تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
السبت 20 / صفر / 1441 - 19 / أكتوبر 2019
الحديث على آيات الباب وحديث «مه عليكم بما تطيقون..»
تاريخ النشر: ١٤ / ذو القعدة / ١٤٢٦
التحميل: 1825
مرات الإستماع: 2358

قوله تعالى: {طه ۝ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فتحدثنا في الليلة الماضية عن أول هذا الباب، وهو باب الاقتصاد في الطاعة، وذكرنا من يصلح لهم طرح مثل هذه الأحاديث ومثل هذا الموضوع، وذكرنا نوعين فيما يتعلق بالإفراط، ثم ذكر الإمام النووي -رحمه الله- آيتين في صدر هذا الباب على عادته في إيراد الآيات في أوائل الأبواب.

قال الله تعالى: طه ۝ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طـه:1-2]، وقال: يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، فالآية الأولى خوطب فيها شخص النبي ﷺ، وذلك يشمله ويشمل أمته، فالله أنزل القرآن هدى للناس، بين فيه الحلال والحرام، وما يحتاجون إليه، وذكر فيه كل ما فيه صلاحهم، ولم يكلفهم تكلفياً يخرج عن طوقهم ووسعهم.

فالله أنزل القرآن هدى للناس، بين فيه الحلال والحرام، وما يحتاجون إليه، وذكر فيه كل ما فيه صلاحهم، ولم يكلفهم تكلفياً يخرج عن طوقهم ووسعهم، ورخص لهم ألوان الرخص في حال العجز عن القيام بما تعبدهم به من ألوان العبادات، ولم يحملهم مشقة زائدة على المعهود.

قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}

ولهذا قال الله يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، فهذه الآية وإن كانت نازلة في الصيام إلا أنها تشمل الصوم، وتشمل غيره في سائر الأبواب، فإن الله -تبارك وتعالى- حينما تعبدنا بالصيام، أو الصلاة، أو الحج، أو غير ذلك لم يكن ذلك من أجل إيجاد المشقة، لم تكن المشقة مقصودة لذاتها، ولو كانت مشقة معتادة، ولذلك فإن طلب المشقات، وتقصّد ذلك في العبادات أمر لا وجه له، ولا يطالب به المكلف، بمعنى لو كان للإنسان طريق إلى تحصيل العمل أو العبادة ميسر سهل، وطريق آخر فيه عسر ومشقة فإنه يسلك الطريق السهل، والنبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، ولذلك فإن العبد إذا قصد المشقة في العمل فإنه لا يؤجر على ذلك، لكن المشقة العارضة من غير تطلب وقصد هي التي يؤجر عليها، وهي التي جاء فيها حديث عائشة -رضي الله عنها- في إحدى رواياته لما قال لها النبي ﷺ: إن أجرك على قدر نصَبك[1].

فمثل هذا في المشقات العارضة، أما أن يتعمد الإنسان أن يصلي في مكان بارد، أو أن يصلي في مكان حار، أو أن يتعمد أن يصوم في بلد حار من أجل أن يجد حر الصوم مثلاً فإن هذا أمر ليس مطلوباً شرعاً.

عليكم بما تطيقون

وذكر: حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه؟، قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها، يعني: من كثرة صلاتها واجتهادها في ذلك، قال: مه، وهذه كلمة للنهي وللزجر كأنك تقول له: توقف أو اسكت، أو نحو ذلك، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا[1].

ذكرنا في الأمس مقصود الشارع من تكليفنا بهذه الشريعة وأن من مقاصده الاستمرار والدوام على العبادة، وذكرنا الصور التي يمكن أن يزهد الإنسان فيها بالطاعة، فعليكم من العمل بما تطيقون؛ حتى لا يحصل الانقطاع، أو يحصل الضجر من العبادة وكراهية العبادة، فينفر القلب منها، ويستثقلها ويتبرم بها.

وذكرنا أن الإقبال على العبادة بقلب منشرح، ونفس راضية أن ذلك أفضل، وأعظم في أجر الإنسان، ثم قال: فو الله لا يمل الله حتى تملوا، فسره كثير من أهل العلم بمعنى أن الله -تبارك وتعالى- لا ينقطع من إثابتكم حتى تنقطعوا من العمل، فإن هذا الانقطاع يسمى بذلك

فو الله لا يمل الله حتى تملوا، فسره كثير من أهل العلم بمعنى أن الله -تبارك وتعالى- لا ينقطع من إثابتكم حتى تنقطعوا من العمل، فإن هذا الانقطاع يسمى بذلك، يقال له: ملل في كلام العرب، فإذا عمل ثم ترك يقال: مل العمل.

 وكان أحب الدين إليه يعني: أحب العمل من صلاة، وصوم، وغير ذلك، ما داوم صاحبه عليه، وذكرنا في الأمس حال النبي ﷺ وأنه كان يداوم على الأعمال، وكان إذا عمل عملاً أثبته، وما إلى ذلك.

وعلى كل حال الحديث في هذا الموضوع يحتاج إليه صنفان من الناس، صنف لعله غير موجود غالباً في هذا الزمان، وهم الذين قد شمروا عن ساعد الجد، واجتهدوا في العبادة اجتهاداً منقطع النظير، حتى شقوا على أنفسهم، وعلى من يعولون من أهل وغير ذلك.

والصنف الثاني وهذا يحصل كثيراً، هو الذي يتحمس حينما يسمع بعض الكلام، والحث على الطاعة، ثم يقبل عليها ليلة أو ليلتين أو ثلاث ليال، أو أسبوعًا أو أسابيع، ثم بعد ذلك ينقطع، فيحمل نفسه شيئاً لا يطيقه مثله، ثم بعد ذلك لا يستمر في هذه الأعمال.

أسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه (1/ 24)، رقم: (43)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك (1/ 542)، رقم: (785).

مواد ذات صلة