ويهديهم إلى منازلهم في الجنة، فهذه كلها من الهدايات التي يفتقر إليها العبد بعد الموت.

وأما على القراءة الأخرى: وَالَّذِينَ قَاتَلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ۝ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ، فسيهديهم في الدنيا للصواب، ولما اختلف الناس فيه من الحق بإذنه، ويهديهم إلى أفضل الأعمال، وإلى كل خير في الدنيا والآخرة.

هنا: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا فيدخل فيه هؤلاء، ويدخل فيه أصحاب المجاهدات الذين يجاهدون النفس لحملها على طاعة ربها ومليكها ، ويجاهدونها لكفها عما لا يليق، عن فعل الحرام، ومقارفة الحرام، ويجاهدون أهواء النفوس، ويجاهدون الشيطان، فالإنسان في صراع دائم لا ينقطع حتى يموت مع عدوه إبليس، فهو في معركة مدتها الحياة، حتى تخرج روحه، والشيطان يتوعده ويقعد له في كل طريق.

فينبغي للعبد أن يستشعر أنه في جهاد مستمر، وأن عدوه متربص به في كل طريق، ينتظر غفلته، فتقع زلته، فعند ذلك تحصل غوايته، وانحرافه، وضلاله عن الصراط المستقيم.

الإنسان بحاجة إلى استحضار هذه المعاني، ثم إن قوله -تبارك وتعالى: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا اللام هنا يمكن أن تكون جواب قسم محذوف، كأن الله يقسم على هذا، فهو شيء مؤكد.

وأيضاً فإن الله قال: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا جاء بها بالجمع، فهذا يدل على كثرة ما يحصل لهؤلاء من الهدايات إلى كثير من أبواب البر والمعروف والخير، ثم أيضاً رتب الله هنا الهداية على المجاهدة.

وذكرنا مراراً أن الحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فهذا الحكم الذي هو الهداية الذي حكم الله به لهؤلاء بناه على وصف وهو المجاهدة، فيزيد بزيادته، وينقص بنقصانه، وبناء عليه نقول: على قدر مجاهدة هؤلاء على قدر ما يحصل لهم من الاهتداء، فكلما كان العبد أكثر مجاهدة كلما كانت هدايته أكمل.

وبهذا يكون في غاية الإحسان، فيكون الله معه، ومن كان الله معه فإنه لا يضيع، ولا يشقى، ولا يضل، وإنما يحوطه ربه ويحفظه، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43].

فهذه مرتبة عالية، إذا حصلت معيّة الله للعبد، المعية الخاصة بالنصر والتأييد، والحفظ، وما أشبه ذلك.

إلى غير ذلك مما ذكر من الآيات، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة (1/ 27)، رقم: (50)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى (1/ 36)، رقم: (8).

مواد ذات صلة