تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
السبت 20 / صفر / 1441 - 19 / أكتوبر 2019
"ذهب أهل الدثور بالأجور.." ، «لا تحقرن من المعروف شيئًا..»
تاريخ النشر: ١٤ / شوّال / ١٤٢٦
التحميل: 2418
مرات الإستماع: 8854

ذهب أهل الدثور بالأجور

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمن الأحاديث الدالة على كثرة طرق الخير، وأن من أراد أن يصل إلى الله -تبارك وتعالى- فإنه يجد أبواباً مشروعة، وليس الطريق إليه محصوراً في باب قد يعجز عنه الإنسان، كالصدقة، فقد يكون ليس له مال، أو يكون ذلك بالصيام، وقد لا يطيقه، وإنما هناك أبواب وأبواب.

فقد جاء في:

حديث أبي ذر :  أن ناسا قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع  أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. رواه مسلم.

"أن ناساً قالوا: يا رسول الله"، وهؤلاء الناس هم من الفقراء، وهم أهل الصفة، الذين كان الواحد منهم لربما لا يملك إلا إزاراً دون أن يكون عليه رداء، ما يملك من الدنيا شيئاً، ترك أهله وماله وعشيرته وقومه لله -تبارك وتعالى، فكانوا يعيشون في سقيفة في مؤخرة المسجد، ينتظرون متى يسمعون منادي الجهاد، فيتسارعون ملبين دعاءه ونداءه.

يقول: "قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور"، والمقصود بالدثور أي: الأموال، فدثور جمع دِثْر، أي: مال، والمعنى: ذهب أهل الأموال بالأجور، فهؤلاء فقراء ليس عندهم شيء.

المقصود بالدثور أي: الأموال، فدثور جمع دِثْر، أي: مال، والمعنى: ذهب أهل الأموال بالأجور، فهؤلاء فقراء ليس عندهم شيء.

قال: "يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم"، هؤلاء من الأغنياء من الصحابة يسارعون في الخيرات، فهم يصلون ويذكرون الله ويقرءون القرآن، ويقومون بألوان العبادات البدنية، ويفْضلون علينا ويزيدون بالعبادات المالية التي نعجز عنها، فقد زادوا علينا في هذا العمل، يتصدقون بفضول أموالهم، يعني: الأموال الفاضلة عن كفايتهم.

قال: أوَليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون به؟...، علّمهم صدقات بغير الأموال، إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة...[1] إلى آخر ما ذكر، لو أن الإنسان يؤمن بهذه الأشياء ويستيقنها حقيقة فكم سيجمع من الصدقات، وكم سيشغل الأنفاس وهو ينتظر، وهو في سيارته، وهو يمشي، وهو على فراشه، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، صدقات، ولا يخسر شيئاً.

والذكر كما ذكرنا سابقاً عبادة خفيفة على اللسان كما صح عن النبي ﷺ ثقيلة في الميزان، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده[2].

قال -تبارك وتعالى: فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء:103]، فلا تحتاج أن تكون في المسجد، ولا أن تذهب إلى مكان معين للذكر، ولا يشترط أن تكون متوضئاً، ولا مستقبلاً للقبلة، ولا في حال الصلاة، ولا في وقت محدد، وإنما في كل وقت، وليس في الذكر وقت نهي، فهو مشروع في جميع الأوقات، وفي جميع الحالات، وأنت تمشي، وأنت تصنع، وأنت تنتظر أحداً من الناس، تتنظر مكالمة، تنتظر في مستشفى، وأنت واقف، تسبح، فهذه صدقات، سبحان الله صدقة، الحمد لله صدقة، فلو كنا نستيقنها لما فترت ألسنتنا.

أنا رأيت رجلاً في هذا العصر، ولا زال حيًّا، يزيد عمره على المائة، كأنه فرخ، في المسجد من بعد صلاة الظهر إلى بعد صلاة العشاء، من أراده جاء إليه في المسجد وسلم عليه، كيف حالك يا أبا فلان،، قال: الحمد لله، كيف حالكم أنتم؟، إلى أن ينتظر مني الجواب يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإذا قلت له: طيبون والحمد لله، أراد أن يسأل سؤالاً ثانياً حتى ينتظر الجواب مني، يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله الله، والله أكبر، ما يترك لحظة، حتى الفترة التي تكون بين السؤال والجواب يسبح ويذكر الله ، هذا رأيته عمره فوق المائة، بحال من الصلاح والعبادة والخير، ومحتسب، مؤذن في المسجد، حسبة لله ، وهم الذين بنوا المسجد، وربى أولاده أحسن تربية، ونفع الله بهم غاية النفع، ولا ترى الرجل إلا حامداً، ذاكراً، لا تراه متبرماً مع ما يقع له من الأوجاع والأمراض، ومع ذلك لا تراه إلا حامداً متبسماً، والرجل في حال لا يكاد يبصر، وليس له قائد، ويذهب لوحده إلى المسجد، ويرجع لوحده، ويقطع الطريق، ومع ذلك هو بهذه الحال، هذه هي الغنيمة، وهذه هي الغبطة، لا تضيع الأوقات في القيل والقال ومشاهدة القنوات والنوم، وهنا مكالمة، وهنا حديث، فيضيع على الإنسان النهار، كما يضيع عليه الليل، وإذا نظر كم مرة سبح؟، كم مرة ذكر الله ؟، كم جزءاً قرأ من القرآن؟، يجد أنه لا يكاد يكون قد أنجز وأمضى شيئاً يذكر، ويمضي العمر بهذه الطريقة، والعبرة بالنتائج، وما يحصله الإنسان وليست العبرة بالأماني، والعمر ينقضي بالأماني، الإنسان ما يضره وهو يشتغل أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ليس بلازم أن يسمعك الناس، لكن تقول ذلك في سرك، والله يسمعك.

لو حسبنا الأوقات ونحن في طريق السيارة ذهاباً ومجيئاً، يمضي وقت ليس بسهل، تمضي لربما ساعة أو أكثر على الإنسان متوسط المشاوير، كم مرة يستطيع أن يسبح فيها ويذكر الله ؟.

فأقول: هؤلاء علمهم النبي ﷺ الصدقات، قالوفي بُضع أحدكم صدقة، البضع المقصود به الفرج، يعني: في الجماع صدقة، قالوا: يا رسول الله، هم ما استغربوا من التسبيح والتحميد أنه صدقة.

قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟، يعني: المعاشرة والجماع من أعظم حظوظ النفس؛ لأنها من أقوى الغرائز، ويجد الإنسان فيها لذة لا يجدها لا في الطعام، ولا في الشراب، ولا في غيره، ومع ذلك يؤجر.

ولاحظوا هنا أنه لم يقل: إذا احتسبه، وإنما أطلقه، فدل على أن بعض الأعمال يؤجر عليها الإنسان حتى لو لم يحتسب، وقد أشرنا إلى هذا في بعض الدروس، مثل المرأة البغي التي سقت الكلب، وهي من بغايا بني إسرائيل لم تحتسب، وغفر الله لها[3].

 وكذلك قال ﷺ: تكف شرك عن الناس..[4]، فلم يذكر الاحتساب، قال: صدقة منك على نفسك، تعين صانعاً أو تصنع لأخرق، لم يقل: تحتسب، ومع ذلك تؤجر عليه.

أما إذا كان قصد الإنسان فاسدًا، قصده الرياء، أو السمعة، أو التوصل إلى أمر محرم، يساعد هذا الإنسان من أجل أمر آخر لا يجوز، فهذه قضية أخرى.

فالمقصود أنه قال: وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، أي: ذنب وإثم، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر، رواه مسلم.

وهذا الحديث من أعظم الأحاديث في بيان كثرة طرق الخير، حتى ما يتعلق بحظ النفس، بحيث إن الإنسان يعف نفسه عن الحرام، ويلجأ إلى الحلال، وكذلك في الأعمال الدنيوية فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: مر بهم رجل فتعجبوا من خُلُقه فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله، فأتوا النبي ﷺ فقال: إن كان يسعى على أبويه شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على ولد صغار فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه ليغنيها فهو في سبيل الله[5]، ولم يقل يحتسب، فدل ذلك على أن الإنسان حتى في الأعمال الدنيوية يؤجر في الكسب، إلا إذا كان ذلك على سبيل التكثر، فهذا لا يؤجر عليه، فإن أخذه من حلال، وأدى حق الله -عز وجل- فيه فحسبه أنه لا يأثم، لكنه لا يؤجر على التوسع، لكن في القدر الذي يكون فيه كفايته، ويغنيه عن الحاجة إلى الناس، هذا يؤجر عليه الإنسان، ولو لم يحتسب، فإن احتسب كان ذلك أعظم في أجره وثوابه عند الله -تبارك وتعالى.

المرأة في المطبخ تؤجر على العمل لقيامها على شئون زوجها وأولادها، فهذا من الإحسان المتعدي الذي يؤجر عليه الإنسان، ولكن هل تؤجر على التوسع والتفنن والتأنق في الأطعمة، والإسراف وقضاء الأوقات وشغل النفس بمثل هذا، قد لا تؤجر عليه، لكن تؤجر على القيام بالمعروف، بشئون بيتها وزوجها في كنس الدار، وصنع الطعام، وإعداد البيت وتهيئته وما أشبه ذلك من تربية الأولاد، هذا كله من الإحسان المتعدي الذي يؤجر عليه الإنسان، إذا قدم معروفًا، إذا دل إنسانًا على الطريق أو نحو هذا، كل هذا مما يثاب عليه العبد.

لا تحقرنّ من المعروف شيئاً
وأيضاً ذكر بعده:
حديث أبي ذر عن النبي ﷺ: لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْق[1].

فأي عمل تعمله من المعروف تستطيع أن تقدمه افعل، ولا تقل: هذا عمل ضئيل، هذا عمل ماذا عسى أن يؤثر؟، "ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق"، يعني: ببشاشة وحسن استقبال وابتسامة وما أشبه ذلك، فهذا تؤجر عليه، مع أنه لا يأخذ منك أي تكاليف أبداً، فلا يُحتاج أن تقضي وقتًا معه، وتذهب معه إلى قضاء حاجته، أو تعطيه مالاً أو نحو ذلك، إذا لقيته وسلمت عليه فتؤجر، تبتسم في وجهه تؤجر، فهذا لا يكلفنا شيئاً، لكن المشكلة أيها الأحبة في هذه النفس، النفس تشدنا، وأحياناً الإنسان يتردد يرفع يده أو لا وهو يمشي في الطريق يسلم على واحد مار لا يعرفه، يتردد يرفعها أو لا، وأحياناً يرفعها ربع رفعه، يضيق صدره، يبخل على نفسه بالمعروف والخير، فالنفس تحتاج إلى مجاهدة، النبي ﷺ يقول: لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم[2]، ماذا يضرك أن تسلم إذا مررت على من تعرف، ومن لم تعرف؟

ماذا يضرك أن تبتسم بدلًا من أن تكشر؟، إذا دخل الإنسان بيته يسلم، يداعب، يبتسم، يدخل السرور على أهله، لا يكلفه هذا شيئًا، ما قالوا لك: اشتر لنا أطباقًا، اشتر لنا كذا، ابتسامة فقط، كلمة طيبة.

فأقول: النفس تحتاج إلى مجاهدة، وما يوجد شيء إلا بالمجاهدة، ولا يمكن أن تتنزل الأخلاق والأعمال الطيبة على الإنسان وتدخل في قلبه، ثم بعد ذلك تنبعث من جوارحه، أبداً.

ولا يسمو من يسمو بالحلم أو العلم أو الكرم أو الأخلاق أو البذل، أو قيام الليل أو صيام النهار أو الكلام الطيب أو غير هذا إلا بالمجاهدة، حتى الكلمات الطيبة تحتاج إلى مجاهدة.

بعض الناس يقول: ما تعودت أن أقول لأبي أو لأمي كلمات طيبة، أو أقبل يده، يستغرب، ما تعود مني هذا الكلام، تعود معاملة رسمية، أين رحت؟ ومن أين أتيت؟ وهات الشيء الفلاني، دخِّل الشيء الفلاني فقط، لم يتعود أن يجلس معه، ويلاطفه، نقول: ما شاء الله، ما هذا الإصرار على هذه الجلافة، وعلى العقوق للوالدين؟، هذا شيء تتمدح به تقول: ما تعود مني!، إصرار على العقوق، إصرار على الجفوة، إصرار على القسوة، إصرار على الفظاظة، غيّر هذه الأخلاق، حتى لا يعتاد منك إلا البر والإحسان والكلمات الطيبة، فيستغرب منك إذا جئت في يوم وقد تركت شيئاً من هذه العادات الجيدة، فيقال: فلان ما باله اليوم؟، لكن للأسف الذي تعود منه الفظاظة إذا جاء يلاطف في يوم من الأيام يقال له: ماذا تريد اليوم بهذه اللطافة؟، لأنه لم يتعود منه اللطف.

وبعض الناس يقول: لا أستطيع، أحرج، أستحي أن أقبل رأس أبي أو أمي أو جدتي أو نحو هذا، نقول: ما شاء الله على هذا البر وهذه التربية وهذه الأخلاق؟.

فأقول: النفس تحتاج إلى مجاهدة في كل شيء، ولن يسمو أحد إلا بالمجاهدة، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، كل شيء بالمجاهدة، جلوسكم هذا بالمجاهدة، لولا المجاهدة ما جلستم، مجيئكم إلى المسجد بالمجاهدة، الوضوء بالمجاهدة، الصلاة بالمجاهدة.

لماذا الناس يذهبون إلى أعمالهم يعملون ثمانِىَ ساعات أو أكثر؟ لا شيء إلا المجاهدة والصبر والتحمل، سنوات طويلة، ينقضي العمر حتى يشيب الإنسان وهو موظف، فهذا كله يحتاج إلى صبر.

أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء، (4/ 2026) رقم: (2626).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها، (1/ 74)، رقم: (54).

مواد ذات صلة